أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » يوسف بحصاص : المسلمون بين الأزمات والحلول …

يوسف بحصاص : المسلمون بين الأزمات والحلول …

السؤال الذي يمكن أن يفرض نفسه الآن , هل الإسلام قادر في تلك الظروف أن يقدم حلولاً , للأزمات المتعددة والتي ذكرت أعلاه ؟ . وبصياغة أخرى , هل المبادئ والقيم الدينية من تشريع وشعائر …. قادرة على المسايرة مع الظروف المعاصرة , وما يأتي من الحضارة الغربية ؟

لا يمكن لنا أن نشارك بتعمير الكون إلا إذا اكتشفنا قوانينه بالنظر العقلي المجرد والحر , وبالتجربة العملية الدقيقة. ولكن للأسف كلما حاول أحدنا أن يتحدث عن مفاهيم معينة في هذا السياق , بدأ الناس بالتململ والانصراف عن القراءة أو التأمل .

ذلك أننا منذ عشرات السنين نتكلم فنطيل في الكلام , ونقول ونتشدق في القول , عن عظمة الإسلام وشموله وخلوده وكماله , وأنه الحل الذي لا حل غيره لمشاكل المسلمين وغير المسلمين … ولكننا للأسف لا نتجاوز القول أو الكلام إلى العمل الذي يحرك الكون ويغير الواقع وفق ما نتفوه به لنقدم الدليل الصحيح على صحة ما نقول في حماس شديد وإصرار بالغ .

ونرى في الواقع أن كثيرا من المتحمسين والمتحدثين عن الإسلام , يصرون أن يتعاملوا مع من حولهم من الناس والمستمعين لهم , برؤيتهم هم , متمسكين بحق ترتيب الأولويات كما يرون , ومتصورين أنه بتلك الأولويات الجامدة البعيدة عن الواقع وعن مفهوم الفكر الإسلامي , بإمكانهم السيطرة على العالم , والتحكم به .

ويبحث الناس في ما يطرحه هؤلاء عن حلول لمشاكلهم الحقيقية القائمة , فلا يجدون في طرحهم موضعا ولا ذكرا ولا نهجا , يتمكنون به , ليس من تغيير وجه العالم , ولكن على الأقل حلولا لمشاكلهم . والأغرب من ذلك , أن الناس ترى شعارات أو حلولا لمشاكل تنمو بأخذها تلك الحلول المقترحة . حتى أصبح ترديد عبارة ” الإسلام غير المسلمين ” من الأمور المألوفة , هروباً من تأثير النماذج الجامدة , التي لم تؤت أُكلها عبر هذا الخطاب المتكرر.

يُقال أنك كلما كنت جريئاً بطرح الواقع , كلما تمكنت من إيجاد الحلول للمشاكل المزمنة والطارئة فيه . دعونا إذن نتساءل

هل المسلمون الآن يعيشون أزمات كبيرة ؟ وهل تلك الأزمات تختص بهم ؟ هل تلك الأزمات تأتي أساساً لتلبي متغيرات دورة الحضارة ؟

أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى التفكير , فأكثر المجتمعات الإسلامية متخلفة في أكثر المضامير ( اقتصادياً , علمياً , تكنولوجياً … ) والرفاه الطارئ الذي تعيشه بعض المجتمعات الإسلامية , لم يأت نتيجة تطور تلك المضامير أو أحدها , بل كان بسبب وجود الذهب الأسود . أضف إلى ذلك أن معظم المجتمعات الإسلامية هي مجتمعات تابعة اقتصادياً , وتتسع فيها كل يوم الفجوة القائمة بينها وبين الدول المتقدمة . هذا عدا عن وجود غموض يزداد كل يوم في تحديد العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وبين الدول نتيجة غياب أو تدهور المفهوم القيمي من خلال تلك العلاقات .

السؤال الذي يمكن أن يفرض نفسه الآن , هل الإسلام قادر في تلك الظروف أن يقدم حلولاً , للأزمات المتعددة والتي ذكرت أعلاه ؟ . وبصياغة أخرى , هل المبادئ والقيم الدينية من تشريع وشعائر …. قادرة على المسايرة مع الظروف المعاصرة , وما يأتي من الحضارة الغربية ؟

لقد ألح الإسلام , بعكس ما يفكر الكثير من المسلمين , على إعمار الدنيا . وإذا عرف المسلمون أن الحل لكل أزماتهم هو هذا المدخل , وعرفوا شروط وأدوات هذا المفهوم , فإن مشاكلهم ستتآكل بسرعة كبيرة . لقد قرأت للدكتور المفكر فهمي الهويدي مقالتين رائعتين , الأولى كانت بعنوان ( تعمير الدنيا قبل تعمير الجنة ) والأخرى بعنوان ( تطبيع العلاقات بين المسلم ودنياه ) تحلتا بقدر كبير من مفهوم ومعنى العمل في الإسلام , والبناء في التشريع الإسلامي . فالأجيال يجب أن تكون متحمسة للبناء , ولا تستكين وتنغلق باعتبار أن الفوز بالآخرة هو المآل والمقصد , وأن الزهد في تلك الدنيا الشريرة , يجعل الآخرة هي المطلب لكل مؤمن متعبد . إن هذا التفكير سينأى بالشباب بعيداً عن مقومات النهضة , حتى أن تلك المقومات تنهار قبل أن يبدأ البناء . إن الإسلام يحمل في جوهره لأدوات النهضة , والتي يمكن أن تتوافق وتتلاءم مع المعاصرة .

إن أولى تلك الأدوات تتمثل في إبراز الدور الإنساني للإسلام , بل دعوته لفهم التجارب الإنسانية, وهذا الأمر يتيح لنا أن نتبادل التجارب الحضارية مع الأمم الأخرى , بعيداً عن المظاهر المادية , والنزعات الفردية ( العنف , الإباحية عبادة الذات ….) التي تشوب التسارع الكبير في التقدم العلمي . وهذا الأمر كفيل بأن يجعل المسلم يقتحم حلبات السباق الحضاري , ولو كان متأخراً , ويجعله متسابقاً داخل المضمار , بعد أن نأى بنفسه خارج تاريخ وعلوم الآخرين .

الأمر الآخر هو إعمال دور العقل والإلحاح عليه في عملية بناء النهضة , لنتخلص نهائياً من مقولة ” النقل لا العقل ” والإسلام في أساسه لم يكن صانعاً لنهضة المسلمين بل كان ناهضاً بهم , من أوكار الجهل قبله, إلى قمم المعرفة والعلم بعده .

الأمر الأخير والذي يكاد يكون الأكثر أهمية , هو الأخذ بعين الاعتبار الظرفين المكاني والزماني في ربط التشريعات بالمصلحة , وتغيير الفتوى باختلافهما , ولا اقصد هنا تلك الفتاوى المضحكة , والتي يتبارى بها اليوم المنصبين أنفسهم المدافعين عن الإسلام , مثل فتوى إرضاع الكبير , والخلوة بين الرجل في الفضائية والمرأة في البيت …. فتلك الفتاوى قاصرة ولا تنظر إلى الظروف الموضوعية . وإنما أقصد الفتاوى التي تُلح على القيم الأولية والتي تنظف الذات الفردية من الفهم الخاطئ للدين . ويمكنني القول أن هناك حقائق كثيرة في التشريع الإسلامي ووصايا أتى بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم , يمكن أن تأخذ دورها الآن أكثر مما مضى , في ترسيخ العلاقات الإنسانية , ومسألة التسامح , وحرية الآخر وفهمه …. فالإسلام لديه كل مفاتيح الحلول لأزمات التخلف التي تمر بها المجتمعات الإسلامية , بل أيضاً التخفيف من أي آثار سلبية مترافقة مع النمو والتطور , والذي يراها البعض شر لا بد منه , يجب أن نتقبله إذا أردنا أن نواكب الركب الحضاري.

أعتقد أنه مع تلك الحالة يمكن أن يزول ذاك الإحساس بالخطر , والذي يجعلنا منغلقين على ذواتنا خشية الغزو الثقافي , والذي يدفعنا باستمرار إلى إغلاق النوافذ في وجه كل الرياح الوافدة , على اعتبار أنها لا محالة ستقلعنا من جذورنا , والأسوأ من ذلك أنها تدفعنا باتجاه اجترار الماضي خوفاً من المستقبل . ترى هل يمكن أن نصارح ذاتنا ونسير بهذا الطريق رغم صعوبته ؟



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع