أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون إيرانية » «البدون» في إيران… مليون «إنسان»!

«البدون» في إيران… مليون «إنسان»!

«البدون» فئة (غير محددي الجنسية) في إيران يتجاوز عددهم 5 أضغاف عدد «البدون» في دول الخليج العربية مجتمعة، حيث حسب إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد غير محددي الجنسية في الكويت والسعودية والإمارات وقطر هو يقارب 200 ألف شخص، لكن بشكل مخيب للآمال، لم ينشر الإعلام العربي ولا الغربي ولا المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان شيئاً عن قضية «بدون» إيران الذين يتجاوز عددهم مليون إنسان حسب التقديرات الرسمية الإيرانية، يوماً من الأيام، بينما كُتب ونُشر كثيراً عن «البدون» أو غير محددي الجنسية في دول الخليج العربية ومنها الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، وبشكل متواصل تطالب المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حقوق الإنسان الغربية وغيرها هذه الدول بإعطاء الجنسية والحقوق القانونية لهؤلاء مثل باقي المواطنين، وتعترف الدول الغربية بقضية «البدون» وتقبل بهم كلاجئين على أراضيها وتمنحهم جنسيتها.. ولأول مرة يتم تسليط الأضواء في وسيلة إعلام غير إيرانية على قضية «البدون» في إيران وحالتهم المعيشية القاسية، حيث بسبب عدم تحديد حالتهم القانونية لا يحق لهم الدراسة ولا العمل ولا الخدمات الطبية والصحية ولا أي نوع من أنواع الدعم الاجتماعي والاقتصادي، وحتى الحكومة والمؤسسات المعنية لا تعتبرهم ضمن إحصائياتها الرسمية.
وإيران تمانع إعطاء الأوراق الثبوتية لما لا يقل عن مليون طفل إيراني مولود من أم إيرانية وأب غير إيراني، وزواج غير مسجل. وأيضاً يوجد آلاف المواطنين الإيرانيين في إقليم بلوشستان السني جنوب شرقي إيران من «البدون»، حسب تصريحات المسؤولين المحليين ومنهم رئيس دائرة التعليم والتربية في بلوشستان. وأفادت صحيفة «إيران» الرسمية بأن عدد غير محددي الجنسية في بلوشستان يفوق 20 ألف شخص. والمشكلة الكبيرة التي يعاني منها «البدون» في إيران، هي أنه لا توجد أي جهة رسمية أو حكومية أو غير حكومية تتحمل مسؤوليتهم. والأسوأ من ذلك أنه لا تتكفل أي منظمة أو مؤسسة حالتهم المعيشية بهدف وضع حد للفقر المدقع الذي ينهش في حياة شريحة واسعة منهم.

المفارقة القانونية

مادة 976 من القانون المدني الإيراني توضح الشروط اللازمة التي يمكن على أساسها أن يتم تحديد مواصفات المواطن الإيراني، وأيضاً تحديد من يحق له الحصول على الجنسية الإيرانية. وتصنف المادة هذه 7 فئات بإمكانهم أن يكونوا مواطنين إيرانيين أو يحصلوا على الجنسية الإيرانية، وهي أولاً جميع أولئك الذين يسكنون في جغرافية إيران باستثناء الأجانب، وثانياً كل من يولد من أب إيراني سواء داخل البلاد أو خارجها، وثالثاً جميع أولئك الذين يولدون على الأراضي الإيرانية ولا يمكن تحديد والديهم، رابعاً الطفل الذي يولد من والدين أجنبيين بشرط أن أحد الوالدين يكون مولود على الأراضي الإيرانية، وخامساً كل من يولد من أب أجنبي داخل إيران بشرط أن يعيش داخل إيران، بعد إكمال 19 عاماً من عمره يستحق الحصول على الجنسية الإيرانية، سادساً أي امرأة أجنبية تتزوج من إيراني، سابعاً أي أجنبي الذي يحصل على الجنسية الإيرانية.
وفي مفارقة غريبة، تستند السلطات الإيرانية إلى الفقرة الثانية من مادة 976 للقانون المدني وتقول إن الأطفال الذين يولدون من أم إيرانية وأب أجنبي، لا يحق لهم الحصول على المواطنة أو الجنسية الإيرانيتين. في واقع الأمر، يتم تحديد جنسية الشخص على أساس جنسية الأب، ولا يحق للأم أن تمنح جنسيتها لأطفالها. بينما على أساس الفقرة الـ4 من المادة ذاتها، إذا يكون أحد الوالدين مولود على الأراضي الإيرانية، يحق للطفل أن يحصل على الجنسية الإيرانية.
وبالإضافة إلى ذلك، تلزم المادة الـ3 من المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية للمواطنين التي انضمت إليها الحكومة الإيرانية، إيران بفرض المساواة بين المرأة والرجل في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية. وتعتقد شريحة واسعة من خبراء القانون الإيرانيين أنه على أساس مادة 976 من القانون المدني يحق للأم الإيرانية أن تمنح جنسيتها لأطفالها. وأيدت الإدارة القانونية في القضاء الإيراني وجهة نظر خبراء القانون هذه، وصرحت رسمياً أنه استناداً للفقرة الـ4 من مادة 976 للقانون المدني الطفل الذي يولد من أم إيرانية وأب أجنبي، يحق له الحصول على الجنسية الإيرانية. لكن لا تزال الحكومة ومجلس النواب وعلى وجه الخصوص وزارة الداخلية في إيران تعارض بقوة إعطاء الجنسية أو أي نوع من أنواع الأوراق الثبوتية لهؤلاء الأطفال.

الاعتراف المتأخر

بدأت المحاولات الإيرانية لتفادي أزمة «#البدون» الصاعدة في #إيران متأخراً في عام 2006. وصادق مجلس النواب الإيراني على مسودة قانون ينص على إعطاء الجنسية الإيرانية للأطفال الذين ولدوا من أم إيرانية وأب أجنبي، بشرط أن يتموا الثامنة عشرة من عمرهم. لكن الإحصائيات الرسمية تظهر أن 2000 شخص من «بدون» إيران تمكنوا الحصول على الجنسية فقط، على أساس القانون الذي وضعه البرلمان عام 2006 بسبب المعارضة القوية التي تبديها الجهات المعنية في الحكومة وخاصة من داخل وزارة الداخلية.
ومع تفاقم أزمة «البدون» وتصاعد تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية السلبية، عرض بعض أعضاء مجلس النواب الإيرانيين مسودة قانون جديد تهدف إنهاء قضية غير محددي الجنسية بشكل سريع وعلى الفور. وهذه المرة عارض البرلمان الإيراني نفسه المسودة هذه، ورفضها بـ84 صوت معارض مقابل 74 صوت موافق و12 صوت ممتنع في 27 أيلول / سبتمبر الماضي. وكتبت وكالة إرنا الرسمية الإيرانية، أن «البرلمان فشل في تمرير مسودة قانون جديد لتحديد وضعية أكثر من مليون إيراني الذين لا يُعترف بهم بأنهم إيرانيون».
وأعرب المتحدث باسم اللجنة الاجتماعية في مجلس النواب الإيراني، عباس قائدي رحمت، عن قلقه المتزايد إزاء المشاكل والمخاطر التي تواجه البلاد بسبب تواجد أكثر من مليون شخص غير محدد الجنسية، وقال إن الحكومة لا تستطيع تحديد وضعية هذا العدد الكبير من الناس ولا مراقبتهم بالشكل المطلوب، وإنه يجب على الحكومة والجهات المعنية أن توفر لهؤلاء الخدمات الصحية والعلاج والتعليم. واقترح البرلماني الإيراني أنه يتم إعطاء الأوراق الثبوتية المؤقتة للأطفال الذين ولدوا أو سيولدون من أم إيرانية وأب أجنبي، ليتمكنوا من الدراسة وتلقي الخدمات الصحية والاجتماعية الأخرى، وطالب الشرطة والسلطة القضائية والحكومة وجميع الأجهزة المعنية بالتعاون لحل أزمة «البدون» في إيران، والانتباه إلى مخاطر التلكؤ في حلحلت قضيتهم.
وأوضح عضو البرلمان الإيراني، محمد دهقان، أنه منذ بداية الثورة الإيرانية جاء إلى إيران البعض من الدول الجوار، خاصة أفغانستان والعراق، وأنهم تزوجوا من الإيرانيات على أساس شرع الإسلام ووُلد مئات الآلاف من الأطفال، وشدد على أنه بسبب أن هؤلاء الأطفال ولدوا على الأرضي الإيرانية، يجب أن تعتبرهم إيران من مواطنيها. وأضاف أن القانون الذي صادق عليه مجلس النواب الإيراني في عام 2006، لم يكن كافياً لحل قضية غير محددي الجنسية، واعتبر عدم مصادقة البرلمان على مسودة القانون الجديد المتعلق بمشكلة «البدون»، بأنه موضوع مرير ومؤسف، وقال إن إعطاء الجنسية لهؤلاء الأطفال هو عمل إنساني ويساعد على تفادي المخاطر والأزمات المقبلة.
وشدد عضو لجنة التنمية في مجلس النواب الإيراني، كمال عليبور خنكداري، على ضرورة فرض الرقابة على زواج المتعة وزواج الإيرانيات من الأجانب، وقال «لدينا عدد كبير من الشباب الذين ولدوا من زواج الإيرانيات بالرجال الأجانب، ولا يزال لم يتم إعطاء الأوراق الثبوتية أو الجنسية لهم، ويحتاج هؤلاء أن يدرسوا ويتعلموا ويتم توفير الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية والاقتصادية لهم. ويجب علينا أن نضع حداً لمشاكل هؤلاء وحلحلة القضية بشكل سريع».
وأعرب أمين لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، محمد حسن آصفري، عن خيبة أمله الشديدة إزاء رفض مجلس النواب لمسودة القانون الجديد الذي يتعلق بحل مشكلة «البدون».
ومن زاوية أخرى، أشار عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس النواب، أحمد بخشايشي، إلى السياسات التي وضعها مؤخراً المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، حول ضرورة زيادة عدد سكان البلاد بنسبة ضعفين، وقال إن خطر شيخوخة السكان يهدد إيران ويجب أن يتجنب النساء الإيرانيات أكثر، وأضاف «مع ذلك، نحن لدينا أكثر من مليون طفل من أم إيرانية ومولود على أراضينا، ولا نريد أن نعطيهم الجنسية، ونقول إن الشيخوخة تهددنا».
وبشكل عام، يؤكد المؤيدون لإعطاء الجنسية لـ«البدون» في إيران أنه يجب على الحكومة أن تدعم الأطفال الدين ولدوا من أم إيرانية وأب أجنبي، وتوفر لهم الخدمات، بسبب أن آباء العديد من هؤلاء الأطفال رجعوا إلى بلدانهم، وحالياً يعيش هؤلاء الأطفال مع أمهاتهم الإيرانيات وفي إيران. وحرمان غير محددي الجنسية من التعليم وتربية والخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية والاقتصادية سيسبب مشاكل عديدة وخطيرة للبلاد، وسيتزوج لاحقاً هؤلاء ويزداد عدد «البدون» في إيران وتتفاقم الأزمة بشكل متزايد، بحيث لا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً.

تجنيس «البدون»
يهدد الأمن القومي!

يرى المعارضون في مجلس النواب الإيراني، أن إعطاء الجنسية لهؤلاء «البدون» سيزيد الهجرة من دول الجوار إلى إيران ويؤجج الخلافات الحدودية والقومية والطائفية والإثنية في البلاد، واعتبروا أن تحديد وضعية «البدون» يهدد الأمن القومي الإيراني. وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية الإيرانية وممثل الحكومة في اجتماع مناقشة قضية غير محددي الجنسية، أن المسودة الجديدة ستحمل الحكومة المزيد من الضغوط المالية بسبب ضرورة توفير الخدمات لهؤلاء.
وقال عضو لجنة التعليم والأبحاث في البرلمان، قاسم جعفري، إن إعطاء الجنسية للأطفال المولودين من أم إيرانية وأب أجنبي، سيسبب زيادة الهجرة إلى البلاد، لأن نسبة كبيرة من هذا النوع من الزواج تتم في المحافظات الحدودية، وسببها فقر العوائل هناك. وأضاف أن تجنيس هؤلاء الأطفال سيفتح الطريق لمجيء المزيد من الأجانب إلى البلاد، وأنه «سيشوه القومية والهوية الإيرانية». واعتبر رئيس لجنة مادة 90 من الدستور في البرلمان، محمد علي بورمختار، المصادقة على المسودة الجديدة حول قضية «البدون» أنها تهدد الأمن القومي والاجتماعي والسياسي في إيران، وشدد على أنه لا يجوز توفير الخدمات لأولئك الذين تزوجوا خلافاً لقوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأطفالهم.
وأشار عضو لجنة الصناعة والمناجم في مجلس النواب الإيراني، نادر قاضي بور، إلى أن تجنيس «البدون» سيفاقم أزمة البطالة في البلاد، وأن مسودة القانون حول غير محددي الجنسية ستزيد التطور على الحدود، وأنها ستعرض البلاد إلى مشاكل إثنية وقبلية وطائفية وتهدد الأمن القومي.
وفي تصريح غريب، قال قاضي بور إنه إذا تم تجنيس هؤلاء الأطفال، سيصبح لهم حق للتصويت في الانتخابات، وشدد على أنه يجب على أعضاء البرلمان الحفاظ على القومية الإيرانية وقداستها وأن تبقى إيران إيرانية، وأنه يتم منع «غير الإيرانيين» من المشاركة في انتخابات البلاد، في إشارة إلى غير محددي الجنسية.

الحق الإنساني المنسي

لكن هناك حق إنساني ضائع ومنسي، وسط الصراعات والمنافسات السياسية، والأزمات الاقتصادية والبطالة التي تعاني منها الحكومة الإيرانية، واعتبارات أخرى كالإحساس القومي الفارسي القوي أو النظرة الطائفية.
والواقع هو أن أكثر من مليون طفل وُلدوا على الأراضي الإيرانية من أمهات إيرانيات، ويوجد آلاف آخرين من «البدون» في إقليم بلوشستان السني جنوب شرقي إيران. وبسبب تلك الاعتبارات السياسية والاقتصادية والقومية والطائفية تم حرمان هؤلاء من أدنى حقوق إنسانية معترف بها في العالم أجمع مثل الدراسة أو الخدمات الصحية. وخطر أكبر يحدق بالمجتمع الإيراني بسبب زيادة عدد «البدون» خلال السنوات المقبلة، والأزمات الثقافية وأزمة الهوية التي يعاني منها هؤلاء الأطفال.
والحقيقة المرّة هي أنه يبدو أن مجلس النواب الإيراني أخرج مناقشة موضوع تجنيس غير محددي الجنسية، من جدول أعماله بالكامل. بينما طالب المتحدث باسم وزارة الداخلية، حسين علي أميري، البرلمان بإرجاع مسودة القانون الجديد إلى اللجنة المختصة لموضوع تجنيس «بدون» إيران لمناقشتها بشكل أدق، لكن عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس النواب، أحمد بخشايشي، أعلن أنه لن تتم مناقشة موضوع تجنيس «البدون» خلال الفترة المتبقية من عمر البرلمان الحالي، وأنه ليس من المؤكد أن يناقش البرلمان المقبل قضية غير محددي الجنسية في إيران.

 

لندن – «القدس العربي»:

محمد المذحجي