أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » حسين العودات : من العبث تجذير خلافات المسلمين والعرب وتحويلها إلى صراعات دينية وهي صراعات سياسية صرفة

حسين العودات : من العبث تجذير خلافات المسلمين والعرب وتحويلها إلى صراعات دينية وهي صراعات سياسية صرفة

حسين العودات: مدار اليوم

يصرخ أعضاء الحرس الثوري الإيراني والميليشيا العراقية والأفغانية عندما يواجه أحدهم مشكلة وهو يحارب في سورية بقوله (لبيك يا حسين) وأحياناً لبيك يا زينب، وكأن الحسين وزينب استدعياهما قبل لحظات، وطلبوا النجدة منهم، وهم بذلك يستجيبون لدعوة الحسين الذي قتل في العراق قبل أربعة عشر قرناً وزينب التي توفيت غريبة في الشام في الوقت نفسه.

قتل والي يزيد ابن معاوية وجيشه الحسين في كربلاء عام ( 60ه ) وكان قادماً إلى بغداد ليبايع بالخلافة بعد أن أرسل له عديدون من العراق طلبوا فيها منه المجيء. وما أن وصل إلى العراق حتى تخلى عنه من دعوه وبعض من جيشه ومن مرافقيه وبقي هو وأهله وبعض الأصدقاء ورفض الاستسلام، فأصر قائد جيش يزيد على قتله، ولم يراع قرابته من النبي ولا قلة عدد جيشه، بل رفض أن يسقيه الماء هو ومن معه فمات وهو عطشان. ثم قطع رأسه ويقال أنه أرسل إلى يزيد مع زينب وبعض أبنائه وأقربائه ، وزعم يزيد بن معاوية أنه لم يأمر بقتله ، وأنه مستاء من ذلك، ومنذ ذلك الوقت يحتفل شيعة علي بذكرى كربلاء ويعاقبون أنفسهم بلطم أجسامهم إما بأيديهم أو بالسياط تكفيراً عن تقصيرهم في نجدة الحسين وأهله.

لقد استاء معظم المسلمين السنة من قتل الحسين حفيد النبي واعتبروه جريمة كبرى، وهم يحيون أيضاً سنوياً ذكرى قتله دون لطم فهو بالنسبة للسنة الأحق بالخلافة من يزيد، وقد تناسى الجميع أن الصراع كان بين طرفين من قريش أحدهما الفرع الأموي ويمثله يزيد، والآخر الفرع الهاشمي ويمثله الحسين، ولم تكن هذه المعركة واقعياً بين طرفين من المسلمين.

على ذلك إن الخلاف السني الشيعي منذ بدايته في القرن السابع الميلادي حتى الآن هو خلاف سياسي بالدرجة الأولى وليس خلافاً مذهبياً، فالفروق المذهبية بين الطرفين هي فروق ثانوية جداً ولا تتعلق بأصول الدين، وإنما تعود لتفضيلات هنا وهناك وبعض الطقوس وما أشبه ذلك، ولكن الخلاف السياسي كان عميقاً جداً طوال هذا التاريخ، فجرت حروب وانقسامات بين المسلمين كانت حروباً وانقسامات سياسية لكنها جميعهاً وضعت نفسها تحت خيمة دينية وألبست نفسها لبوساً دينياً، فاختلط السياسي بالديني وكان للحكام ولرجال الدين هنا وهناك مصالح في استمرار الخلاف وتعميقه على هذا النحو.

في ضوء هذا كله برر السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله تدخله العسكري في سورية بأنه يهدف لحماية المراقد الدينية، أي أنه اعتبر عمله العسكري والسياسي هذا عملاً دينياً، ومع تطور الظروف واتساع رقعة الصراعات العسكرية في سورية تبين أن لاعلاقة للدين أو المذهبية أو الطائفية بالصراع ، وهذا مثال واضح عن استخدام الدين مطية للسياسة ، وتسخيره لتحقيق مكاسب سياسية ، أما العامة والمؤمنين من مختلف المذاهب فإنما يعتقدون أن مشاركتهم في هذه الصراعات هي دفاع عن معتقداتهم، ولذلك تصرخ ميليشيا الحرس الثوري وحزب الله والميليشيات الأخرى العراقية وغيرها بشعار لبيك يا حسين لأنهم أتوا ليثأرون للحسين ويكفرون عن تخاذل أبناء مذهبهم قبل أربعة عشر قرناً عن نجدة الحسين، وكأن السوريين الحاليين هم الذين قتلوا الحسين وأتى هؤلاء لمعاقبتهم.

إن للحسين قدسية لدى السنة كما لدى الشيعة، وكانوا دائماً ومنذ مقتله وحتى الآن يحيون ذكراه بخشوع ويعتبرون ذلك نوعاً من أنواع التدين، على الأقل لقربه من النبي، وفي الأصل لأنه قتل مظلوماً، وقبل هذا وذاك لأنهم كانوا ضد دولة قريش التي كان يقودها الفرع السفياني منها، معتبرين أن الحسين له حق بالخلافة بذاته ولذاته ولأنه ابن علي وحفيد محمد، خاصة وأن الحكومة والسلطة منذ مجيء الإسلام كانت بيد قريش، ومنذ مقتل علي وحربه مع معاوية رأى العرب أن قريشاً استولت على السلطة بدون حق وأن الخلافة أو الملك أو السلطة هي للأفضل سواء كان قرشي أم غير قرشي، ولذلك استنكروا الحروب بين علي ومعاوية، ومن الملاحظ في الحروب التي بدأت بين المسلمين بعضهم ضد البعض الآخر حول الخلافة والسلطة والدولة، أنها كانت حروباً عنيفة فقد أظهر المتحاربون أقصى درجات العنف في حربهم ضد الآخر وأسسوا منذ ذلك الوقت ثقافة العنف التي أخذ المتطرفون المسلحون الحاليون يقلدونها.

إنه لمن العبث والإساءة للمسلمين وللعرب، تجذير الخلافات بينهم  في الصراعات وتحويلها إلى صراعات دينية وهي صراعات سياسية صرفة، كما أنه من العبث المبالغة في البكاء على الحسين بعد كل هذه السنين والخلاف حول الأحقية بالخلافة، فلنتصور أن الغربيين يختلفون الآن حول أحقية شارلمان بالقيادة من عدمها فسيكونون مضحكة. إن من له مصلحة بهذه الخلافات هم الذين يجددون الندب الذي أدخلوه أخيراً إلى الجامع الأموي.

 

حسين العودات: مدار اليوم



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع