أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » محلل إسرائيلي: السلطان اغتنم الفرصة والقيصر لم يضبط نفسه

محلل إسرائيلي: السلطان اغتنم الفرصة والقيصر لم يضبط نفسه

رصد المحلل العسكري الإسرائيلي تسفي برئيل الخط الزمني للعلاقة بين “السلطان” رجب طيب أردوغان و”القيصر” فلاديمير بوتين، وكيف تصاعدت بشكل إيجابي إلى أعلى مستوى لها قبل أن تهوي بها “الطائرة الروسية” التي أسقطتها تركيا بعد اختراقها لأجوائها بحسب قواعد الاشتباك الدولية، مشددا على أن الحادث الأخير فجر أي أمل لتركيا بإبعاد روسيا عن الأكراد.

وقال برئيل إن السلطان أردوغان اغتنم الفرصة ليثبت قيادته لتركيا ويحمي سيادة الأمّة التي لا يمكن التسامح مع المس بها أبدا، فيما لم يستطع القيصر بوتين ضبط نفسه وهو الأمر الذي وضع السياسة الخارجية لتركيا في حرج شديد.

وسرد برئيل التتابع الزمني للعلاقة بين الزعيمين، حيث جمعتهما صورة خلال احتفال افتتاح المسجد المركزي في موسكو الذي استمر بناؤه عقدا من الزمن. وقد استغل بوتين الاحتفال من أجل التهجم على داعش ومدح الإسلام. وقال متحدثوه في حينه إن اللقاء المهم بين بوتين وأردوغان سيثمر التعاون الاقتصادي الواسع وأن الزعيمين يؤمنان بنفس الحل في سوريا.

وعلق برئيل على هذه الصرة بالقول: “سيمر وقت طويل حتى يظهر الزعيمان معا في فرصة تصوير أخرى”. لكن كانت هناك حاجة إلى انتظار هذا الحادث لفهم أن العلاقات بين الدول على شفا الانفجار. بعد اللقاء في موسكو بعدة أيام أعلن أردوغان أن الحكومة المؤقتة التي ستقام في سوريا ليس مهما إذا كانت مع الأسد أو بدونه، وهكذا فقد أوضح أن تركيا لم تعد تتمسك بموقفها التقليدي القائل بأن الأسد يجب أن يتم استبداله قبل بدء المفاوضات السياسية حول مستقبل سوريا.

الخلاف حول الأسد ومحاربة داعش

وأضاف أنه قد بدا للحظة أن الأزمة بين موسكو وأنقرة هي على خلفية الخلافات العميقة حول مستقبل  الأسد، لكن بعد يوم واحد غير أردوغان موقفه حينما أعلن أن “سياسة تركيا حول سوريا لم تتغير”. ولم تفهم موسكو ما الذي مر على أردوغان لا سيما بعد أن أوضح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لنظيره الروسي سيرجيه لافروف أن الولايات المتحدة لا ترفض كليا أن يبقى الرئيس السوري أثناء الحكومة الانتقالية اذا قامت.

وتابع حديثه بالقول: “في نهاية شهر أيلول بدأت روسيا بالقصف الكثيف لمواقع في سوريا حيث إن أهدافها تركزت على معسكرات المتمردين أعداء الأسد. وطلعات قليلة فقط استهدفت مواقع داعش. وقد اتضح لتركيا وللولايات المتحدة بسرعة أن روسيا لا تنوي محاربة داعش وأن كل هدفها هو مساعدة الأسد على البقاء. واتضح لأردوغان، ليس للمرة الأولى، أن هناك شيئا غير مفهوم في نقاشاته في موسكو”.

واستدرك بالقول، إنه يبدو أن أقوال بوتين قد أحدثت صدى في آذانه التي جاءت في الهيئة العامة للأمم المتحدة حينما قال إن “الوحيدين الذين يحاربون داعش الآن هم الجيش السوري. وإن المتمردين هم أكراد”. واستشاط أردوغان غضبا حين تم اتهام تركيا مجددا بأنها تدعم “داعش”، أو على الأقل لا تحاربه. أردوغان الذي استعد حزبه للامتحان السياسي الحاسم في الانتخابات أرسل سهما مسموما باتجاه موسكو.. إذا استمرت روسيا بقصف قواعد المتمردين الذين يحاربون الأسد فإن أنقرة ستدرس خطواتها وعلاقتها مع موسكو، وحذر من أن تركيا تستطيع عدم شراء الغاز الروسي أو تلغي اتفاقات إقامة مفاعلات للكهرباء وقعت مع روسيا وقد بلغت نسبة الاستثمار فيها 20 مليار دولار.

يبدو أن أردوغان قد تحدث للتأكيد. وكان هذا تهديدا فارغا. أكثر من نصف حاجة تركيا للغاز يتم شراؤها من روسيا، بحسب الاتفاق الموقع مع موسكو، وهي ملزمة بشراء كمية ثابتة في كل عام ودفع ثمنها حتى لو لم تستوردها فعليا. إضافة إلى ذلك، فقد طلبت تركيا في الآونة الأخيرة من شركة غاز فروم أن تزيد كمية الغاز بثلاثة مليارات غالون من الغاز في 2016. هذا الطلب تم رفضه من الشركة الروسية كجزء من خطوات الانضباط التي فرضها بوتين على تركيا. وهذه لن تكون الخطوات الوحيدة. أيضا التهديد بإلغاء اتفاقات بناء مفاعلات نووية لا يوجد له أساس.

هذه التهديدات فشلت في الوقت الحالي، لكن روسيا بوتين لا تنسى ولا تغفر. وقد توقفت عن منح أذونات الدخول للشاحنات التركية التي تمر من روسيا في طريقها إلى ترغستان وكازاخستان وطاجاكستان ومنغوليا.. الأمر الذي يلحق ضررا كبيرا بالتصدير التركي، يبلغ ملياري دولار. وإضافة إلى ذلك فإن سلطات الجمارك الروسية تشدد على كل شاحنة تركية تنقل الفواكه والخضروات إلى روسيا، وأحيانا يتسبب الفحص البطيء بتلف بضاعة كاملة.

رد الفعل الروسي

وأضاف برئيل أنه بعد إسقاط الطائرة، أوصت روسيا مواطنيها بالامتناع عن الذهاب إلى تركيا. صحيح أن هذه ليست ضربة قوية لأن السياح الروس لا يملأون المطارات بسبب الأزمة الاقتصادية، لكن هذه تبقى خطوة أخرى ضمن الخطوات العقابية الروسية.

وتساءل الكاتب: “هل ستكتفي روسيا بالعقوبة الاقتصادية التي تلحق الضرر بها أيضا، حيث إن روسيا تستخدم تركيا لتجاوز العقوبات التي فرضتها عليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب تدخلها في أوكرانيا – أم إنها ستتوجه إلى خطوات أخرى مثل إلغاء التنسيق العسكري بين الدول الذي أعلنت عنه أمس؟

وشدد برئيل على أن مشكلة روسيا هي أنها بحاجة إلى تركيا أيضا في المجال السياسي وليس الاقتصادي فقط من أجل تطبيق خطتها لحل الأزمة السورية. تركيا هي عامل حاسم ومؤثر على المليشيات المتمردة من الناحية الاقتصادية واللوجستية. واذا قررت تركيا معارضة الخطة الروسية فإن الجهود السياسية ستفشل.

الأكراد 

ونوه إلى أن تركيا غاضبة من روسيا بسبب تأييدها للمتمردين السوريين الأكراد الذين يشكلون تهديدا سياسيا على تركيا. روسيا تعترف بالحزب الديمقراطي الكردي (السوري) وهي تعتبره حليفا. هذا الحزب وذراعه العسكري يعتبران في تركيا منظمة إرهابية بسبب التعاون الوثيق بينهما وبين حزب العمال الكردستاني الـ”بي كا كا” الذي يعتبر هو أيضا تنظيما إرهابيا.

وقال برئيل: “نجحت تركيا في الوقت الحالي في إقناع الولايات المتحدة بعدم مساعدة المتمردين الأكراد في سوريا بشكل مباشر، وتمر المساعدة بشكل غير مباشر عن طريق مليشيا جديدة، الذين هم متمردون سوريون من العرب. لكن اذا قدرت تركيا أنها تستطيع إقناع روسيا بالابتعاد عن الأكراد فإن هذا التقدير قد تفجر الآن تماما. يبدو أن أردوغان قد أخطأ أيضا في هذا الموضوع حينما قرأ الخارطة الدولية، لأنه في هذه الفترة، حيث قوات التحالف تستعد لهجمة كبيرة على مدينة الرقة، عاصمة داعش في سوريا، فإن المقاتلين الأكراد يعتبرون القوة البرية الأكثر فعالية القادرة على مهاجمة المدينة. وبالتالي فإن حرب تركيا ضد الأكراد وضد تسليحهم تعتبر وضع للعصي في عجلة الصراع ضد داعش”.

واستدرك بالقول: “لم يستطيع بوتين أمس ضبط نفسه ودق مسمارا آخر في نعش السياسة الخارجية التركية حينما تحدث عن أن لداعش أموالا طائلة تصل إلى مئات الملايين أو المليارات من الدولارات، وأنه يدافع عنه جيش دولة ذات سيادة. ومعروف أنه يقصد تركيا”.

وأكد أنه توجد لتركيا كل المبررات لبذل الجهد واحتواء الأزمة مع روسيا إذا أرادت الاستمرار في التأثير على الخطوات لحل الأزمة السورية. لكن مثلما في حالات أخرى فإنه من ضمن الاعتبارات العقلانية تدخل الاعتبارات الشخصية لأردوغان وبوتين. وتركيا متأكدة ليس فقط من صحة إسقاط الطائرة الروسية بل أيضا من أنها لا تستطيع المسامحة على “احترام الأمة” حيث يتم إلحاق الضرر بسيادتها.

وختم برئيل في خلاصة قراءته لما جرى بين السلطان والقيصر، بالإشارة إلى أن الأمر غير الواضح هو: من لديه احترام أكثر، أردوغان أم بوتين؟ صحيح أن تركيا حذرت موسكو عدة مرات بعد أن دخلت طائراتها إلى المجال الجوي التركي، لكن هل كان من الضروري إسقاط الطائرة التي لم تهدد تركيا حتى لو دخلت مجالها الجوي؟ إسقاط الطائرة بهذا الشكل يتم نحو دولة عدوة وليس نحو دولة لها علاقات معها. حتى لو كانت العلاقات متوترة. وقد قال مصدر تركي من الحزب الحاكم لصحيفة “هآرتس”: “يبدو أن أردوغان انتظر الفرصة من أجل إظهار القيادة. لا شك عندي أن تركيا ستدفع ثمن ذلك”. في الوقت الحالي نجحت تركيا في جر الناتو إلى الوحل، لكن يبدو أن الناتو لا توجد له مصلحة في فتح جبهة أخرى، سياسية أو عسكرية في مواجهة روسيا.

 

arabi21