أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون المهاجرين » من بائع أقلام إلى صاحب مطعم

من بائع أقلام إلى صاحب مطعم

يتجاوز عدد اللاجئين السوري الخارج عتبة الأربعة ملايين، يستقبل لبنان نحو المليون ونصف المليون منهم. ويقتصر التعاطي الرسمي مع هؤلاء باعتبارهم رقماً فقط، لكن قلة قليلة علقت أسماؤهم في أذهان ملايين البشر، بسبب موتهم المأساوي، كالطفل الكردي عيلان، أو تفوقهم الدراسي كالشابة يارا في ألمانيا. وفي لبنان، سجل لاجئ سوري قصة ينطبق عليها قول: “الدنيا حظوظ”. فقد نقلته حملة تبرعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي من بائع لأقلام الحبر الجاف في شوارع العاصمة بيروت، إلى مالك مطعم في أحد أكثر المناطق اكتظاظاً في بيروت، وذلك خلال أشهر قليلة فقط.

يتذكر عبدالحليم العطار قصة الصورة التي شهرته في لبنان والخارج، أثناء متابعة تحضيرات بدء العمل في مطعمه الواقع في منطقة صبرا الشعبية. ينظر الرجل إلى الصورة عبر شاشة جواله المكسورة. يظهر فيها وهو يحمل ابنته النائمة على كتفه، ويلوح بأقلام الحبر للمارة: “لقد كانت أياماً صعبة للغاية، رافقتني ابنتي ريم (أربع سنوات) لبيع الأقلام، لأنها كانت صغيرة للغاية. أما عبدالإله (عشر سنوات)، فكان ينتظرني في الغرفة التي استأجرتها”.

ألهم خروج طلاب الجامعة الأميركية في بيروت، العطار لبيع أقلام الحبر الجاف، “فقد انتشر بيع علب المحارم والعلكة، ولم أجد أي أحد يبيع الأقلام، على الرغم من حاجة الناس بشكل كبير لها وعدم توافرها عند الحاجة”. باع الرجل أقلام الحبر الثلاثة بألف ليرة لبنانية (أقل من دولار)، وغفت ريم على كتفه لأشهر طويلة، إلى أن فاجأه أحد المارة في أحد الأيام. حاول الشاب التقاط صورة لعبدالحليم وطفلته فرفض، “وهو ما تكرر معي مرات عدة. لم يكن ينقصني وقتها ذلّ التصوير فوق ذلّ التسوّل”.

لكن الشاب أخبر العطار أن صورة سابقة قد انتشرت له، وهناك حملة تبرعات قد تغير حياته خلال أشهر قليلة فقط. يضحك لدى سؤاله عن رأيه في الصورة التي التقطت له وكانت سبباً في شهرته، “صُوّرت من دون أن أنتبه”. وشاء الحظ أن تصل الصورة إلى أحد الناشطين الأوروبيين الذي أطلق حملة تبرعات عبر موقع “انديغيغيو” الخاص بجمع التبرعات، ووصلت الحصيلة النهائية للمبالغ التي تبرع بها مواطنون من مختلف دول العالم إلى 210 آلاف دولار أميركي. وهو مبلغ لم يتصور عبدالمنعم أن يجد طريقه إليه خلال رحلة لجوئه القاسية في بيروت.

التبرع للسوريين أولاً

سمح المبلغ للعطار بإعادة طفليه إلى المدرسة بعد تأخر سنتين، واستئجار منزل أكبر. أصر على إدخال ابنه إلى الصف نفسه الذي تركه في سورية: “مستقبل أولادي أولوية لدي، وقد اخترت إعادة عبدالاله إلى الصف الثاني الذي تركه في سورية، على الرغم من أنه أكبر من باقي زملائه بثلاث سنوات، لأنه يجب أن يتأسس بشكل صحيح”.

وبعدما استقر وضع الأطفال، قرر استثمار جزء من المطعم في إعداد خبز الصاج الطازج وبيعه إلى المطاعم والمقاهي في بيروت، قبل أن تتوسع الفكرة وتصبح “صاج وشاورما العطار”.

تقودك اللافتة المرفوعة عند أحد مداخل صبرا إلى المطعم ذي الواجهات الثلاث. ينهمك عمال سوريون بفرد قطع العجين وضربها على الصفائح الحديدية الحامية في المحل الأول. تتحول العجينة إلى أرغفة ساخنة خلال دقيقة أو اثنتين. وفي المحل الثاني، يُشرف العطار على إعداد سيخي الشاورما الكبيرين تمهيداً لاستقبال الزبائن، ويستخدم معلم الشاورما الأرغفة الساخنة في تحضير السندويشات.

اعتاد جيران العطار في الشارع على مشهد وسائل الإعلام والمصورين وهم يتجولون في المنطقة بحثاً عن المحل. وحده بائع القهوة السوري الذي يركن دراجته النارية أمام المطعم بدا مُنزعجاً من حجم الاهتمام الإعلامي به. يقول: “نعم، لقد أنعم الله علي برزقة كبيرة، لكنني لم أنس معاناة اللاجئين السوريين داخل سورية وخارجها، وسأبقى أتحدث باسمهم لتسليط الضوء على احتياجاتهم”. كذلك، يؤكد الرجل أن لاجئين سوريين يقصدونه طلباً للمساعدة “وأساعدهم بقدر ما أستطيع”.

لم تغير حملة التبرعات هذه حياة عبدالحليم وحده، فقد لجأ إليه عدد من أقاربه الذين جاؤوا بدورهم إلى لبنان قبل أعوام عدة. يتحدث هؤلاء عن التحوّل الكبير الذي طرأ على حياتهم وحياة العطار بعد الحملة، هؤلاء الذين عانوا كثيراً منذ وصولهم إلى هذا البلد الجديد.

عبدالرحمن عرابي: العربي الجديد