أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » بين الكبت والتحرش

بين الكبت والتحرش

يتصاعد بين فئات شبابية كثيرة مصطلح “تحرُّش”، حتى ظننته مجرد “شعار” يستخدمونه لوصف مغازلات شبابية عادية!

بتاريخ 8 أكتوبر 2015 م، الخميس، الساعة حوالي 10 مساء، خارج من أشهر مكان في أرجاء بنت المعز، حيث يُفترض بالشوارع المحيطة به الاتسام بالوقار والرقي، وبعد انتهاء موعدي مع شخص تتلخص فيه عندي معاني الفخامة والتميز، انتهى الموعد، وغادر صديقي، وقررت أتمشى حتى نهاية الشارع؛ كي أنهي مكالمتي التليفونية قبل أن أستقل وسيلتي عائدة إلى شقتي.

وبهدوء، مجيبا بتركيز على تليفوني، متجاهلا كل العوامل الخارجية من دوشة سيارات وتزاحم مبان مرتفعة مترامية على جانبي الطريق، وسيدة كبيرة تجوب الشارع لبيع علب المناديل، حيث رحلتي ستستغرق قرابة الـ 10 دقائق لتخط حوالي 200 متر سيرا حتى نهاية الشارع، ولم أكن أتوقع طول الرحلة التي شاهدت وسمعت فيها ما لم أستطع نسيانه حتى لحظتي هذا! حيث غيرت الرحلة مفهوم “بنت بتتعاكس” عندي !

رغم هدوء فحوى المكالمة الهاتفية، إلا أن صديقي صُدمَ بارتفاع صوتي وعصبيتي، ثم بدأت أتجاهل صوت صديقي عندما سمعت وصفا لأربع مناطق مختلفة بجسم البنت التي تسير أمامي صادرا من أربعة شباب، لا يزيد سن أكبرهم عن المرحلة الثانوية، كما أن تلك المناطق الموصوفة المختلفة العناوين الواقعة بجسد تلك الفتاة تٌعدّ الفارقة بين تكوين الولد والبنت، حيث يعتبرها المجتمع مناطق “جنسية”، ورغم حرمة تلك العناوين الموصوفة، إلاّ أن طريقة الوصف تعد أكثر حرمة ووقاحة.

فتخيلت كيف يمكن لسب ولد علنا ألا يكون فعلا غير مألوف، ثم استمرت الرحلة في المضي قدما بضع خطوات أخرى لتصعق أذناي بجملة تتغزل بنهدي نفس البنت على طريقة “عبده موته” !وإذا بالبنت كمن لا يسمع ولا يرى! رغم زحمة الشارع بالسيقان المارة به ذهابا وإيابا حيث تتداخل معهم قدماي، إلا أن ذلك لم يمنع ذلك الشاب من إبداء وصف لوضع “جنسي” ينشدها إياها جهرا!

ولم يزل صديقي يحادثني بتفاصيل كثيرة مهمة لم أسمع منها سوى جملة: “يا ابني انت معايا ولا رحت فين؟” حيث أجبته بـ “معاك يا معلم” واستطردت، بقولك إيه، اتقل بس هاشوف حاجه، خليك معايا” ولم أنتظر رده، ثم تسارعت خُطايا حتى أتمكن من اللحاق بتلك البنت كي أتقصى تلك القسمات التي تجذب نملا لسكر!

وإذ بمفاجئة عظيمة شبه متوقعه، حيث إنها فتاة لم تتجاوز العشرين ذات وجه مصري مدني غير شامل الـ “فول ميك اب” ولا حتى مجرد تزين ملحوظ، ترتدي “عباية مش ضيّقة” متوسطة الحجم والطول، تتسم بالخصلة المعتادة الظاهرة من مجموعة شعر يندثر تحت طرحة تتماشى مع باقي الزي، حيث من الوهلة الأولى تتأكد أنها سيناريو مكرّر لآلاف البنات والسيدات المصريات “العاديات جدا”!

لا تظهر عليها علامات تعلّمت وصفها مسبقا من صديق لي، خبير استراتيجي بأحوال البنت “الشمال”، إذا فبمعايير صديقي هذا، فإنها ليست بالشمال في المشية، ولا الحواجب، ولا تقسيمة العباية، ولا صبغة الشعر، ” دراع متشمّر”، فهي مجرد فتاة  “انتهك جسدها” لفظيا دون إبداء رغبة في ذلك، هل لجسد أن يُنتهك بالألفاظ فعلا أم أنها شعار مجازي!

فعدت مسرعا لصديقي الذي طال انتظاره لي هاتفيا، سائلا إياه، بقول: يامعلم، إيه أكتر حاجة تحسسك بالإهانة في الشارع ؟

– رد قائلا: امممممممممممم، مثلا لو حد شتمني بأمي قدام الناس!

– وبعد تفكير دام جزء من الثانية، بادلته سؤالا آخر: ” طب لو مشتمكش بأمك، بس قال لك: إنها حلوة وبدأ يوصف لك فيها؟”

– كانت إجابة صديقي مريحة لنفسي إلى حد ما، حيث تخيلت المشهد بقرارة عقلي الباطن، لوهلة دورة بدور البنت المذكورة أعلاه، واجدا إياه دافعا منطقيا لصديقي أن “يضربه بالنار في مكانه”، أيصبح قتل نفس بغير نفس؟ أم دفاعا عن عرض تم انتهاكه؟ أتصبح نخوة، أم جريمة؟

وهل لجريمة أبشع من انتهاك حق، إلا جريمة عدم قدرتك للدفاع عن حقك المسلوب عمدا دون رادع! ثم دارت روايات بقاع دائرات تفكيري بعدها لدقائق عن كيف لبنت أن تطيق أيد تلامس جسدها دون رضاها إذا امتلكت “آلهة حادة” مثلا؟ ثم كيف لنفس البنت أن تطيق تلامس كلمات لجسدها دون رضاها أيضا، فحتى لو امتلكت آلات حادة، لن تتمكن من الوصول للجاني! فكيف لإحساس العجز أن يشعر به المرء بشكل شبه يومي!

تذكرت وجهات نظري بأن الجمال يجب التغزّل به أينما كان، مكتشفا فارقا لا متناهيا بين “غزل” و”تحرش”، مضيفا إلى قاموس مصطلحاتي كلمة كنت أرفضها؛ لعدم اقتناعي بفحواها “تحرش لفظي”، مناشدا تطبيق قانون يقضي بإعدام معنوي لمرتكبه!

فهل أصبع “الكبت” هو السمة المميزة لعقول شباب مجتمعنا رغم وصولنا للقرن الـ 21!

المصدر: ساسة بوست