أخبار عاجلة
الرئيسية » صحافة وإعلام » فورين بوليسي: في سوريا، لا يمكنك العودة إلى بيتك

فورين بوليسي: في سوريا، لا يمكنك العودة إلى بيتك

كان من المفترض أن تمثل استعادة ضاحية الحسينية في دمشق العاصمة من قبل الجيش السوري دليلًا على قدرة نظام بشار الأسد على هزيمة المتمردين وإعادة النازحين إلى بيوتهم. إلا أن عجز سكان تلك الضاحية عن العودة إلى بيوتهم يذكر بصعوبة إعادة النظام إلى بلد مزقته الحرب.

لم تتعرض تلك الضاحية إلى تدمير كامل؛ بسبب القتال الذي نشب بين الجيش السوري والمتمردين في 2013، لكنها أضحت خالية الآن من سكانها. فما إن سيطر عليها الجيش النظامي وجهزها لإعادة النازحين، انتظر المسئولون السوريون عامين كاملين قبل السماح للموجة الأولى من سكانها بالعودة، وذلك بعد أن أدت بضع عائلات قسم الولاء للحكومة. وقد جرى إعادة 4500 عائلة حسب تقديرات الأمم المتحدة.

لكن ورغم القبضة الحديدية التي فرضها النظام على الحسينية، إلا أن جنود الجيش النظامي يبدون قلقين من احتمالية تسلل عناصر مناوئة للحكومة من بين العائدين.

«توخّ الحذر»، همس لي جندي سوري، بينما كان مجموعة من الشبان المراهقين يحكون لي عن عزمهم إصلاح بيت العائلة: «بعض هؤلاء الشبان جهاديون».

تعكس معاناة الحكومة السورية في إعادة فرض السيطرة على هذه الضاحية الصغيرة أعظم التحديات التي تواجه الحكومة: ما الذي يتعين عليها فعله إزاء عدد النازحين الهائل، الذين قد يتحولون إلى جواسيس في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، أو الذين قد يحملون السلاح في وجه الحكومة ما إن يعودون إلى بيوتهم؟

وبينما يتجادل الغرب حول التهديد الذي يمثله اللاجئون، يواجه الأسد مشكلة أشد تعقيدًا في الداخل: فوفقًا لمسئولين سوريين، فإن نصف تعداد السكان في المحافظات الساحلية الخاضعة لسيطرة الحكومة، مثل: طرطوس واللاذقية، هم من النازحين من مناطق سيطرة المعارضة، وليس لدى السلطات السورية الموارد الكافية لمراقبة أولئك الذين تشك في ولائهم.

يُقدر عدد النازحين داخل سوريا بحوالي 7 ملايين نازحًا وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، كما فرّ 4 ملايين آخرون إلى خارج البلاد، وتستضيف دمشق حوالي 436000 نازح داخلي وتستضيف ضواحيها حوالي 1.2 مليون نازح، ولكن الحكومة السورية تقول: إن التقديرات الحقيقية تبلغ ضعف تقديرات الأمم المتحدة.

يعتبر حل مشكلة النازحين داخليًا استراتيجية هامة للأسد، لكن بعض المسئولين الدوليين يقولون: إن الأسد تعمد تسهيل مغادرة السوريين للبلاد؛ للحد من تفاقم المشكلة، فقد بات السوريون الآن قادرين على استخراج جواز سفر خلال أسبوع واحد، كما أزيلت القيود عن الممرات الحدودية، ولكن في المقابل، أدت هذه السياسة إلى تفاقم أزمة اللاجئين في الدول المجاورة.

في مدينة طرطوس الساحلية، اتخذ السوريون الفارون من القتال كل مبنى بسقف مسكنًا لهم، بدء من أبراج المكاتب، وحتى مواقع البناء، على بعد خطوات قليلة من مقر وزارة الشئون الاجتماعية، تقود بوابة حديدية بالية إلى مكاتب سكنتها عائلات نازحة من حلب. يعتبر هذا مخيم اللاجئين رقم 1، الذي قد أنشئ في العام 2012.

وقد افتتحت محافظة طرطوس 21 مخيمًا للاجئين، التي تستقبل حوالي 370000 نازح، وذلك وفق ما صرح به نزار محمود، رئيس لجنة المساعدات الإنسانية في طرطوس.

ارتفعت أعداد الخيام بشدة، واشتعل التوتر بين النازحين، وأغلبهم من السنة، والسكان المحليين، ومن بينهم نسبة كبيرة من العلويين والمسيحيين وأقليات أخرى. يعتبر ساحل البحر المتوسط أكثر مناطق الحكومة تحصينًا.

تراقب الحكومة النازحين عن كثب؛ وذلك بحثًا عن خلايا نائمة أو متمردين مختبئين، وتحاول الحكومة التخفيف من حدة الخطاب الطائفي، لكنها تنظر إلى النازحين على أنهم طابور خامس محتمل.

لكن السكان المحليين الحذرين، مثلما يقول ضابط عسكري متقاعد، كانوا يكملون النقص في قدرات وكالات الاستخبارات الحكومية المتراجعة، يقول: «الوضع تحت السيطرة، فالجميع هنا أصبحوا مخبرين».

تزداد حدة المشاكل كلما اتجهنا شمالًا صوب اللاذقية، التي تستضيف عددًا أكبر من النازحين، وتقع بالقرب من جبهة القتال، منذ العام 2014، قال الكثير من اللاجئين من شمال سوريا إنه قد جرى ردهم عندما حاولوا الفرار من الساحل السوري عند مناطق القتال الواقعة حول إدلب وحلب، تنكر الحكومة مثل تلك المزاعم، لكنها عجزت عن الحديث عن أي ملاجئ أو مخيمات تستضيف نازحين من القتال في العام الماضي، فمعظم التقارير الحكومية تعود إلى 2013 أو ما قبله.

السوري الوحيد الذي اعترفت به الحكومة، والذي وصل مؤخرًا، هو موظف بريد نزح من بلدة في إدلب في 2011، كان قد ظل هناك حتى مارس الماضي، عندما اجتاح تحالف من المتمردين المدينة، في ذلك اليوم، قُتل ابنه ذو الـ16 عامًا في هجوم شنه المتمردون، بينما التحق ابناه الآخران بالجيش،

يحصل الآن هذا الرجل على راتب من مكتب البريد في اللاذقية، حتى مع اعترافه بعدم وجود عمل له هناك. ومثل العشرات من المشردين السوريين، فإنه يخطط للعودة إلى بلدته يومًا ما بالرغم من المخاطر الجمة.

وقد أنكر قيام الحكومة برد النازحين من منطقته أو منح معاملة خاصة للعائلات التي لها أعضاء في جيش الحكومة، وامتدح الدعم الحكومي، لكنه وصف الحياة بالصعبة. لم يكن له مكان في اللاذقية، لذا فهو يعيش في بلدة تبعد عنها ساعة بالسيارة.

إن التحدي الذي يواجه عملية إعادة الحياة إلى الساحل كبير، ولكن مهمة إعادة السلام إلى بلدة ذلك الرجل في إدلب سيكون أكبر بكثير. ففي ريف إدلب، يعرف المتصارعون بعضهم. أقاربه وأصدقاؤه السابقون يقاتلون لصالح المعارضة، بينما يقاتل نجلاه لصالح الحكومة. وعندما تضع الحرب أوزارها، فإنه لا يعتقد أن كلا الفريقين يمكنهما العيش معًا.

تآكلت الثقة في الحكومة لدى بعض النازحين، إلا أنهم ينتقدونها في صمت؛ خشية وصفهم بالإرهابيين أو معارضين مندسين، وفي دمشق، المدينة ذات الأغلبية السنية المحاطة بمتمردين مناهضين للحكومة من عدة جوانب، يمكن ملاحظة النقص في الموارد الحكومية بشكل أكبر.

معظم النازحين إلى العاصمة قدموا من مناطق خاضعة للمعارضة، وتتعرض إلى قصف متواصل من قبل الحكومة، مثل ضاحية جرمانة، الواقعة جنوب المدينة، وعلى بعد أميال قليلة من جبهة القتال. وقد احتشد حوالي 1.6 مليون شخص؛ بحثًا عن ملجأ في ناحية يمكنها استيعاب ثلث هذا العدد.

وحتى يصبح اللاجئ مؤهلًا للحصول على الخدمات الحكومية، يحتاج إلى أوراق تثبت مكان سكنه الأصلي، تقول إحدى النازحات: إنها عبرت منطقة تحت سيطرة المعارضة، متحدية نفس المسلحين الذين قتلوا زوجها؛ بحثًا عن وثائق في منزلها. ولكن عندما وصلتها، قالت: إنها اكتشفت أن الأوراق قد سُرقت، ولم يتبقَ منها شيء.

حاولت تلك النازحة إلحاق ابنتها بمدرسة إثر سماعها إعلانًا حكوميًا عبر الراديو، قالت إنها أخبرت مسئول القبول أن الوزير صرح بأنه سيجري قبول الأطفال بصرف النظر عن امتلاكهم أوراقًا ثبوتية، لكنه رفض قبول ابنتها.

يتردد صدى تلك المآسي في العديد من البيوت في أنحاء سوريا، وتتضاعف ملايين المرات مع مرور الوقت، ما تزال حكومة الأسد تروج أن الدولة قادرة على العمل، وأنها تحظى بتأييد الشعب، لكن حقيقة الحرب السورية تختلف كثيرًا عما تروج له الحكومة عبر وسائل إعلامها.

إذا كانت ضاحية الحسينية تشكل أي دلالة، حيث استغرق الأمر ما يقرب من عامين بعد انتهاء القتال لعودة المدنيين، فهي أن نهج حكومة الأسد التدريجي لاستعادة السيطرة سيتقدم ببطء، ومن المرجح أن يكون السكان المشردون مصدرًا مستمرًا من عدم الاستقرار، وزلزالًا ثائرًا لا يهدأ في المطلق.

المصدر: ساسة بوست