أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » كيف آلمت روسيا تركيا ؟ بقلم إياد الجعفري

كيف آلمت روسيا تركيا ؟ بقلم إياد الجعفري

خلافاً لتوقعات الكثيرين من المراقبين، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التضحية بالمصالح الاقتصادية بغية معاقبة تركيا، رغم أن ذلك سيُضر بروسيا أيضاً على المدى البعيد، في حال استقرت تلك العقوبات الاقتصادية.

قد يصعب على الكثيرين فهم كيف أن رئيس دولة يعاني اقتصادها من ضائقة عصيبة، وعقوبات غربية مؤثرة، وتدني ملحوظ في القدرة الشرائية لمواطنيها، ينال من العلاقات الاقتصادية مع واحد من أكبر شركائه التجاريين، بحجم تعاون يصل إلى 44 مليار دولار أمريكي.

وقد يستغلق على فهم البعض، كيف أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ظهر بمظهر البطل في نظر شرائح واسعة من العرب والأتراك، بعيد إسقاط الطائرة الروسية، يُبدي الحزن حيال الحادثة، ويتمنى لو لم تحدث.

لكن مراجعة “ترومتر” الشعبين الروسي والتركي يُتيح لنا فهم كيف يفكر صناع القرار في العاصمتين الروسية والتركية.

ففي حين تشير استطلاعات رأي ومراكز أبحاث متخصصة، إلى أن أكثر من نصف الروس يُقدّرون فلاديمير بوتين نظراً لنجاحاته في تعزيز قدرات روسيا الدفاعية، وتوطيد مكانتها الدولية، يُجمع المراقبون على أن نجاحات حزب العدالة والتنمية الحاكم بتركيا، في المجال الاقتصادي تحديداً، هي العامل الأساس في توطيد شعبيته، وفي نجاحاته الانتخابية.

الروس حساسون لما قد ينال من هيبة بلادهم، إثر تجربة مريرة من التردي بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، وضع فلاديمير بوتين حداً لها منذ اعتلائه كرسي الحكم العام 2000.

مقابل ذلك، يبدو أن الأتراك حساسون لكل ما يمس معيشتهم وازدهارهم الاقتصادي، بعد تردٍ اقتصادي كبير عاشه الأتراك في حقبة التسعينات من القرن الماضي، وضع حزب العدالة والتنمية حداً له منذ اعتلائه لكرسي الحكم في العام 2002، وراكم شعبية مستقرة لا تهتز، كما أثبتت الانتخابات النيابية الأخيرة، بمددٍ من نجاحات اقتصادية متوالية.

لا نعرف إذا كان صنّاع القرار بأنقرة قدّروا إلى أي حدّ قد ينال إسقاط الطائرة الروسية من هيبة بوتين في أوساط الشارع الروسي. هذا الشارع الذي يقدّر غالبيته بوتين، لأنه رجل قويّ أعاد لبلادهم هيبتها العزيزة على قلوبهم منذ عهد الاتحاد السوفيتي.

على ضفة موسكو، كان الروس يدركون جيداً أكثر ما قد يقض مضاجع مسؤولي أنقرة، إنه الاقتصاد، فنالوا منه، غير عابئين بتبعات ذلك على اقتصاد روسيا المُثقل بالتحديات والمشكلات.

بطبيعة الحال، لم ينحصر الرد الروسي على الأتراك بالبعد الاقتصادي، بل أخذ تجليات ميدانية خطيرة أيضاً، لكن البعد الاقتصادي ربما هو أكثر ما سيؤرق أنقرة.

في البعد الميداني، تجلى الرد الروسي على حادثة الطائرة في ثلاثة خطوات، اثنتان منها كانتا متوقعتين، فيما الثالثة، جاء تنفيذها بصورة مغايرة للتوقعات.

الخطوة الأولى، كانت تكثيف النيل من تركمان الساحل السوري، مع العلم أن استهدافهم من جانب الطيران الروسي كان السبب الرئيس في تفاقم استياء أنقرة وصولاً إلى إسقاط الطائرة الروسية.

الخطوة الثانية، نشر منظومة صواريخ اس 400، بما يضمن حماية الطائرات الروسية، ويحرم الطيران التركي من أي قدرة على المناورة على حدود الساحل السوري شمالاً.

الخطوة الثالثة، وهي الأكثر خطورة، والتي جاءت تجلياتها الميدانية مفاجئة نسبياً، تمثلت في الدعم الجوي الروسي لما يسمى بـ “جيش الثوار” المدعوم من وحدات حماية الشعب الكردية، في شمال غرب حلب، لخوض حرب شرسة مع فصائل المعارضة السورية المدعومة تركياً.

ورغم أن المراقبين توقعوا أن يكون تعزيز التعاون الروسي مع فصائل الأكراد، أحد أشكال الرد على تركيا، إلا أن المفاجئ أن هذا التعاون تم تفعيله ميدانياً من غرب البقعة التي كانت تركيا تراهن على إنشاء منطقتها الآمنة فيها، وليس من شرقها، كما كان المُتوقع. مع الإشارة إلى أن تركيا كانت تعد العدّة لمواجهة أي تقدم كردي من الشرق تحديداً، فجاء التحرك الكردي المدعوم بالطيران الروسي من الغرب.

بكل الأحوال، فإن التحرك الكردي الأخير على جبهة شمال حلب، يهدد المنطقة الآمنة المأمولة تركياً، بين جرابلس واعزاز، الأمر الذي سيُضيف عبئاً جديداً على المعارضة المسلحة بحلب، والتي تقاتل الآن على ثلاث جبهات معاً، جبهة النظام والميليشيات اللبنانية والإيرانية المساندة له، وجبهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وجبهة الفصائل الكردية.

لكن رغم كل ما سبق، يمكن للعارفين بالشارع التركي أن يقولوا لنا بأن أكثر ما سيُؤلم الأتراك هي العقوبات الاقتصادية الروسية، التي ستنال من رفاه هذا الشعب، وبالتالي، ستنال من شعبية حزب العدالة في أوساطه. وقد يكون أبرز ما يخفف من وطأة  الضرر الاقتصادي على مسؤولي حزب العدالة، أن لا استحقاق انتخابياً قريباً، الأمر الذي قد يُتيح لهم هامشاً زمنياً مريحاً لإيجاد بدائل وحلول اقتصادية تعوّض خسائر العلاقات مع روسيا.

أما بالنسبة للروس، لا يبدو أنهم سيشعرون بحجم الضرر الاقتصادي الذي سيطالهم في الأمد القريب، فتركيزهم منصب على كيفية استعادة كرامتهم المهدورة على ضفاف الساحل السوري. لكن على الأمد البعيد، وفي حال لم يتم إصلاح الضرر في العلاقات بين البلدين، ستكون خسائر روسيا الاقتصادية، استراتيجية البُعد، وخطيرة، بصورة سيندم المسؤولون الروس حيالها مستقبلاً.

يبقى التساؤل الآن: هل يتم احتواء التأزم في العلاقات الروسية – التركية في قمة المناخ بباريس غداً؟ خاصة أنه ليس من مصلحة جميع الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها تركيا وروسيا، أن تتصاعد الحرب غير المباشرة في سوريا، من دون أية ضوابط، وأن تصبح حرب “كسر عظم”، كما أوحت به ضربات الروس الميدانية في اليومين الأخيرين.

لننتظر ونرى نتائج قمة المناخ بباريس.

almodon