أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » التركمان في سوريا، عقود من الاضطهاد

التركمان في سوريا، عقود من الاضطهاد

تركيا بوست

ليست هي المرة الأولى التي يتعرّض فيها التركمان للاضطهاد والتفرقة، فحتى قبل الثورة السورية بعقود كان النظام السوري يتجاهل حقوقهم، وقد عاد الحديث مجددا عن ملايين التركمان في سوريا بعد القصف المكثّف الذي تعرّضوا له من قبل سلاح الجو الروسي قرب الحدود السورية التركية.

وقد أعربت تركيا عن قلقها من تهجير أكثر من 3.5 مليون مواطن تركماني سوري قرب المنطقة الحدودية لها بسبب الضربات العسكرية الروسية، وطالبت روسيا بالتوقف عن هذا القصف العنيف على قرى التركمان، ولكن تعقّد العلاقات السياسية بين روسيا وتركيا بعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية التي اخترقت مجالها الجوي بعد تحذير لمرات عديدة وجّهتها تركيا لروسيا بوقف انتهاك السيادة التركية عمّقت الخلاف بين البلدين، وردّت روسيا بقصف أكثر من عنيف على مناطق التركمان في سوريا وقامت بتركيب منظومة صواريخ في المنطقة الحدودية السورية التركية.

ولأن تركيا تحتضن أكثر من مليوني ونصف لاجئ سوري منذ بداية الثورة السورية فإنها اليوم تعرب عن قلقها من تدفق موجة جديدة من اللاجئين التركمان الذين يتجاوز عددهم 3مليون مواطن.

فمن هم تركمان سوريا؟ هل كان لهم دور في الثورة السورية؟ أين هي مناطق تمركزهم في سوريا؟ ولماذا يتعرّضون للاضطهاد؟ وهل تمّت تنحيتهم من الحياة السياسية السورية؟ ولماذا تهاجمهم روسيا اليوم؟ وما دور تركيا تجاههم؟

اضطهاد وتهميش منذ عقود

تركمان سوريا هم مواطنون سوريون من أصل تركي، عاشوا وأجدادهم في سوريا منذ العهد السلجوقي والعثماني.

ففي  العام 1519م تم ضم سوريا إلى الأراضي العثمانية من قبل السلطان العثماني “سليم الأول”، الذي هزم المماليك في معركة مرج دابق قرب حلب في شمال سوريا.

ووفقا لسجلات سكان الإمبراطورية العثمانية في 1518، بلغ مجموع سكان محافظة حلب 54.276، منهم 36.217 ينتمون إلى التركمان.

فلماذا لم يحصل تركمان سوريا على حقوقهم في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا رغم وجودهم الكبير؟

السبب الرئيسي كان بإقرار خفض  التمثيل المجتمعي لتركمان سوريا في البرلمان عمدا بعد الاستقلال، وكان لا يسمح لهم في أن يمثلوا قوميتهم في مجلس الشعب السوري في انتخابات 1954، وفي عام 1953 تم إلغاء النظام الطائفي تماما.

ليس هذا فقط بل تم فرض المزيد من التشريعات التى قلّصت الأحوال الشخصية الخاصة بهم، كما أنهم مُنِعوا من المشاركة في القطاعات العسكرية والأمنية، وتم منعهم من الحصول على جوازات السفر، كما تم حظرهم من التعيّن في المكاتب الحكومية ولم يسمح لهم بإنشاء الجمعيات الثقافية والاجتماعية والرياضية، وآخرها كان رفض طلبهم بإنشاء هذه الجمعيات  في عام 2005.

 ولم يتوقف التهميش عند هذا الحد بل حتى حق التعليم لم يحصل عليه تركمان سوريا كاملا، فوضع تعليمهم حاليا هو أقل شأنا من العرب،  كما أن الأطفال التركمان الذين لم يتعلموا العربية يجدون صعوبة حقيقية في تعلّمها في المرحلة الابتدائية.

وتتركّز المناطق التي يعيش فيها  تركمان  سوريا بقرى محافظة اللاذقية وحلب وحمص وحماة، وفي الجولان، واليوم هناك 523 قرية تركمانية في سوريا. وبالقرب من حماة وحمص، هناك عدد من القرى التي يكوّن التركمان غالبية سكانها، بما في ذلك الحولة، العقرب، طلف وكفرام.

ورغم ما تعرّض له التركمان على مدار عقود من تهميش وفقدان لأبسط حقوقهم فإن تأثير التركمان والأتراك، في الحياة الاجتماعية السورية واضح وجلي، من خلال استخدام المفردات اللغوية التركية في اللهجة العامية، وتأثر الفلكلور التركماني على ثقافة وتراث تلك الشعوب والتأثير بها، بالإضافة إلى بعض العادات والتقاليد التركية التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية في البلاد.

يمكن تفسير ما يتعرّض له تركمان سوريا في الفترة الأخيرة من ضربات روسية مكثفة مدعومة بضربات من جيش النظام في سوريا الداعم للرئيس السوري بشار الأسد، بسبب دعم التركمان للثورة منذ بدايتها في 2011 وتقديم الشهداء، حتى إن أكثر المناطق دمارا في سوريا الآن هي تلك التي يوجد فيها التركمان، نظرا لأن مشاركتهم بالثورة كانت الأقوى حتى اللحظة.

لم يكن النظام السوري وروسيا من يحارب التركمان فقط، بل كان لحزب الاتحاد الديمقراطي ذي التوجهات الكردية دور هو الآخر في  تهجير التركمان والعرب من كافة أنحاء البلاد الحدودية السورية واحتلالها فيما بعد، منها ما قامت به القوات الكردية بطرد نحو 5 آلاف شخص من قرية (حمام تركمان الشمالي) بعد تجميعهم في إحدى مدارس القرية وإنذارهم بالخروج بنفس الذريعة وهي الدواعي الأمنية، حتى وصل عدد المهجرين من قريتي حمام التركمان و تل أبيض في سوريا لـ 10 آلاف شخص  وذلك لغرض تكوين دويلة كردية داخل الأراضي السورية.

مشاركتهم في الثورة السورية

تصب روسيا اليوم غضبها من دفاع تركيا عن سيادتها بقصف عنيف على مناطق التركمان الذين شاركوا بالثورة السورية بتشكيل الألوية التركمانية السورية التي تقاتل النظام السوري، ويبلغ عدد أفرادها 10 آلاف، وازداد عدد المنضمّين إليها في الأعوام التالية.

وهم بين مجموعات أخرى تلقّت تدريبا عسكريا تركيّا بموافقة دولية، و تنشط الألوية في المنطقة التي أُسقطت فيها الطائرة الروسية،

وتعمل المجموعات التركمانية إلى جانب وحدات الجيش السوري الحر ومجموعات ثورية أخرى، وكانت تركيا قد حذّرت روسيا أن عليها التوقف في الحال عن قصف قرى التركمان في سوريا.

مخيم لاستقبال اللاجئين التركمان

لم تتنصل تركيا من مسؤوليتها الاجتماعية تجاه التركمان في سوريا، فمنذ بداية القصف على مناطق التركمان عند الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا، استدعت السفير الروسي لديها وأبلغته احتجاجها رسميا على قصف مناطق التركمان، ومنذ أيام قليلة  قرّرت إدارة الكوارث والطوارئ التركية، البدء بإنشاء مخيم على الشريط الحدودي مع سوريا، في بلدة “يايلاداغي”، التابعة لولاية هاتاي جنوبي تركيا، بعد موجة النزوح التي شهدتها منطقة جبل التركمان، ومناطق أخرى بريف اللاذقية، جراء هجمات قوات الأسد عليها المدعومة بغطاء جوي روسي.

ورغم القلق التركي من تفاقم أعداد اللاجئين لديها إلا أنها ما زالت تدعم اللاجئين وتقدّم لهم كافة المساعدات الممكنة، وتشهد منطقة جبل التركمان بريف اللاذقية، حركة نزوح كبيرة باتجاه القرى القريبة من الحدود مع تركيا.

لماذا مناطق التركمان بالتحديد؟

يقول بعض المحللين المختصين بالشأن التركي أن ادّعاءات روسيا بأنها تقاتل وتهاجم داعش في جبل التركمان هي جزء من ألاعيبها، فمن المعلوم أن لا نشاط لداعش في جبل التركمان، إضافة إلى أن العدو الأول والخطر الأساسي على تركمان الجبل ليس داعش وإنما النظام السوري والعناصر الموالية والداعمة له.

ويضيف هؤلاء المراقبون أن أهمية مدينة اللاذقية لنظام الأسد ولروسيا على حد سواء لا تقدر بثمن، فمدينة اللاذقية وطرطوس تشكّلان حلقة الوصل بين الروس والنظام، فالطائرات الروسية تستخدم قاعدة “باسل الأسد”  الجوية في اللاذقية، والسفن الحربية الروسية قد رست في موانىء طرطوس واللاذقية.

كما أن روسيا التي بدأت عملياتها الجوية منذ أكثر من شهرين اتخذت من إحدى مناطق التركمان في مدينة اللاذقية هدفها الأول،  ومنذ 30 سبتمبر الماضي تساند الطائرات الروسية جيش نظام الأسد في حصاره لجبل التركمان،  بالإضافة إلى أن جبل التركمان (باير بوجاق) يحتوي على أكثر الأراضي السورية أهمية فهو يشكّل منطقة غابات كثيفة.

ونتيجة لهذا الهجوم الوحشي على تركمان سوريا وفقا لما قالته تقارير الإعلام التركي فإن التركمان من 50 قرية أُجبروا على ترك قراهم من منطقة الجمام في محافظة اللاذقية الأسبوع الماضي، كما فر بعض اللاجئين التركمان باتجاه أنطاكيا.

وما يزال العنف الروسي الداعم للنظام السوري ضد مناطق التركمان مستمرا، ومع نشوء الخلاف التركي الروسي بعد قصف الطائرة الروسية التي انتهكت السيادة التركية، فإنه لا يبدو في الأفق القريب حل لمشكلة اللاجئين التركمان السوريين.

المصدر: تركيا بوست