أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون المهاجرين » اللاجئون السوريون في البقاع بين همّ الشتاء والمدرسة

اللاجئون السوريون في البقاع بين همّ الشتاء والمدرسة

بينما كان وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب متوجهاً الى بلدة تربل قبل أسابيع لإفتتاح مبنى متوسطتها بعد إعادة ترميمها بالتعاون مع الـ”UNDP”، ساءه ان يرى أطفالاً في عمر الدخول إلى المدرسة في محيطها، حرموا من المقاعد الدراسية بسبب ضيق المكان. ومتوسطة تربل هي واحدة من 59 مدرسة جرى إستحداث دوامات مسائية فيها لإستيعاب الأعداد الهائلة من أطفال اللاجئين السوريين، الى جانب إلتحاق قسم من هؤلاء في الدوامات الصباحية، من دون ان ينجح برنامج “كلنا على المدرسة” الذي أطلقته الوزارة بالتعاون مع “اليونيسيف” في أن يحقق المبتغى منه.

110 ألاف طفل

وتشير تاتيانا عودة، وهي موظفة معاونة في قسم العلاقات الخارجية في “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” في البقاع، إلى أن مجموع أعداد الأطفال الذين هم في عمر المدرسة في لبنان بلغ هذا العام 285 الفاً، وفقاً لآخر الإحصاءات التي أجرتها “المفوضية”. و40 بالمئة من هؤلاء الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 سنة موجودون في البقاع، أي نحو 110 ألاف طفل، سُجل 12 ألف و257 طفلاً منهم في الدوامات الصباحية في 181 مدرسة بقاعية، ونحو 24 الف و782 تلميذاً التحقوا في الدوامات المسائية، بعدما رفع عدد المدارس لإستقبالهم من 35 الى 59 مدرسة هذه السنة. وعلى الرغم من ذلك لا يزال أكثر من ثلثي الأطفال من دون مدرسة.

ويشرح رئيس منطقة البقاع التربوية يوسف البريدي أن سبب هذا العدد الكبير من الأطفال خارج المدرسة لا يعود الى نقص المقاعد. إذ أنه وفقاً للمخططات التربوية لهذه السنة كان يفترض إستحداث 69 مدرسة مسائية للتلاميذ السوريين، ولكن 10 من هذه المدارس تعثرت نتيجة لقلة عدد الأطفال الذين تسجلوا فيها.

فوفقاً للقرار المتخذ من قبل وزير التربية، كان يفترض أن تنطلق كل مدرسة بنحو 250 تلميذ، ولكن عند بدء التسجيل، بقي العدد أدنى من المعدل المطلوب في كثير من المدارس. ومع ذلك، فتحت بعض المدارس التي سجل فيها مئة تلميذ فقط، فيما غصت مدارس أخرى بالقدرة الإستيعابية القصوى، أي 750 تلميذ في الدوامات المسائية.

تكلفة أجرة النقل

لكن حتى بين أعداد التلاميذ الذين تسجلوا في الدوامات المسائية، أحصت الادارات المعنية في البقاع حضور 20 ألف و200 تلميذ فقط في الفترة المسائية، و11 ألف و100 تلميذ في الفترة الصباحية. لكن لا يمكن الحديث عن تسرب دراسي، في هذه الحالة، خصوصاً أن مهلة الشهر لا تعتبر كافية لإكتشاف قدرة التلاميذ على مواكبة المناهج التربوية اللبنانية التي تعتبر أصعب بكثير من المناهج السورية، وتحديداً في اللغات والعلوم، وإنما يتبيّن أن السبب الرئيسي لهذا الغياب يعود الى مشكلة النقل، أو بشكل أدق الى الفقر الذي يجعل من أجرة النقل عبئاً اضافياً على التلامذة.

وبحسب آخر الدراسات التي أجرتها “المفوضية” لتأمين المساعدات للعائلات الأكثر فقراً في البقاع، تبين أن هناك 71 ألف عائلة سورية من الأكثر حاجة على مستوى البقاع، أي نحو 350 ألف فرد. لكن هذه العائلات ستتلقى حتى شهر آذار المقبل مبلغاً نقدياً بقيمة 147 ألف ليرة شهرياً لتأمين حاجات الشتاء المتنوعة. ومن بين هؤلاء نحو 9 ألاف و700 عائلة في عرسال، أي حوالى 37 ألف و200 فرد، استبدل المبلغ النقدي المخصص لهم ببطاقة يجري تعبئتها شهرياً لمخصصات المازوت.

وعليه، فإن الإنفراج الذي شعرت به هذه العائلات نتيجة لتبني مجانية التعليم الرسمي، ما لبث ان تبدد أمام عقبة أجرة النقل، على الرغم من توصية وزارة التربية بتقريب المدارس من تجمعات اللاجئين. ومن هنا يقول البريدي إن “المشكلة الأساسية لم تكن في توفر البناء المدرسي في البقاع، إنما في موقع البناء وقدرته الاستيعابية. فنجد أن مدارس قريبة من تجمعات الخيم غصت بالتلاميذ، بحيث لم تعد تستوعب أعداداً إضافية، ومدارس أخرى تتوفر فيها المقاعد، ولكن إنتقال التلاميذ اليها يرتب على ذويهم أعباء أجرة النقل”، مشيراً إلى تغيب معظم تلاميذ احدى المدارس قبل أيام، بسبب إمتناع سائقي الحافلات عن نقلهم الى المدرسة حتى يتم تسديد أجرتهم.

على أن هذه العقبة تنبهت اليها المفوضية، كما تؤكد عودة، وهي تحاول حلها مع الهيئات الدولية الشريكة عبر توفير مداخيل لكلفة النقل، من دون أن تنجح بذلك حتى الآن. وتشير عودة أيضاً إلى عقبات أخرى تحول دون إلتحاق التلاميذ بالمدارس، منها أن بعض هؤلاء إنقطعوا عن الدراسة لمدة سنتين أو أكثر، وبالتالي صار صعباً عليهم اللحاق بالمنهاج اللبناني في الصفوف التي تناسب أعمارهم. لافتة الى برنامج التعليم المكثف ACCELERATED LEARNING PROGRAM الذي نظم قبل العام الدراسي الماضي لتأهيل ما لا يقل عن ألف تلميذ في 13 مدرسة رسمية في البقاع.

وتبرز أيضاً عقبة أساسية أخرى تتمثل في قلة وعي بعض الأهالي للنواحي التربوية، على الرغم من الحملات الإعلامية المكثفة لمجانية التعليم الرسمي التي تشمل جميع السوريين هذه السنة، مع تأمين القرطاسية والكتب المجانية لهم. ومن هنا تشدد عودة على أهمية الحملات المستمرة في المخيمات وآخرها “BACK TO SCHOOL” التي نُظمت بالتعاون مع “اليونيسيف” ووزارة التربية، لتوعية الأهل حول أهمية التعليم لأطفالهم، وإرشادهم الى المدارس الأقل عبئاً في كلفة التنقل.

خبرة اللاجئين

وتدعو عودة الى “تقدير ظروف بعض هؤلاء النازحين، التي تجعلهم غير قادرين حتى على تأمين لقمة عيشهم اللائقة”. والجولة على المخيمات تظهر أن ما حمله معظم اللاجئين من مدخرات العمر، تبخر مع أعباء المعيشة بعيداً من بيوتهم وفي ظل عيشهم من دون عمل، فيما المعونة الغذائية التي تقدم اليهم، تعتبر محدودة جداً، حتى بعدما أدت الهبات المتزايدة من قبل الدول المانحة إثر أزمة اللجوء الى أوروبا إلى رفع قيمة البطاقة الغذائية التي تقدم من قبل “منظمة الأغذية العالمية” لخمسة من أفراد كل عائلة من 13 دولاراً الى 21 دولاراً.

ولكن اللاجئين، كما المنظمات العاملة معهم، إكتسبوا خبرة في إدارة أمورهم بهذه الإمكانيات الضئيلة، كما تشير عودة. وبالتالي كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك إيجاباً على كيفية توزيع المساعدات الشتوية، والتي بوشر بها قبل بدء الشتاء من خلال توحيد الجهود مع المنظمات الشريكة في تأمين الشوادر ودعائم الخيم، وفي تجهيز ممرات البحص بين الخيم وتصوينها تداركاً للسيول، وتوزيع البطانيات على العائلات التي لم تتسلم أياً منها في العام الماضي، بالإضافة الى مبلغ الدعم النقدي الذي ذكر سابقاً.

وقد بات اللاجئون يدركون ماذا ينتظرهم في شتاء البقاع، وصار بعضهم أكثر خبرة في كيفية تجهيز خيمته لمقاومة عوامل كثافة الثلج والرياح ومنع تسلل البرد اليها، فالشتاء الحالي في نهاية الأمر ما هو إلا شتاء آخر سيمضونه في هجرتهم القسرية. وفي كل عام يكتشف اللاجئون ان عجزهم عن تأمين البدائل وحده قد تضاعف.

المصدر: المدن – لوسي بارسخيان