أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » إدوار الخراط رائد الرواية المصرية الحديثة يرحل عنا

إدوار الخراط رائد الرواية المصرية الحديثة يرحل عنا

غاب الروائي المصري ادوار الخراط ثلاثة أعوام قبل أن يغيب غيبته الأخيرة في القاهرة عن 89 عاماً. مرض الزهايمر الذي قضى على ذاكرته طوال الأعوام الأخيرة جعله غائباً عن الثورة المصرية وما أعقبها من مفاجآت ابرزها صعود الإخوان المسلمين وسقوطهم. وهو لو تسنى له ان يحيا هذه التحولات التاريخية لكان في طليعة من كتبوا من نصوص ومقالات في الثورة والثوار. لكن قدر هذا الروائي الإسكندراني المنشأ والهوى والمتحدر من الصعيد المصري حرمه فرصة أن يكون شاهداً على ما جرى وأن يشارك في تدوين هذه اللحظات، هو المعروفة عنه حماسته الشديدة التي ظلت ترافقه حتى في شيخوخته.

في نهاية السبعينات من القرن الماضي انتبه الخراط إلى أنه أضاع نحو عشرين سنة من عمره الأدبي، قضى معظمها يعمل في الميدان الإفريقي الآسيوي الذي جذبه باكراً، وكان احتل منصب السكرتير المساعد لمنظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية ومنصب رئيس اتحاد الكتاب الإفريقيين الآسيويين، وتولى مهمة اصدار مجلة «لوتس» وتحريرها. وما ان انسحب من هذا الميدان حتى انصرف الى الكتابة انصرافاً تامًا، يخامره شعور بالندم، كثيراً ما حدّث أصدقاءه عنه. لكنه لم يدع الزمن يسبقه فأكبّ يكتب الروايات والقصص بغزارة بدت لافتة جدًا، وكان في أحيان يصدر كتابين أو ثلاثة معاً: رواية، مجموعة قصصية، كتاب نقدي… غير أن اللافت أن الخراط لم يقع يوماً في الاستسهال ولا التعجل، بل إن نصوصه على اختلافها كانت تنم عن مهارة لغوية فريدة وعن براعة في اختيار الأساليب واختبارها وعن عمق في معالجة القضايا الراهنة والتاريخية التي أعاد عبرها بناء الذاكرة المصرية بعيداً من التناقضات الكثيرة.

روائي رائد، أسّس فناً سردياً جديداً وغير مألوف سابقاً، واعتمد اشكالاً روائية فريدة في تراكيبها وعلاقاتها. كاتب مثقف، عميق المعرفة بالتراث العربي، الإسلامي والقبطي، وبالأدب الغربي الحديث، عمل في حقل الترجمة عن الإنكليزية والفرنسية ونقل الى العربية كمّاً كبيراً من القصص والمسرحيات وسواها. وكان عليه في مشروعه التحديثي، أن يصطدم بجدار نجيب محفوظ ويعلن ثورته البيضاء عليه ويبتعد عن واقعيته لينطلق نحو آفاق حديثة تدمج بين الواقعية والتعبيرية. وزاحم الخراط الكاتب البريطاني لورنس داريل صاحب «رباعية الإسكندرية» الشهيرة في استيحاء مدينته المتوسطية، وكتب عنها روايات بديعة وفريدة في اجوائها وشخصياتها وقصصاً وحتى قصائد، ودوّن سيرتها كمدينة كوسموبوليتية منفتحة غرباً وشرقاً، عبر تدوين سيرته الذاتية بصفته ابن هذه المدينة وسليلها. ولا شك في أن أجواء الإسكندرية المتوسطية أسبغت على أعماله ظلالاً وأطيافاً نادراً ما عرفتها الرواية المصرية المعاصرة. وفي مقدمة روايته الشهيرة «ترابها زعفران» يكتب مخاطباً مدينته بما يشبه غناء الأطفال: «إسكندرية، يا إسكندرية، أنت لست إلا غمغمة وهينمة». وهذه الرواية اختارتها الروائية البريطانية المعروفة دوريس ليسنغ حائزة نوبل الأدب، «كتاب العام» – 1990، وترجمت إلى لغات عدة ولاقت صدى طيباً في أوساط النقاد والمستشرقين.

كان إدوار الخراط غزيراً جداً، وكتبه وترجماته ومقالاته لا تحصى، وبعضٌ كثيرٌ منها لا يزال مخطوطاً ويرقد في الأدراج. كان يشعر أنه على سباق مع الزمن وأن عليه تجاوز الأعوام التي ضاعت. رواياته تتخطى العشرين ومجموعاته القصصية العشر وكتبه النقدية العشرين، علاوة على دواوين شعرية وكتب في أدب الرحلة وسواها. ومن رواياته التي تتمثّل مشروعه الطليعي والحديث: رامة والتنين، الزمن الآخر، محطة السكة الحديد، يا بنات إسكندرية، حجارة بوبيللو، أبنية متطايرة… وابتدع الخراط انماطاً سردية غير معهودة ومنها ما سماه «كولاج قصصي» و»نزوات روائية» و»متتالية قصصية»… ودفعه انحيازه إلى التجريب إلى وضع نظرية لكتابة جديدة سماها «الكتابة عبر النوعية» وعمادها النص الأدبي المفتوح على سائر أنماط الكتابة.

 

 

************************************************************************

 

فقدت الأوساط الثقافية المصرية الثلاثاء الأديب المصري البارز إدوار الخراط، عن عمر يناهز 89 عامًا.

إدوار الخراط مواليد 16 مارس 1926 ولد بالإسكندرية لعائلة قبطية، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية العام 1946.

شارك الخراط في الحركة الوطنية الثورية في الإسكندرية العام 1946 واعتقل في 15 مايو 1948 في معتقلي أبو قير والطور، كما عمل في منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية في منظمة الكتَّاب الأفريقيين والآسيويين من 1959 إلى 1983.

تفرغ بعد ذلك للكتابة في مجال القصة القصيرة والنقد الأدبي والترجمة، و فاز بجائزة الدولة لمجموعة قصصه (ساعات الكبرياء) في 1972.

يمثل إدوار الخراط تيارًا يرفض الواقعية الاجتماعية، ولا يرى من حقيقة إلا حقيقة الذات ويرجّح الرؤية الداخلية، وهو أول من نظّر لـ«الحساسية الجديدة» في مصر بعد 1967.

اعتبرت أول مجموعة قصصية له (الحيطان العالية) 1959 منعطفًا حاسمًا في القصة العربية، إذ ابتعد عن الواقعية السائدة آنذاك وركّز اهتمامه على وصف خفايا الأرواح المعرَّضة للخيبة واليأس، ثم أكدت مجموعته الثانية (ساعات الكبرياء) هذه النزعة إلى رسم شخوص تتخبط في عالم كله ظلم واضطهاد وفساد.

أما روايته الأولى (رامة والتِنِّين) 1980 فشكّلت حدثًا أدبيًا من الطراز الأول، تبدو على شكل حوار بين رجل وامرأة تختلط فيها عناصر أسطورية ورمزية فرعونية ويونانية وإسلامية، ثم أعاد الخراط الكرة بـ(الزمان الآخر) 1985 وبعدد من القصص والروايات المتحررة من اللاعتبارات الأيديولوجية التي كانت سائدة.

ترجمت الهيئة العامة للكتاب أعمال الخراط إلى الإنجليزية، وشاركت بها في عدة معارض دولية مثل معرض براغ الدولي للكتاب في شهر مايو الماضي.

و من أهم آراء الخراط التي اشتهر بها، كون الثقافة يحكمها منظور تاريخيّ, أو زمنيّ, كما يحكمها في الوقت نفسه سلّمٌ من القيم اللازمنية اللاتاريخية، وكان يري أن التراث العربي قدسي ولكن غير قالبيّ مصمت, و ذلك ينعكس مباشرة على تشكيل الهوية الوطنية.

ووصفه الناقد طه مطر بأنه روائي وناقد ومفكر من نوع خاص وكتاباته متفردة، ولها القدرة على اكتشاف الحقيقة لتفاصيل دقيقة في المجتمع المصري والتعامل معها بكل أنواع الاحتمالات في رواياته.

و قدم الخراط مجموعة من الدراسات المهمة من أهمها مختارات من القصة القصيرة في السبعينات، مائيات صغيرة، أحمد مرسي – دراسة ومختارات شعرية، من الصمت إلى التمرد – دراسات في الأدب العلمي، الحساسية الجديدة- مقالات في الظاهرة القصصية، و الكتابة عبر النوعية، و ما وراء الواقع مقالات في الظاهرة اللاواقعية.

ومن أهم الترجمات التي أنجزها الخراط، الخطاب المفقود، وهي مسرحية للكاتب أ ل كارجيالي ورواية الحرب والسلام للكاتب ليو تولستوي، والغجرية والفارس – مجموعة قصص رومانية، ورواية الشوارع العارية للكاتب فاسكوبراتوليني، ومسرحية
النورس الإذاعية.