أخبار عاجلة
الرئيسية » دين ودنيا » العمليات “الاستشهادية” تخالف إرادة الله / بقلم نصر اليوسف

العمليات “الاستشهادية” تخالف إرادة الله / بقلم نصر اليوسف

هذه ليست فتوى، وإنما هي قراءة في القرآن الكريم، الذي أنزل بلغةٍ عربية؛ أدّعي بأنني أفهمها، بمستوىً لا يقـلّ عن مستوى فهم غالبية مَنْ عاصَر التنزيل من الحكيم إلى المصطفى..

هذه القراءة باتت حاجة ملحة بعد أن أصبحت كلمة “الإسلام” مرتبطة بالفظاظة والعنف والقتل والدمار.

هذه القراء عبارة عن رسالة موجهة لكل مسلم حقٍ؛ يبتغي من كل عمل يقوم به، مرضاةَ الله وحُـسنَ الثواب، ولا يرضى أن يكون الإسلام أداة لسفك الدماء، وإزهاق الأرواح البريئة، ونشر الأحزان وبث الرعب.

حيث شهدت السنوات الأخيرة تفاقم ظاهرة التغرير بالبسطاء من المسلمين، لتنفيذ عمليات “استشهادية” تطال أناساً، لا يمكن لهم أن يؤثروا في القرارات السياسية، لا وهم أحياء، ولا حتى بعد أن يسقطوا ضحايا. أي أن العمليات من هذا النوع “جهادٌ” عبثيٌّ، لا يخدم إلا الذين يتخذون من الدين وسيلة لتحقيق مآرب وأهداف سياسية بحتة.

ورب قائل يقول: إن الخلل في الدين، الذي يتيح للمغرضين استغلال تعاليمه لدفع البعض لـقتل نفسه وقتل الأبرياء…

وأرد بكل قناعة ـ إن الدين براء من الخلل… وإنما الخلل في تفكير المسلمين البسطاء، الذين يسمحون للآخرين أن يفكروا عنهم، ويفسروا ويؤوّلوا تعاليم الإسلام وفق ما تقتضيه مصالحهم، ويتنكرون لواجبهم في التبصر والتفكير، الذي نصت عليه عشرات الآيات.

وبالانتقال إلى صلب موضوع هذه القراءة، وأخْذِ الأمور حسب تسلسلها الزمني والمنطقي، نجد أن الله سبحانه وتعالى قرر أن يجعل خليفة له في الأرض:
“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”. (البقرة‏:30)‏‏. وقرر أن يضع المخلوقَ المنتظرَ في مرتبةٍ أعلى من مرتبة الملائكة؛ وهذا ما يؤكده إضفاءُ صفة الـ “خليفة” على ذلك المخلوق المنتظر، ويؤكده قولُـه تعالى:
“إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فـقعوا له ساجدين”. (‏ ص‏:71، 72 ).

ونتابع في تأمل كلمات الله، ونخص منها:
“يا أيها الناس اتقوا ربكم، الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء”. (النساء: 1)

هذه الآيات الكريمة تُـظهر بوضوح تسلسل عملية ظهور النفس (الإنسان) على الأرض. حيث أخذ الخالق قِـطَـعا من طين الأرض، وركبها على صورة إنسان، ثم نفخ في ذلك الطين من روحه، فأصبح الطينُ المجبولُ بروح الله (نَـفْـسا) أو (بشرا)…

يجب الانتباه هنا إلى مسألة مهمة جداً، وهي أن الله استخدم كلمتي “بشر” و”نفس”، ولم يُـقرِنْـهما بأية مواصفات أخرى؛ كاللون أو العرق أو القومية أو المعتقد… وهذا يعني أن كل إنسان هو “خليفة” الله في الأرض.

وننتقل إلى آية أخرى يقول فيها المولى عز وجل:
“من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنّما قتل النّاس جميعاً”. (المائدة: 32)
إن هذه الآيةَ الكريمة، توضح بما لا يدع مجالاً للتأويل أن قتل (النفس)، بغض النظر عن شكلها ومعتقدها، يصح في حالتين فقط:
الأولى: لتنفيذ القصاص؛ أي لتنفيذ حكم الإعدام بمن ثبت أنه ارتكب جريمة قتل.
الثانية: لتنفيذ حكم الإعدام بشخص ثبت أنه ينشر الفساد في الأرض.

والمفسد هو الإنسان الذي يساهم، بقصد منه أو بغير قصد، في خلق حالة من الفوضى والانحلال والفلتان في المجتمع، بما في ذلك؛ الترويج للفساد الأخلاقي والمخدرات، والاعتداء على أرواح وأعراض وممتلكات الغير… وهذا التفسير ورد في قوله تعالى:
“ـ ـ ـ سعى في الأرض ليـُفـسِـد فيها، ويُهلكَ الحرثَ والنسل ـ ـ ـ” (البقرة: 205)

فإذا اتقينا الله في تعاليمه، وابتعدنا عن التلاعب بكلماته، فسوف نتوصل إلى نتيجة لا لبس فيها، مفادها أن قتل أي إنسان خارج الحالتين المذكورتين أعلاه، يُعتبر بمثابة إبادة للجنس البشري، وبالتالي ـ بمثابة تَـحَـدٍّ لإرادة الخالق العظيم التي تنص بصراحة ووضوح على أن البشر خلفاء الله على كوكب الأرض.

من هنا يتضح أن من ينفذ تفجيرا، يَـعتقد أنه يتقرب به إلى الله، يجد نفسه، في واقع الأمر، يتحدى إرادة الله، عبر العمل على إبادة خلفائه.

وقد يقول قائل: إن من يُـسموْن بالأبرياء، هم في الواقع مجرمون، أو على الأقل شركاء في الجرائم، لأنهم ينتخبون قادة، يرتكبون الجرائم باسمهم.
وأقول لمن يقدم مثل هذه التبريرات، إن هذا لا يصح في المنطق. لأننا إذا افترضنا جدلاً أن ثمة؛ بين الضحايا، من انتخب أولئك القادة، فليس بالضرورة أنه يوافق على كل ما يقومون به… وما من شك في أن بين ضحايا العمليات الإرهابية شخصاً واحداً على الأقل، لا يهتم بالسياسة، ولا ينتخب، ولا يوافق على كل تصرفات قادته… فبأي ذنب قتل هذا الشخص؟

وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا التبرير يتنافى مع تعاليم الإسلام؛ التي تحظر معاقبة أحدٍ على ذنبٍ ارتكبه شخصٌ آخر… والدليل على ذلك قوله تعالى:
“ولا تزر وازرة وزر أخرى”. (الانعام: 164) و(الاسراء: 15) و(فاطر: 18) و(الزمر: 7)

قد يحاول البعض تبرير مثل هذه العمليات بأنهم “يجاهدون” لإرغام الحكومات على تغيير سياساتها، أو سحب قواتها، أو لمعاقبة المتعاملين مع الغزاة، أو لإزاحة حاكم ظالم…

هذه أهداف نبيلة بلا جدال… لكن الغاية، مهما كانت نبيلة، يجب أن لا تدفع إلى إغضاب الله وتحدي إرادته… ومن يمضي في هذا السبيل، فإنما يكون قد فضل تعاليم ماكيا فيللي على تعاليم الإسلام، دينِ العدالة والسلام.