أخبار عاجلة
الرئيسية » ترجمات » في سوريا : حرب بالوكالة بدون نهاية قريبة بقلم جوناثان إييل ( مترجم )

في سوريا : حرب بالوكالة بدون نهاية قريبة بقلم جوناثان إييل ( مترجم )

يستحق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الإعجاب. فمنذ أن ضربت مجموعة من المسلحين والانتحاريين عاصمته في تفجيرات أسفرت عن مقتل 130 شخصاً في أسوأ الفظائع في فرنسا منذ عقود، سافر السيد هولاند حول العالم، سعياً إلى توحيد القوى الكبرى وراء استراتيجية واحدة في سورية، استراتيجية تهدف إلى تدمير ما يسمى “الدولة الإسلامية” في العراق والشام وهي منظمة إرهابية مسؤولة عن الهجمات في باريس.

الفكرة التي يدفعها السيد هولاند في المكوكات السياسية بين واشنطن وموسكو هي أنه بدلاً من مواجهة بعضهم البعض ينبغي للبلدان التوحد بشأن التعامل مع سورية. حتى أنه دخل التاريخ من خلال حضوره قمة لزعماء دول الكومنولث، وهي مجموعة من الدول معظمها من المستعمرات البريطانية السابقة، حيث روّج هناك أيضاً لرؤيته “للتحالف الكبير” في سبيل مواجهة سورية. وإجمالاً، تحدث الرئيس هولاند شخصياً في هذا الموضوع إلى ما لا يقل عن 60 من رؤساء مختلف الدول والحكومات خلال الأسبوع الماضي وحده.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الجهد المذهل، فقد فشل السيد هولاند. لأن الحرب الأهلية التي مزقت سورية منذ عام 2011 لا يمكن إيقافها بشكل كبير، فقد تحولت إلى حرب بالوكالة بين كل حكومات الشرق الأوسط، فضلاً عن العديد من القوى خارج المنطقة، وهو صراع محيّر في تعقيده مقّدر له الاستمرار لسنوات عديدة ومن المؤكد أن يولّد العديد من المنظمات الإرهابية. نادراً ما كانت الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط سابقاً مربكة جداً أو أن تكون آثارها على المدى الطويل محبطة إلى هذه الدرجة.

من الخطأ القول – كما يفعل كثير من المعلقين حالياً – أن سورية كانت دائماً “دولة مصطنعة”، البلد الذي عاجلاً أو آجلاً كان لابد أن ينفجر. لفترة من الزمن كان صحيحاً ان سورية كانت إلى حد كبير نتاج التقسيم الإقليمي للشرق الأوسط بين بريطانيا وفرنسا في نهاية الحرب العالمية الأولى، إنما ما هو واقع أيضاً أن البلاد كانت موجودة لمدة قرن من الزمن تقريباً، وهي فترة أطول بكثير من العديد من الدول الأخرى في جميع أنحاء العالم.

وينقسم السوريون على أسس دينية بين السنة والشيعة والمسيحيين، وعلى أسس عرقية بين العرب والأكراد والدروز وبعض الطوائف الأخرى. ولكن هذه التقسيمات ليست فريدة من نوعها بالنسبة لسورية، وهي بالتأكيد ليست سبب الحرب الأهلية الراهنة في البلاد، والتي أطلق لها العنان قرار الرئيس السوري بشار الأسد بقمع المعارضين لسجله الحافل بالفساد.

وتشير جميع الأدلة إلى أن الغالبية العظمى من سكان البلاد ما يزالون متمسكين بفكرة الأمة السورية، باستثناء المتطرفين العنيفين الذين يحلمون بتأسيس ” الخلافة الإسلامية”. وبالتالي تجتمع الآراء على ضرورة الحفاظ على فاعلية الدولة السورية.

ويسود إجماع قوي مساوي أيضاً في كل من الشرق الأوسط والعالم بأسره على أن المنظمة الإرهابية داعش، والتي تملك جذور قوية وحضوراً في سورية، هي آفة عالمية ويجب القضاء عليها على وجه السرعة. لأن داعش ليست مسؤولة فقط عن القتل الشنيع للمدنيين من مختلف الجنسيات التي يمكن تصورها، ولكن أيضاً لدورها في التدريب على الإرهاب والتطرف الديني.

ومع ذلك، فالمفارقة أن العقبة الأساسية لإقامة تحالف عالمي يهدف إلى إيصال الحرب في سورية إلى نتيجة؛ هي ليست عدم وجود اتفاق حول ماهية الهدف النهائي، ولكن بدلاً من ذلك، هي الخلاف الجوهري بين جميع أطراف النزاع حول الهدف الذي يأخذ الأولوية.

بالنسبة لرئيس الحكومة السورية بشار الأسد، فإن الأولوية هي بطبيعة الحال مجرد الحفاظ على البقاء. الأسد ليس محباً لداعش وربما لا يكون مسؤولاً مباشرة عن إنشاء المنظمة الإرهابية، كما يزعم الكثير من منتقديه.

ومع ذلك، فليس هناك شك في أن الأسد هو من أنشأ طرق التهريب الإرهابية التي تستخدمها داعش الآن، عندما سمح باستخدام أراضيه كمنطقة عبور للإرهابيين الذين يقاتلون قوات الولايات المتحدة في العراق المجاورة قبل عقد من الزمن. والأمر سيان بالنسبة لتعزيز الأسد لصفوف المنظمات الإرهابية عندما أفرغ سجون بلاده من المتطرفين وغير الأسوياء الآخرين في بداية الحرب السورية الأهلية الحالية.

فعل الأسد ذلك لأن أفضل فرصة له في البقاء تكمن في اقناع العالم بأنه يحارب الأصولية الدينية، وأن النظام السوري الحالي أفضل من أي شيء قد يأتي بعده. وهذا زعم لم يعد يحمل مصداقية، لأنه حتى لو تم السماح للأسد بالبقاء في السلطة وطُلب منه المساعدة في سحق داعش، فكل ما قد يفعله هو توليد الإرهاب من الحركات الأخرى. لقد عاش الأسد من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على الإرهاب في بلاده؛ ولذلك مقدر لنظامه أن يموت بواسطته.

في جميع الاحتمالات، تفهم روسيا أن الأسد هو الآن جزء من المشكلة. ومع ذلك، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتشبث بالأسد كورقة مساومة مع الغرب في صفقة تقر بأهمية روسيا وتسمح لبوتين بالحفاظ على نفوذ ميداني في كل من أوكرانيا، حيث تتمركز القوات الروسية، والشرق الأوسط.

ولهذا السبب فقد نفذت ما يقدر بنحو 6 بالمئة فقط من الضربات الجوية الروسية ضد داعش هذا الشهر. ومع أن الروس فقدوا إحدى طائراتهم المدنية بسبب الإرهاب الناشئ من داعش، فقد كانوا متحمسين لتوجيه نيرانهم ضد غيرها من قوى المعارضة السورية.

وفي الوقت نفسه، لدى حكومات الشرق الأوسط الأخرى ألعابهم الخاصة لتطبيقها. إيران التي تمقت داعش إلى حد كبير لدرجة أن العديد من القادة الإيرانيين يعتقدون أن المنظمة الإرهابية كانت في الواقع “اختراع” من جانب إسرائيل والولايات المتحدة. وفي عالم الشرق الأوسط الغريب، تُؤخذ نظريات المؤامرة هذه بسهولة على محمل الجد. ومع ذلك، فإن الإيرانيين هم الأكثر حرصاً على دعم نظام الأسد الشيعي ضد معارضيه المحليين. وتنظر إلى داعش على أنها، في أحسن الأحوال، عامل لتشتيت الانتباه.

وهذا ما تفعله الدول العربية في المنطقة، والتي هي أكثر حرصاً بكثير على إسقاط الأسد. فهم يمولون ويسلحون الجيش السوري الحر، ومختلف جماعات الجبهة الجنوبية المقاتلة، فضلاً عن تجمع أحرار الشام.

ثم هناك تركيا، التي تهدف مصلحتها الأساسية إلى منع أكراد سورية من إقامة حكم ذاتي، لأن هذا قد يشجع الأكراد داخل تركيا على فعل الشيء نفسه.

فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، على سبيل المثال، بعض اللاعبين الغربيين الأساسيين في هذه الدراما، الذين لا يمكن تحميلهم مسؤولية الفوضى السورية. ومع ذلك، فهم يحملون بعض المسؤولية بسبب إصدار البيانات والتصريحات الكبرى والفشل في متابعتها بالخطوات العملية.

تطالب كل الحكومات الغربية بإزالة الأسد من السلطة، دون الإشارة إلى من أو ماذا سيحل محله. وكلها تنتقد الدول العربية لعدم تنسيق جهودها في سورية، دون تقديم دليل على ماهية هذا التنسيق أو كيف يجب أن يبدو. وانتقدت الولايات المتحدة تركيا لعدم أخذ داعش على محمل الجد. ولكن واشنطن تعتمد أيضاً على أكراد سورية للرد على داعش وعلى النظام السوري، وهم بالذات الذين تخشاهم تركيا أكثر من غيرهم.

وإذا كان هذا لا يكفي، فالولايات المتحدة تتوقع أيضاً أن تتعاون روسيا في استراتيجية مشتركة في سورية مع الحفاظ على أن هذا لا يمكن أن يكون جزءاً من صفقة دبلوماسية أوسع تشمل أوكرانيا. الأمريكيون محقون في التمسك بمبدأ أن مصالح الدول لا ينبغي مقايضتها. ولكن، الولايات المتحدة مخطئة أيضاً في افتراض أن بوتين سيقدم المساعدة في سورية في حين أن روسيا لا تزال تتعرض للعقوبات الاقتصادية الغربية بسبب أوكرانيا.

لم تذهب محاولة السيد هولاند الشجاعة لإصلاح كل الصدوع هباءً تماماً: فالمفاوضات بين القوى الرئيسية في الصراع مستمرة وراء الكواليس. ومع ذلك، فليس من المرجح أن تظهر استراتيجية متماسكة أو اتفاق حول ما يجب القيام به مادامت كل الأطراف الفاعلة في سورية تهتم بالصراع السوري بما فيه الكفاية لوخزه بأصابعها، ولكنها لا تهتم بما فيه الكفاية لصرف مواردها لتحقيق نتيجة معينة أو لوضع جنودها في طريق الأذى.

والنتيجة هي أسوأ النتائج الممكنة: حرب ما زالت باقية إلى ما لا نهاية لأن أياً من أبطالها ليس لديه القوة اللازمة للوصول بها إلى نتيجة، في حين أن أي من الرعاة الوكلاء الخارجيين لا يستطيع الوصول إلى اتفاق حول ما يرغبون في تحقيقه.

 

 

The Strait Times
المؤلف:
جوناثان إييل

(ترجمة السورية نت)