أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » القبائل السورية والسلفية الجهادية : عبدالناصر العايد

القبائل السورية والسلفية الجهادية : عبدالناصر العايد

في المرحلة الراهنة من الأزمة السورية، يواجه المعنيون بها، من سوريين وقوى إقليمية ودولية، معضلة استشراء التنظيمات الإسلامية المتطرفة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، خاصة بين المواطنين من خلفية قبلية.
ويحذر البعض من تحول انتشار العقيدة الجهادية في تلك البيئة إلى توطن دائم، لكونها بيئة قابلة. لكن تلك الرؤية تفتقد إلى العمق والمعرفة الميدانية، ويبنى عليها سياسات عجولة، تتلخص في التعامل مع الظاهرتين بالأسلوب ذاته، وهو الحرب، وقمع وترهيب المجتمعات العشائرية لمنعها من احتضان الجهاديين أو التحالف معهم، وبينما تتم دراسة أدق شؤون الجماعات الدينية، يتم المرور عرضاً على الشأن القبلي، ولا يحظى بأي قدر من الدراسة أو التمحيص، وهو ما سنحاول إلقاء الضوء على جانب منه هنا، للوصول إلى مقاربة أكثر دقة للقضية المطروحة.
المواطنون من خلفية قبلية:
في مطلع القرن العشرين، استقرت معظم القبائل السورية، في الأقاليم التي كانت مراعي ومنتجعات لمواشيها، وصنفها الباحثون تبعاً لطريقة عيشها في نمطين: القبائل الحضرية أو المستقرة، والقبائل الراحلة.
وعلى الرغم من وجود حيزات جغرافية واسعة نقية لناحية احتوائها على العنصر والثقافة والعلاقات العشائرية، إلا أننا لا نستطيع الحديث عن حالة قبلية ذات حدود دقيقة، فقد شهدت العقود السابقة حركة نزوح شديدة إلى المدن، خلفت تداخلاً كبيراً بين البنيتين المدينية والقبلية.
ويمكننا القول، إن في سورية مواطنين من خلفيات قبلية، تربطهم شبكة علاقات عشائرية، رغم تباعدهم المكاني، ويعد النسب، الذي يعتني غالبيتهم بحفظه، الناظم الرئيسي لهويتهم.
يعد سكان محافظات دير الزور والرقة والحسكة ودرعا، من خلفيات عشائرية بالمطلق، بما فيهم الأكراد، كما يمثلون غالبية سكان ريف حلب، والأرياف الشرقية لإدلب وحماه وحمص والقنيطرة.
ومع أن أبناء محافظة السويداء من خلفية عشائرية أيضاً، إلا أن الهوية المذهبية هي الطاغية، شأنهم في ذلك شأن العلويين، لذلك لن يتم احتسابهم في التقديرات التي سنعتمدها هنا، والتي ستكون تقريبية، لعدم وجود أي مرجع إحصائي رسمي لأعداد أبناء القبائل، بسبب تحريم السلطات لأي أبحاث أو دراسات من هذا القبيل، منذ وصول حزب البعث إلى السلطة سنة 1963.
العدد والانتشار:
وفقاً للمكتب المركزي للإحصاء، بلغ عدد سكان سورية المسجلين حتى تاريخ 1/1/2011 في سجل الأحوال المدنية 24504 ألف نسمة، منهم 1692 ألف في محافظة دير الزور، و1008 ألف في الرقة، و1604 ألف في الحسكة، و 1126 ألف في درعا، يمكننا على وجه التقدير، اعتبار 90 % على الأقل من سكان هذه المحافظات من خلفيات قبلية، أي مامقداره 4887 ألف نسمة، ويمكننا إضافة مليونين من سكان أرياف ومدينة حلب، كما يمكن إضافة ما نسبته عشرة بالمئة على الأقل من سكان إدلب وحماه وحمص والقنيطرة، والبالغ عددهم وفق الإحصائية نفسها في حمص 2147 وحماه 2113 وإدلب 2072والقنيطرة 489 أي ما مقداره 682 ألف نسمة، وهذا يعني أن المواطنين من خلفية قبلية يزيد عددهم على 7569 ألف نسمة، ومع إهمال التجمعات القليلة في بقية المحافظات، نستطيع أن نقول إن نسبة المواطنين من خلفية قبلية إلى عدد السكان الإجمالي تزيد عن 30%، ويعيشون في مناطق تزيد مساحتها عن 43% من مساحة سورية البالغة 185.180 كم²، إذا احتسبنا فقط مساحة المحافظات ذات الغالبية العشائرية المطلقة وهي دير الزور 33.060 كم² والحسكة 23.334 كم² والرقة 19.616 كم² ودرعا 3.730 كم².
أعلى معدلات الفقر والأمية:
يقول تقرير (الفقر في سورية 1996 – 2004) الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 2005 إن “المناطق الشمالية الشرقية (إدلب، حلب، الرقة، دير الزور، الحسكة) سواء كانت ريفية أو حضرية، شهدت أعلى معدلات الفقر سواء من حيث انتشاره أو من حيث شدته أو عمقه”، ويضيف “باستخدام الخط الأدنى للفقر تصل معدلات الفقر إلى أعلى درجاتها في المناطق الريفية للشمال الشرقي (17.9%) تليها المناطق الحضرية في الشمال الشرقي (11.2%)” حيث”تبلغ نسبة الفقراء 35.8%” و “يزداد الفقر المدقع في الاقليم الشمالي الشرقي أربع مرات عن الاقليم الساحلي”، ويقول التقرير الوطني الثاني لأهداف التنمية للألفية في الجمهورية العربية السورية الصادر عن هيئة تخطيط الدولة السورية في أيلول٢٠٠٥ إن “نسبة الملمين بالقراءة والكتابة (بين 15 و24) في محافظتي دير الزور والرقة سنة 2004هي الأدنى في سورية، حيث بلغت فقط (78,3) في دير الزور و(78,1) في الرقة” بينما المعدل الوطني العام يبلغ 92,5،كما أن “نسبة التلاميذ الذين يصلون الى الصف السادس فيها (المنطقة الشمالية الشرقية) متدنية ففي حلب76% والرقة 82% والحسكة 85%”.
أهم القبائل والعشائر السورية:
العشيرة هي الجماعة التي تنتسب لجد واحد، أما القبيلة فإنها تجمع لعشائر، قد تكون من أصل واحد أو من أصول مختلفة، لا يمكننا المغامرة كثيراً بتحديد أكبرالقبائل عدداً، لعدم توفر الإحصائيات، وسنعتمد على الهامش الوحيد الذي كان متاحاً لظهور النزعة القبلية في العقود الماضية، وهو الانتخابات النيابية، التي كان يترك فيها بضعة مقاعد للمستقلين عن الجبهة الوطنية التقدمية، ويحتدم التنافس عليها بين زعماء القبائل الأكبر عدداً، وتشير تلك النتائج إلى فوز أفراد من قبيلتي العقيدات والبكارة في دير الزور بشكل مطلق، وتناوب على مقاعد المستقلين في الحسكة أفراد من قبائلالجبور وشمروطي والبكارة، وفي الرقة تناوب أفراد من قبائل العفادلة، الولدة، البوخميس، الصبخة، البوعساف، وفي حلب تناوب أفراد من قبائل الحديدين، البوبنا، والبومانع، والبكارة، وفي حماه تناوب أفراد من قبيلتي الموالي والنعيم، وفي حمص تناوب أفراد من عنزة والفدعوس، وفي إدلب يفوز عادةأفراد من الحديديين، وفي القنيطرة يفوز أفراد من قبيلة الفواعرة، أما في درعا فيتناوب أفراد من عشائر المحاميد والمسالمة وأبازيد والزعبي.
وثمة قبائل كردية في الجزيرة السورية، أهمها المليّةوالدقوريوالهفيركان والكيكي والمرسينية.
القبائل والدولة في سورية:
برزت العشائر كمكون اجتماعي متمايز منذ تأسيس الدولة السورية، في المؤتمر السوري الأول عام 1919 الذي أعلن قيام الدولة السورية بنظام ملكي نيابي، أقر قانون انتخابي أعطى كوتا خاصة بالعشائر، ثم خصهم الدستور السوري عام 1928 بالمادة 13 التي تقول”تقوم بشؤون العشائر البدوية إدارة خاصة تحدد وظائفها بقانون يراعي حالتهم الخصوصية”. لكن الرئيس جمال عبدالناصر ألغى هذا القانون في شباط 1959، فنقم عليه شيوخ العشائر الذين أيد معظمهم الانفصال في 1961. ومع وصوله إلى السلطة حرم حزب البعث التعاطي بالثقافة والقوانين القبلية باعتبارها ظاهرة متخلفة وهدامة، لكن قادته استخدموا العشائرية على نحو سري كأداة سيطرة، ومن أقدم وثائقه في هذا الخصوص، الدراسة التي أعدها سنة 1963 الملازم أول محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية في الحسكة بعنوان “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية”، وفيها ينصح بتوزيع الأراضي على العشائر العربية لإحداث تغير ديمغرافي في المنطقة الكردية. وفي المراحل اللاحقة اعتمد حزب البعث سياستين للسيطرة على المنطقة القبلية، الأولى تمثلت بإضعاف البنية القبلية، سواء بخلق صراع داخل كل قبيلة عند تهميش طبقة الشيوخ التقليدية وإصعاد فئة من قاع المجتمع القبلي ودعمها لمنافستهم، أو بإقصاء القبائل الكبرى ومنع أبنائها من لعب دور سياسي كبير، ولم تشهد حقبة حكم حافظ الأسد بروز أية شخصية من القبائل الكبرى في الدولة أو الحزب، وعلى سبيل المثال ينتمي ناجي جميل شريك الأسد في انقلابه إلى عشيرة صغيرة جداً وافدة حديثاً إلى دير الزور من سليمة، أما سعيد حمادي القيادي البعثي الأبرز من منطقة القبائل طوال حقبة الأسد الأب، فينتمي إلى أسرة عراقية تقطن مدينة الميادين دون أي امتداد قبلي. وفي عهد بشار الأسد تم اختيار محمد الحسين الذي ينتمي إلى قبيلة ثانوية صغيرة العدد أيضاً، وعلى المنوال ذاته اختير رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب من أسرة وافدة إلى دير الزور من ناحية السخنة قرب تدمر، وليس له أي عمق عشائري أو قبلي يذكر. لكن الأمر اختلف فيما يخص درعا، التي انتقي من عشائرها عدة أشخاص لشغل مناصب الصف الأول في النظام، ويرجع ذلك لكون عشائر درعا صغيرة، ولا تشكل خطراً كبيراً في حال تمرد أو خروج أحد أبنائها عن السيطرة.
أما الإستراتيجية الثانية فهي التفقير والتجهيل، إذا لم تفتتح جامعة في أي من المحافظات الشرقية، إلا في سنة 2006، متأخرة نحو نصف قرن عن باقي مناطق سورية،وتولت رأسمالية الدولة والفساد الممنهج عملية نهب الإنتاج الزراعي للمنطقة القبلية، الذي يمثل نحو 60% من إنتاج البلاد، أما القطاع النفطي في المنطقة التي يستخرج منها كامل الإنتاج السوري، فقد حرم السكان المحليون من العمل فيه، ومنحت وظائفه عالية الدخل لأبناء المنطقة الساحلية، من خلال الأجهزة الأمنية.
العشائر والثورة:
كان لمفهومي الشرف والفزعة القبليين، تأثير كبير على اندلاع وصمود الحركة الاحتجاجية في محافظة درعا، وعندما امتدت إلى شرق البلاد لعبت الحماسة والعلاقات العشائرية دوراً أساسياً في نهوض الحركة الاحتجاجية والعمل المسلح، مما أدى إلى تحرير المنطقة بسرعة نسبية من قبضة النظام.
وقد اتسم الحراك هناك،المسلح خاصة، بتواري الشعارات العشائرية، على الرغم من بعض التشكيلات والتحركات التي اتخذت أسماء قبلية في البداية، لكن سرعان ما تحولت إلى مسميات جغرافية أو دينية أو تاريخية، ويبدو أن الابتعاد عن الملمح القبلي يكمن سره في الصراع بين النخب القائدة الجديدة، ومؤسسة السلطة التقليدية المعروفة بالشيوخ. فالمشيخة منصب اجتماعي متوارث ومعترف به على نطاق واسع، ويحتكر الشيخ تمثيل القبيلة في المناسبات العامة والظروف الاستثنائية، ولا ينتمي معظم القادة الشبان الجدد إلى تلك الطبقة، وبالتالي لم يكن لهم مصلحة بالبروز على منصة تكون فيها السيادة لسواهم، وقد دفعوا الشيوخ التقليدين بهذه الطريقة إما إلى الانكفاء، كما فعل نواف البشير شيخ قبيلة البكارة الذي كانت له مساهمة واضحة في بداية الثورة، لكن حضوره خفت بعد أشهر حتى انعدم، وإما الالتحاق بالنظام الذي قدم لهم ميزات كبيرة، وحصل منهم على دعم إعلامي فقط، لانعدام قدرتهم على التواجد بين أبناء عشائرهم أصلاً.
لقد كمنت العشائرية فعلياً خلف عناوين جغرافية في أغلب الحالات، كأن يقال تشكيل أحرار القرية الفلانية أو فصيل ثوار الناحية كذا، لكن ذلك يحيل إلى انتماء محدد، فكل عشيرة تسكن في ناحية أو قرية خاصة بها منذ القدم.
وقد حاولت أطر الثورة توظيف الكتل العشائرية، وأطلق على التظاهرات يوم 11/6/2011 اسم جمعة العشائر، كما تم تشكيل مجلس للقبائل،انضم إلى مكونات المجلس الوطني والائتلاف فيما بعد، لكن تأثيره بقي محدوداً لضعف إمكانياته.
العشائر والجهادية:
يحتمل أن أول موطئ قدم للجهاديين السلفيين في سورية كان في منطقة القبائل، ويقول ناشطون إن جبهة النصرة تم تأسيسها في بلدة الشحيل قرب دير الزور، على يد مجموعة من أبناء عشيرة العقيدات، الذين غادروا إلى العراق بكثافة إبان الغزو الأميركي، وانخرطوا في التنظيمات الجهادية هناك، وقد لعب أبناء تلك البلدة دوراً بارزاً في بناء تنظيم جبهة النصرة،التي اتبعت سياسة غير تصادمية مع القبائل، بفضل معرفة قادتها المحليين بمخاطر ذلك. لكن حين انفصلت عن البغدادي، واستقطب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام معظم المقاتلين الأجانب، قام التنظيم الجديد بقمع القبائل في المناطق التي سيطروا عليها، خاصة في الرقة وريف حلب.
أما في ريف الحسكة فقد استغل تنظيم داعش الانقسام القومي العربي الكردي،ووضع أبناء القبائل العربية هناك تحت جناحه بلا إرغام.
حالة ريف دير الزور الشرقي:
إن التجربة النموذجية التي يمكن استقاء بعض المؤشرات منها، عن علاقة الجهاديين بالقبائل، هي الحوادث التي جرت في الريف الشرقي من دير الزور صيف 2014، لذا سنسرد بعض تفاصيلها هنا.
تقطن تلك المنطقة قبيلة العقيدات، ويبلغ عديدها نحو 500 ألف نسمة، وقد شاركت في العمل المسلح بكثافة، وقد تبنت إحدى عشائرها وهي “الظاهر”، التي تقطن بلدة الشحيل، تنظيم جبهة النصرة منذ نشأته، وتحول معظم أبنائها إلى جنود وقادة فيه، وبفضل الدعم الواسع أصبحت الأقوى في المنطقة، وسيطرت على عدد من حقول النفط هناك، لكنها اصطدمت ببقية القبائل عندما حاولت وضع يدها على كافة الحقول، فتراجعت واكتفت بحقل العمر،الأكبر في سورية، إضافة إلى معمل كونيكو للغاز، الأضخم من نوعه أيضاً في البلاد.
لكن عشيرة البكير الشقيقة للظاهر، كانت تشكو حرمانها من عائدات حقل العمر ومعمل كونيكو الواقعين في أراضيها، وحين لم يستجب لشكواها، استولى مقاتلوها على معمل كونيكو، لكن جبهة النصرة طردتهم منه. وعندما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية على مسرح الأحداث، سارع عدد كبير من أبناء عشيرة البكير للانضمام إليه، على رأسهم مقاتل يدعى عامر الرفدان، والذي عين والياً على دير الزور من قبل البغدادي،وشنَّ الرفدان عدداً من الهجمات على حقول النفط، تمكنت جبهة النصرة من صدها والتقدم إلى معقله، وهو قرية جديد عقيدات، التي ينتمي إليها الرفدان، وهدمت منزله ومنازل بعض من عشيرته.
لكن بعد الانتصارات التي أحرزها داعش في شمال العراق مطلع حزيران 2014، عاد الرفدان بقوة كبيرة، واقتحم بلدة الشحيل، مقر جبهة النصرة وطردها من المنطقة نهائياً، وفي هذه المرحلة تدخلت عشيرة أخرى من قبيلة العكيدات هي الشعيطات التي كانت تسيطر على حقول نفط وتخشى انتزاعه منها فيما لو سيطر تنظيم داعش على المنطقة، وقاتلت إلى جانب أهالي الشيحل، وعندما استسلم هؤلاء رفضت قبيلة الشعيطات الخضوع، فاقتحم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية قراهم واحتلوها بعد أن فقدت القبيلة نحو ألف رجل وشاب من أبنائها.
وعندما استتب لها الأمر، حاولت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية تلافي الحساسيات العشائرية المتنامية، فبدلت الرموز العشائرية السابقة، ونقلت عامر الرفدان مثلاً إلى مركز قيادة التنظيم، ليصبح مستشاراً للبغدادي، وأوكلت أمر القيادة المحلية لمقاتلين أجانب.
واقع العلاقة اليوم:
يمكن وصف العلاقة اليوم بين القبائل والتنظيمات الجهادية، خاصة داعش، بأنها علاقة هيمنة من الثاني على الأول، تتضمن محاولة إلغاء الهوية العشائرية، مع المحافظة على إمكانية الاستفادة من شبكة العلاقات التي توفرها، ودون أن تتحول تلك الشبكة إلى قيد أو إطار تحتجز داخله. ومن الملاحظ اليوم أن قبائل كثيرة وكبيرة نأت بنفسها عن الجهاديين، فيما ارتبطت بهم قبائل أخرى بشدة، ولم تجد دعوتها سوى استجابات فردية ومحدودة خارج القبائل التي ينتمي إليها قادة عسكريون أو دينيون، ومن اللافت أن العشائر الصغيرة المضطهدة في محيطها، هي الأكثر إقبالاً على الجهاديين، كما أن الخلافات الكثيرة بين العشائر دفعت بعضها إلى حضن التنظيم للاستقواء به.
ويقدر نشطاء في المنطقة الشرقية أن حصة أبناء تلك المنطقة من الجسد العسكري لداعش تبلغ نحو 70 بالمئة، لكن وفقاً للنشطاء ذاتهم فإن نسبة المتعاطين مع التنظيم من مجمل السكان لا تتجاوز الخمسة بالمئة، جلهم من المرتبطين نفعياً به، فهو يقدم رواتب وإعانات وفرص عمل في قطاع النفط، الذي يقدرون عدد الأسر المستفيدة من العمل به بنحو 30 ألف عائلة.
مخاطر وفرص:
نشأ الإسلام في بيئة قبلية، هي الجزيرة العربية، والمحاولة مستمرة منذ ذلك التاريخ، لفرض الهوية الإسلامية على أبناء القبائل كهوية أولى، ويقال إن الآية 97 من سورة التوبة (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) تشير إلى ما لاقته الدعوة الإسلامية من مقاومة بين أبناء القبائل. وفي حين استقطب المسلمون الأوائل أبناء القبائل المستضعفين، إلا أنهم لم يتمكنوا من تجاوز دور العشائر القوية، حتى أن بعضهم استنكر الميزات التي منحت لها، وأطلقوا المقولة الشهيرة “سادتهم في الجاهلية سادتهم في الإسلام”.
وعند وفاة النبي تحالفت قبيلتي الأوس والخزرج، لتعيين خليفة منهم، فيما تكاتف أبناء قريش وعينوا أبا بكر. ومن طرائف تلك العلاقة خطبة عبدالله بن خازم السلمي في خراسان التي قال فيها إن ربيعة لم تزل غضاباً على الله مذ بعث نبيه من مضر!.
وفي دراسته عن الجزيرة السورية، يقول الملازم أول محمد الطلب عن الذهنية القبلية السائدة هناك إنها “أكثر من معتقد ديني، بل أن الدين كله ملحق بتلك العقلية، وصعب عليهم أن يفهموا حتى الدين إلا من خلال عقليتهم القبلية”.
وأصل النزاع بين العشائري والديني،هو أن الأول يقدس رابطة الدم، بينما يقدس الدين معتقداً، وبمعنى إنه تنافس بين ما هو مادي دنيوي، وماهو مجرد وميتافيزيقي. وهو التحدي الذي تواجهه التنظيمات الجهادية اليوم في مناطق القبائل، فالولاء للعشيرة يتحدى الولاء لقادة تلك الحركات، الذين لا يجدون أمامهم من سبيل لتجاوز معضلة العشائرية سوى بإلغائها قسراً، مما يفاقم توتر العلاقة بينهما وينذر بتفجرها.
لقد توجه أبو بكر البغدادي في بيان تأسيس “دولة العراق والشام الإسلامية” إلى المسلمين والعشائر على وجه الحصر، والتمييز الذي ساقه، وهو الخبير بحيثيات هذا التناقض، تمييز سياسي واجتماعي، لاديني، وهو نقطة الافتراق التي يمكن عندها فصل العشائرية عن التنظيمات المتشددة، لكن يجب توخي الحذر هنا، فالإسلام كدين، جزء جوهري من هوية أبناء العشائر، والحديث فقط عن التطرف الديني، الذي ينافس هويتهم الأولى، فهم على وفاق عميق وممتد مع نمط التدين الصوفي، المعروف بتركيزه على البعد الروحي لدى معتنقيه وحسب.
كما أن تموضع التنظيمات الدينية في أطر عشائرية، واختصاص كل تنظيم بقبيلة، يحدّ من انتشارها تلقائياً، إذ يأنف أبناء العشائر، من الانضواء تحت جناح تنظيم تهيمن عليه عشيرة أخرى، ويتوجهون إلى تنظيم آخر للبروز من خلاله، وماحدث داخل عشائر العقيدات ليس مثالاً وحيداً، ففي الرقة انضمت عشيرة الولدة لجبهة النصرة باكراً، فأحجمت قبيلة العفادلة المنافسة عن الانضمام إليها، حتى ظهرت داعش فأقبلوا عليها بكثافة.
إن أبناء القبائل، يعتقدون هويتهم الدموية الراسخة لا يمكن أن تتأذى من مواقف سياسية، ولم يتورعوا عبر تاريخهم عن التحالف مع السلطات القائمة، بما يخدم مصالحهم، وهم يتهمون لأجل ذلك بالتذبذب، لكن الأمر من وجهة نظرهم لا يعدو كونه شكلاً من أشكال الغنيمة، العمود الاقتصادي للقبليين عبر التاريخ، فالمكاسب التي يحصلون عليها من سلطة ما، لا تلزمهم بشيء، ويستطيعون التنكر لموجباتها فيما لو انقلبت إلى استغلال، أو لاح لهم ماهو أفود منها، والاصطفاف الحالي مع التنظيمات الجهادية، له مبررات مصلحية، ويمكن قلبه فيما لو ظهر حليف قوي لتلك العشائر، يؤمن مصالحها بشكل أفضل، ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن انقلاب عشائر العراق على الجهاديين سنة 2007، أي الصحوات، توقف حين قطع تمويلها الشهري البالغ 200 مليون دولار.
لكن دعماً غير مدروس للعشائر سيؤدي حتماً إلى استقواءها وتضخمها، وربما يدفعها لممارسة الابتزاز السياسي على مبدأ الغنيمة في الإطار الوطني، خاصة في ظل التقدم التقني الذي يسمح بصعود الجماعات المحلية الأهلية الصغرى، ومنها العشائر. كما أن أنظمة دول الجوار العربي، المتكيفة مع القبلية، قد تسعى لاستقطاب عشائر محددة، وجعلها وكلاء سياسيين لها داخل الإطار الوطني.
توصيات:
تحتاج معالجة معضلة هيمنة الحركات الجهادية على المكون القبلي واستخدامه إلى نوعين من السياسات المتناقضة آنياً والمتكاملة على المدى الطويل.
فعلى المدى القريب:
*يجب على الجهات التي المعنية بالحرب على الإرهاب أن تدعم المجتمع القبلي، ليحرز استقلاله، وتمكينه من فك ارتباطه القسري مع الحركات المتشددة، وتقوية اذرعه العسكرية، ودفع أفراد منه إلى الواجهات السياسية، لتمثيل فئتهم الاجتماعية في عملية صنع القرار.
*على هيئات ومؤسسات المعارضة السورية (ائتلاف-مجلس وطني- حكومة مؤقتة- هيئة أركان الجيش الحر) تلافي الإهمال السياسي والاقتصادي والإعلامي والعسكري في منطقة القبائل، وملء فراغ السلطة الذي تقدم فيه الجهاديون هناك.
* لفرض نوع من الاستقرار المجتمعي الأولي في مناطق القبائل، يجب على الجهات السابق ذكرها، أن تستقطب و تدعم النخب التقليدية، وتعيد لها الاعتبار في محيطها الاجتماعي، والتركيز على الزعماء كبار السن، فالعشائرية بنية أبوية تستجيب عمودياً للأكبر سناً، والذين يتمتعون أضافة إلى ذلك بالخبرة في فظ النزاعات المحلية، والقدرة على التواءم مع النظام العام، بخلاف القيادات الشابة، الإشكالية والمندفعة نحو حقل السياسية بطموحات كبيرة لا سند لها سوى عملهم العسكري إبان الثورة.
أما في المدى البعيد:
*فلا بد لأول سلطة ناشئة في سوريا، سواء كانت منتخبة أو سلطة أمر واقع، من المسارعة إلى إصلاح الخلل التنموي في منطقة القبائل، وانتهاج سياسات وطنية فعالة لانتشالها من بيئة الفقر والجهل، الحاضنة للتطرف والعنف.
*وينبغي على مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الناشئة في إطار الدولة الجديدة، أن تكثف نشاطاتها في المجتمعات القبلية، لتنميتها ثقافياً وسياسياً، ومنع تعشيش واستشراء التيارات الدينية المتطرفة داخل شبكات علاقاتها.
* على المؤسسات التشريعية الجديدة، وضع ضوابط وقيود، تمنع ظهور العشائرية السياسية، التي تكرس عزلة هذا المكون وتخلفه عن السياق الوطني العام مجدداً.
خاتمة:
لقد دأبت النزعات السلطوية الشمولية في سورية، سواء منها الدينية أو اليسارية أو القومية، على مهاجمة وتجريم العشائرية، واكتفت بهذا النهج كإستراتيجية للقضاء عليها، لهذا حالفها الفشل دائماً، واليوم تحاول التنظيمات الجهادية فعل الشيء ذاته، الأمر الذي يجعل العشائر في موقف الدفاع الوجودي، ومن موقع العدو الحيوي يمكنها أن تتصدى لهذه التنظيمات بقوة، لكن من الخطأ الجسيم التعامل معها بانتهازية، أو معاودة انتهاج السياسات القديمة ذاتها، والتعامل الصحيح مع العشائرية، يقتضي النظر إليها كظاهرة اجتماعية تكتنف مجموعة من المخاطر التي يمكن تفاديها، ومجموعة من الفرص التي يمكن الاستفادة منها، فالانتماء القبلي هو ثقافة غير خطرة مالم تتحول إلى ولاء تحت أو فوق وطني.