أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » خطار أبو دياب : بوتين والاختراق الإستراتيجي في شرق المتوسط

خطار أبو دياب : بوتين والاختراق الإستراتيجي في شرق المتوسط

انضمت مقاتلات تورنادو البريطانية إلى عمليات القصف فوق الأراضي السورية، وتحت عنوان الحرب على الإرهاب ازداد الازدحام في الأجواء مع ما يرافق ذلك من توتر روسي تركي، وتنسيق روسي إسرائيلي. أما قبالة سوريا فتعلو الأساطيل شرق البحر المتوسط، وهناك يتمركز الأسطول الروسي وتحاذيه حاملة طائرات فرنسية وسفن أطلسية.

وأتى نشر منظومة “إس – 400” الروسية للدفاع الجوي في قاعدة حميميم في سوريا، ليس فقط للرد على تركيا بعد حادث إسقاط القاذفة الروسية، وليس من أجل مواجهة قدرات داعش المعدومة في هذا الاطار، بل من أجل استكمال درع حماية روسية في شمال شرق المتوسط، مماثلة لمنظومة حماية أخرى في البحر الأسود، تسمى في العلم العسكري A2/AD (أي منع الوصول ومنطقة رافضة لوجود آخر) ويندرج في لعبة السيطرة على البحار وهو إنذار يمس النفوذ الأميركي ويشكل منعطفا في مرحلة الاضطراب الإستراتيجي التي تطبع هذه الحقبة من تطور النظام الدولي. وستكون لذلك انعكاساته على إعادة تركيب الشرق الأوسط والتحالفات فيها.

إزاء احتدام اللعبة الكبرى الجديدة للقرن الحادي والعشرين سجلت روسيا نقاطا مع اختراقها الإستراتيجي لشرق المتوسط، والذي يعد تطبيقا لإستراتيجية فلاديمير بوتين الذي لا يسعى بالضرورة إلى إعادة بناء الاتحاد السوفييتي السابق، لكنه يحاول إعادة تأكيد قدرة روسيا على فرض نفوذها خارج حدودها.

منذ نهاية القرن الماضي قرر بوتين العمل على إعادة روسيا إلى المربع العالمي الأول، وكانت البدايات مع الحرب الروسية الجورجية في 2008، وهذا ما برز لاحقا مع سياسة التعطيل حيال الملف السوري منذ 2011، ومن ثم ضم شبه جزيرة القرم في 2014 وفق تصور العودة إلى “عصر الإمبراطوريات”. هذا التعلق بأمجاد الماضي والطموح في رسم معالم الحاضر، دفع بوتين لاعب الجودو والهوكي إلى خوض لعبة شطرنج سياسية تمتد من القوقاز إلى البلطيق وبلاد الشام، وتستهدف مواجهة واشنطن عبر منعها من تهديد الجوار الروسي القريب ومشاكستها على مسارح دولية أخرى.

بالإضافة إلى الدوافع الكلاسيكية في صياغة السياسة السورية لموسكو وتبريرها (سوريا آخر نقطة ارتكاز وآخر حليف في المشرق وأبرز مشتر للأسلحة الروسية) فإن عملية حلف شمال الأطلسي في ليبيا تحت غطاء دولي شكلت حجة لموسكو كي تعمل للحد من تكرار سيناريوهات مماثلة تعزز النفوذ الغربي والأطلسي دون مراعاة المصالح الروسية. وعدا رفض نظرية إسقاط الأنظمة بالقوة واستحضار معجم الكنيسة الأرثوذكسية للكلام عن حماية المسيحيين والأقليات، يبدو أن الهم الروسي الأول اقتصادي ذو صلة بالنفوذ السياسي أكثر منه اهتماما باحترام القانون الدولي التقليدي.

وهذا الحذر الروسي من انعكاسات ما سمي بحركات الربيع العربي يتصل بالنظرة إلى الشرق الأوسط المترابط مع آسيا الوسطى الحديقة الخلفية لما كان يسمى الإمبراطورية الحمراء. وهنا يتلاقى الحنين التاريخي إلى أهمية الوصول إلى المياه الدافئة مع التوجس من انتصار الإسلام السياسي من سوريا إلى شمال القوقاز.

حسب وجهة نظر صناع القرار في موسكو تحتل الساحة السورية موقعا فريدا على خارطة الطموحات الروسية، إذ يتيح المرور عبر الخط الاستراتيجي نحو المتوسط الوصول إلى المحيط الهندي وحماية أمن الخاصرة الجنوبية لروسيا، وهكذا فإن التمركز الروسي منذ سبتمبر 2015 يؤمن مواقع مثالية في مواجهة منظومة حلف شمال الأطلسي.

في مواجهة التردد الأميركي والضعف الأوروبي وتهميش الموقع العربي، تثبت روسيا وجودها في شرق المتوسط الذي سيصبح من مراكز إنتاج الطاقة، ولم تتورع موسكو عن التوغل في سياسة التعطيل وتجميد الموقف في سوريا عبر الفيتو المتكرر في مجلس الأمن رغم المأساة الإنسانية ومخاطر اهتزاز الاستقرار في الإقليم، لأن ذلك عزز تأثير روسيا وأجبر القوة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة الأميركية، على عقد ترتيبات معها أو العودة إلى الثنائية الدولية أقله حيال الأزمة السورية. وحصل ذلك في اتفاق إزالة الأسلحة الكيميائية السورية في سبتمبر 2013.

كان ما يهم بوتين هو حجز نداء الحرية على ضفاف المتوسط. لكن ما حصل في أوكرانيا أظهر أن طموحات العودة إلى العصر الإمبراطوري تصطدم بنداء الحرية الصادر من أعماق الشعوب. بيد أن الانكشاف الإستراتيجي للاتحاد الأوروبي واكتفاء واشنطن بفرض العقوبات، أديا إلى إحراز موسكو مكسبا استراتيجيا مع ضم شبه جزيرة القرم واستعادة السيطرة على المياه الدافئة على البحر الأسود، الأمر الذي كانت تطمح إليه منذ بطرس الأكبر.

في مواجهة قفزات بوتين، كان باراك أوباما يعتقد أن مقياس القوة في حروب الجيل الرابع لن يتم تحديده من خلال السيطرة على الأراضي، وكان يراهن على صفقة العمر مع إيران لتركيب المشهد الشرق الأوسطي الجديد. لكن قيصر روسيا يقوم اليوم بتحطيم أوهام سيد البيت الأبيض حول إيران من خلال حلفه معها على الأرض في سوريا، ومن خلال الوضع الجديد في شرق المتوسط، كما أن إطلاق روسيا لصواريخ كروز من سفن حربية في بحر قزوين لضرب مواقع في سوريا على بعد 900 ميل، يقدم استعراضا مثيرا لقدرات البحرية الروسية المتطورة منذ الحرب الباردة.

لا يمكن مقارنة القدرات الروسية بقدرات حلف شمال الأطلسي، لكن الطرفين سيكتفيان باختبار قوة في المرحلة القادمة، مع الإشارة إلى أن ضم دولة الجبل الأسود الصغيرة إلى الناتو لا تعني الشيء الكبير قياسا للمحاسبة الروسية في السنوات الأخيرة.

على الصعيد الدولي ستنتظر الأمور الرئيس الأميركي القادم لأن أوباما الذاهب لن يبلور أي استراتيجية مواجهة، بل سيتأقلم ويفرمل المد الروسي. أما على الصعيد الإقليمي، فيبدو التخبط سيد الموقف لأن القرار الغربي المتخذ للهجوم ضد أراضي تنظيم داعش في سوريا والعراق والمتصل بمنع روسيا من فرض أجندتها الخاصة، يواجهه سعي روسي لانتهاز المشكل مع تركيا لممارسة الضغط على أردوغان بهدف تحصين مناطق الانتشار الروسي شمال وغرب دمشق.

ومن الملفت أن التنسيق مع إسرائيل يمكن أن يشي بمشروع محتمل لتقسيم سوريا. ففي حال فشل الحسم العسكري وتركيب تسوية على مجمل سوريا تلائم مصالح موسكو وطهران، لا يستبعد أن يرسخ بوتين تواجده في “سوريا المفيدة” التي تؤمن المصالح الروسية على المدى الطويل، وهو لو لا تصدير الإرهاب وتركيز الكل على داعش لم يكن ضمن أولوياته أبدا النيل من أراضي “داعش”.

الصراع مفتوح على كل الاحتمالات وسيكون وقف إطلاق النار في أماكن من سوريا والهدنات هنا أو هناك أفضل ما يمكن أن يحصل في ظل هذا الاحتدام. أما مستقبل طموحات بوتين فيرتبط بوضع روسيا بالذات.

في روسيا حدثت تغييرات كبيرة لن تسمح بتراجع البلاد عن توجهها نحو بناء نظام ديمقراطي يسمح بتوفير الحريات الشخصية التي حرم منها الروس لعقود طويلة. لهذا هناك سؤال مشروع: هل سيقبل الروس طويلا بربط مصيرهم ومصير بلادهم بمشروع بوتين وحلمه القيصري؟ أو هل سيغلبون طموحاتهم في نقل بلادهم إلى عصر التحديث مع الحفاظ على أهمية موقعها بغض النظر عن لعبة السيادة على البر والبحار، والتي لا تشكل إلا حيزا من عناصر القوة في هذا العصر؟