أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » تقلبات واشنطن.. من الأسد إلى تنظيم الدولة

تقلبات واشنطن.. من الأسد إلى تنظيم الدولة

إيمان مهذب

على جبهات القتال في سوريا تتواصل الاشتباكات الدامية، ومعارك الكر والفر بين الفصائل المتناحرة، وعلى جبهات السياسة أيضا تتواصل معارك من نوع آخر، تحسب فيها كل دولة خطواتها، وتراعي بالضرورة متغيرات الأرض، وجديد الوقائع، التي يبدو أنها دفعت الجميع لتركيز جهودهم على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية أولا.

هذه التغيرات عكستها تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس الجمعة بشأن إمكانية تعاون قوات النظام السوري ومقاتلي المعارضة المسلحة لمواجهة تنظيم الدولة، دون حسم مسألة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة.

وخلال الأيام الثلاثة الماضية أخذت تصريحات الإدارة الأميركية منحى جديدا اكتسب ليونة في المواقف حيال موسكو ودمشق.

وقد بدأت هذه التصريحات بالتأكيد على أن روسيا يمكن أن تلعب دورا “بناء جدا” في سوريا، مع الإشادة “بالتزام” موسكو في المحادثات من أجل إنهاء النزاع في هذا البلد.

ثم تلتها الدعوة لتشكيل قوات عربية وسورية لمواجهة تنظيم الدولة في سوريا، مع التأكيد على أن تنفيذ عملية انتقال سياسي من شأنها توحيد جميع الدول والكيانات لمواجهة التنظيم “الآفة” وإلحاق الهزيمة به.

ومن هذه الخلفية بدا مبررا لدى كيري أن يجتمع أعداء الأمس في مواجهة عدوّ واحد، يمثّل الخطر الأكبر على جميع الأطراف.

تبريرات وتناقض

تصريحات كيري وإن بدت مفهومة لدى البعض بحكم التدخل الروسي في سوريا وغير مناقضة لسياق التطورات بعد سلسة من الهجمات التي تبناها تنظيم الدولة، فإن آخرين يعتبرونها دليلا على تذبذب الموقف الأميركي حيال الأزمة السورية، و”خذلانا” واضحا للمعارضة السورية.

كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ديفد بولاك استبعد في تصريحات للجزيرة وجود أي تحوّل في الموقف الأميركي تجاه الأزمة السورية، بل اعتبر أن الحديث يجري دائما عن مرحلة انتقالية يستمر فيها الأسد، أما رحيله فليس واضحا.

وبحسب بولاك فإن هجمات تنظيم الدولة التي شملت الطائرة الروسية في سيناء والعاصمة الفرنسية باريس وأخيرا ولاية كاليفورنيا الأميركية قلبت الموازين، لتصبح محاربة التنظيم الأولوية في سوريا، وليس رحيل الأسد.

ولا يبدو من تصريحات كيري أي استبعاد للأسد في المرحلة المقبلة، فالولايات المتحدة التي لطالما كررت أن شرعية الأسد تآكلت وأنه لا يمكن له أن يستعيدها في بلد أغلبيته العظمى تُكنّ له الكراهية، وأن مستقبل سوريا من دونه أفضل، غيّرت على الأرجح موقفها بناء على تغير قواعد اللعبة.

لعبة وقواعد

لعبة لا تدور المواجهة فيها بين واشنطن ودمشق فقط، بل لموسكو وطهران دور كبير فيها أيضا.

رئيس قسم الشرق الأوسط في جامعة لندن فواز جرجس ذكر أن التدخل الروسي ألغى إسقاط النظام السوري، موضحا أن أميركا وحلفاءها لا يرغبون في مواجهة مع روسيا.

وأكد جرجس في تصريحات للجزيرة أن البعبع الذي تصاغ على أساسه الرؤى هو تنظيم الدولة، ولذلك جرى تحوّلٌ مفاده أن الجيش السوري يمكن أن يلعب دورا في الحرب.

أما أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنس في واشنطن إدوارد جوزيف فرأى أن تصريحات كيري تأتي في سياق تخفيف وطأة السؤال عن مصير الأسد إزاء إصرار المعارضة على رحيله وتمسك روسيا وإيران به.

كيري الذي أكد على ضرورة “تسريع المساعي الدبلوماسية لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية”، خاصة في ظل تأييد روسيا وإيران والسعودية ودول أخرى لفكرة الحل السياسي، أقر بأنه من الصعب جدا تأمين هذا التعاون دون وجود بعض الدلائل على أن هناك حلا في الأفق بشأن مستقبل الأسد.

مستقبل لا يزال ضبابيا في ذهن المسؤول الأميركي الواقع في شراك الأزمة السورية، فمن جهة لا يدرك كيري هل سيتعيّن على الأسد أن يرحل، ومن جهة أخرى فإنه من الواضح لديه أن المعارضة لن تتعاون دون وجود أي مؤشر أو شعور باليقين بأن حلا يلوح في الأفق.

أمنيات وخذلان

وفي نظر متابعين للشأن السوري فإن جمع مقاتلي المعارضة والنظام في صف واحد لمواجهة تنظيم الدولة، أمنية بعيدة عن الواقع، وهو ما رآه بولاك، الذي أكد أنه يستحيل تحقيق هذا التعاون.

من جهته قال دبلوماسي أميركي لوكالة الصحافة الفرنسية إن تصريحات كيري تتحدث عن أمور افتراضية، موضحا أن الأمر مرتهن بتحقيق عملية انتقالية سياسية مدعومة من الشعب السوري ومن المعارضة.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أي موقف رسمي من دمشق بشأن الموقف الأميركي الجديد حيال الأسد، وسبل محاربة تنظيم الدولة، فإن رئيس المجلس الوطني وعضو الائتلاف السوري المعارض جورج صبرة أكد أن تصريحات كيري المتعلقة بالتعاون بين المعارضة وقوات النظام “مؤسفة للغاية”، كما اعتبر أنها دليل على عدم وجود إستراتيجية أميركية حقيقية في الحرب على الإرهاب، وفق قوله.

أما الباحث في العلاقات الدولية حمدان الشهري فقال في حديث للجزيرة إن خذلان واشنطن للمعارضة السورية ليس جديدا على الولايات المتحدة التي لها سوابق في ذلك.

وبين تغيرات مسارات الأزمة السورية، تبقى الدول الكبرى مالكة لزمام تحويل إستراتيجيتها وفقا لمصالحها، ووفق تصوراتها المتغيرة بشأن إيجاد مخرج للأزمة، وهذا المخرج عموما هو ما يبقى بعيدا عن المدنيين خاصة، فالخيارات أمامهم تضيق وتضيق رغم أنهم الضحية الأولى، فقد صاروا أشبه بالعشب الذي تدوسه أقدام الأفيال المتعاركة.

المصدر: الجزيرة نت