أخبار عاجلة
الرئيسية » صور مختارة » “سوريا الصغرى” في قلب منهاتن / صور

“سوريا الصغرى” في قلب منهاتن / صور

رجل بعباءةٍ بيضاء وطربوش أحمر يصبّ العصير من إبريق نحاسي كبير يحمله على ظهره. حلونجيٌ يقطّع صينية من البقلاوة، يبدو وكأنّه أخرجها للتو من الفرن، رجل يدخّن النرجيلة على ناصية الطريق… تلك المشاهد المخلّدة في مجموعة من الصور القديمة بالأسود والأبيض ليست لقطات عابرة للحياة اليومية في مدينة عربية، بل هي مشاهد مأخوذة من قلب نيويورك في أوائل القرن العشرين حين كان العرب كغيرهم من المهاجرين هناك يمارسون حياتهم الإجتماعية والثقافية بحرّية.
لتسليط الضوء على أوائل المهاجرين العرب في نيويورك، يُقام حالياً معرض صور ومواد أرشيفية في هيئة السجلّات وخدمات المعلومات في المدينة ويستمر لغاية سبتمبر/أيلول تحت عنوان: سوريا الصغرى، نيويورك: حياة وتراث جالية مهاجرة”. ويهدف المعرض إلى إعادة إحياء ذاك الحيّ العربي في الأذهان والذي اختفى ذهب الى الزوال بعد النصف الثاني من القرن الماضي، بسبب الفورة العمرانية والتخطيط المدني الجديد الذي غيّر معالم هذا الجزء من جزيرة مانهاتن بشكل دراماتيكي.
99 100

قصّة الحي الذي كان يعرف بـ”سوريا الصغرى”، بدأت في أواخر القرن التاسع عشر عندما بدأ المهاجرون العرب يتدفقون من سوريا ولبنان وفلسطين في فترة “الهجرات الكبرى” تلك نحو العالم الجديد. وقد استقرّ معظمهم في قسم من شارع واشنطن، أسفل الجهة الغربية من منهاتن. وكان الشارع حينها يضجّ بمظاهر الحياة الشامية، فكان مليئاً بمقاهي الناراجيل ومحال الحلويات العربية وبازارات السجّاد المصنوع يدوياً والفوانيس النحاسيّة. وأحد الأسباب الأساسية أنّ الحيّ بات منسياً اليوم هو أنّ معظم مبانيه هدمت لبناء نفق بروكلين في بداية أربعينيات القرن العشرين، بالإضافة إلى التغيّرات الإجتماعية والإقتصادية الكبرى التي حوّلت المنطقة من أحياء سكنيّة مقتظة بالمهاجرين الفقراء لتصبح معقلاً للمصارف والمؤسسات المالية. من المفارقات الغريبة أنّ أبراج مركز التجارة العالمي كانت قد أقيمت على أنقاض ذاك الحيّ العربي. وقد أثار مشروع بناء مركز إجتماعي إسلامي في السنوات الأخيرة ضجّة ونقاشات حادّة، إذ اعتبر البعض أنّ تشييد المركز بالقرب من الأبراج التي هوت بسبب إعتداءات 11أيلول، هو إهانة لأرواح الذين قضوا “على أيدي مسلمين”. أمّا بعض المدافعين عن المشروع، فقد ذكّروا بأن الحي كانت له في يومٍ من الأيام، صبغة عربية واضحة “تتمازج فيه أصوات أمهات تنهر أولادهن بالعربية بموسيقى الجاز”، كما وصفه أحدّ سكّان الحيّ القدامى. وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، نيويورك هي كقطعة البقلاوة تحتوي على طبقات عديدة جداً بحيث أن أحداً لا يستطيع أنّ يقول إنّها تنتمي حصرياً لثقافة واحدة.

102

يجب التنويه بأنّ الغالبية الساحقة من سكان “سوريا الصغرى” كانوا من مسيحيي لبنان وسوريا، جاءوا أثناء الحكم العثماني هرباً من الإضطهاد والفقر والمجاعات ملبّين نداءات البعثات المسيحيّة في الولايات المتّحدة. وكان الحيّ يضم عدداً من الكنائس المارونية وغيرها.

‫”سوريا الصغرى” كانت أيضاً مساحةً لازدهار الثقافة العربية في المهجر. إثنان من روّاد الرابطة القلمية، التي ضمّت أهمّ المفكرين والكتّاب العرب في أميركا، وهما جبران خليل جبران وأمين الريحاني، كانا يقطنان ذاك الحيّ. ومن شارع واشنطن، كانت تصدر عشرات الصحف العربية ومنها صحيفة “الهدى”، والتي كانت تُطبع بآلات استُحدثت هناك خصيصاً للطباعة بالأحرف العربية.

يصعب اليوم تخيّل ما كانت عليه “سوريا الصغرى” في يوم من الأيام، إذ لم يتبقّ من الحي سوى مبنيَين وكنيسة صغيرة. وتحاول مجموعة من النشطاء الإبقاء على ذكرى الفترة العربية للحيّ، لعلّ التذكير بتاريخ العرب في المدينة وإعادة طبعه في الذاكرة الجماعية، يخفّف من الإنطباع السلبي حول العرب في أميركا بشكل عام اليوم.

في مقال صدر العام 1899، وصف صحافيٌ، الحي السوري، بأنّ سكّانه متمسكون جدّاً بتقاليدهم ولباسهم وطريقة تفكيرهم، ما يجعلهم مختلفين عن “المواطنين الأميركيين العاديين”. وذكر بأنّ الحيّ يحوي “عدداً من الفتيات رائعات الجمال”.

al modon