أخبار عاجلة
الرئيسية » منوعات » سبيطلة بمحافظة القصرين غربي تونس : من هنا مرّ الرومان
مدينة سبيطلة التونسية

سبيطلة بمحافظة القصرين غربي تونس : من هنا مرّ الرومان

 

 

«كانت من أحسن البلاد منظرًا وأكبرها قطرًا وأكثرها مياهًا وأعدلها هواءً وأطيبها ثراءً».. بهذه الكلمات وصف الجغرافي، أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي الهاشمي القرشي، المعروف بـ «الإدريسي» (عالم مسلم وأحد كبار الجغرافيين في التاريخ ومن مؤسسي علم الجغرافيا عاش بين سنة 1099 و1160 م) قبل حوالي 900 عام، في مدينة سبيطلة الواقعة بمحافظة القصرين غربي تونس.

وتختلف المصادر التاريخية في أصل تسمية المدينة، ولعل أكثر المصادر انتشاراً، ذاك الذّي يقر بأن التسمية تجمع بين كلمتين أمازيغيتين (بربرية) sufes وthala وتعني منبع (أو نبع) والوادي بالفرنسية (vallée et source).

وشُيِّدت المدينة على حافة وادٍ بالقرب من نبع ماء، كما يعتبر المؤرخ الفرنسي نوال ديفال الذي اهتم بالموقع الأثري لسبيطلة في أحد مقالاته إنه «أحد المواقع الستة المميزة والأكثر زيارة في تونس». ويعتبر ديفال بأن المدينة شهدت ازدهارًا يمتد إلى حدود القرن السابع الميلادي، ومثلت نقطة وصل بين مدن الوسط والجنوب في العهد الروماني، ومركزًا لازدهار زراعة الزيتون.

ويُقرّ ديفال أن موقع المدينة شهد أيضاً، اهتمامًا منذ أواخر القرن التاسع عشر مع أولى البعثات الاستكشافيّة الغربية المهتمّة بالتاريخ الروماني وتواصل التنقيب في المكان، خلال الاستعمار الفرنسي، ويكشف في بحثه عن إحدى القطع الأثريّة المستخرجة من موقع سبيطلة ومعروضة في متحف مدينة ميلّو بفرنسا.

وعن هذا الموضوع يتحدث حمد غضباني، محافظ المعهد الوطني للتراث بسبيطلة (حكومي ويشرف على المواقع الأثرية المدرجة في ولاية القصرين) قائلاً: «تأسّست المدينة التي في الأصل اسمها سوفيتولا (البعض يكتبها سفيطلة) في نهاية القرن الأول الميلادي وارتقت في السّلم الإداري للمدن الرومانية من بلديّة إلى مستوطنة».

وشهدت سبيطلة ازدهارًا كبيرًا خاصّة منذ بداية القرن الثالث الميلادي، بفضل وفرة المياه وموقعها الاستراتيجي ضمن شبكة الطرقات الرومانيّة بالإضافة إلى تطوّر النشاط الفلاحي وخاصّة زراعة الزيتون، بحسب غضباني. وتابع: «في منتصف القرن السابع الميلادي اختارها جرجير، الحاكم البيزنطي مقرًّا لحكمه بدلًا لقرطاج بعد تمرّده على امبراطور القسطنطينية (عاصمة البيزنطيين) إلى غاية الفتح العربي».

ووفقًا للمعطيات التاريخية، فإن الحياة تواصلت في سبيطلة لغاية القرن الحادي عشر الميلادي، لكن المدينة التي شهدت تعاقبًا لحضارات متتالية يبقى شاهدًا عليها الموقع الأثري الذي بنيت على جانبه المدينة الحديثة، موقعًا يمثل شاهدًا على ما بلغته المدينة قديمًا وخاصة خلال العهد الروماني من ازدهار.

ويشير غضباني إلى أن «تهيئة الموقع الأثري انطلقت منذ بداية تسعينات القرن الماضي وهو الموقع الأثري الوحيد المهيّأ بمحافظة القصرين ضمن عشرات المواقع الأثريّة الكبرى الموجودة بالمحافظة، وتمت تهيئة حوالي 30 هكتارًا من مساحة المدينة المثبتة في الأبحاث التاريخيّة المقدرة بـ 50 هكتار». ويرى المسؤول نفسه أن «أهمّية الموقع تكمن في احتوائه على عدّة معالم قائمة لعلّ أكثرها شهرة، ساحة الفوروم (ساحة عموميّة تتوسط المدن الرومانيّة وتخصص للاجتماعات) يزينها قوس كبير ومعبّدة بالحجارة، والمعابد الثلاثة المنفتحة عليها المعروفة باسم الكابيتول (معبد الديانة الرومانية الرسمية قبل المسيحيّة) وبقايا كنائس بيزنطية تعود للعهد البيزنطي ومسرح دائريؤ (لم تكتمل عملية التنقيب وكشفه)».

ويضم الموقع، آثار المنازل القديمة والحمامات الرومانية وبقايا آثار معاصر الزيت وبعض الأرضيات والأحواض المفروشة والمزيّنة بلوحات من الفسيفساء وهو ما يدلّ على ازدهار فن الفسيفساء (لوحة الفسيفساء تتألف من انتظام عدد كبير من القطع الصغيرة الملوّنة تكون في مجملها صورة تمثل مشهدًا من الحياة اليوميّة أو الدينيّة).

وتمثل معالم مدينة سبيطلة نموذجًا لمعالم المدن الرومانيّة خاصة أنّ بعضها لا يزال قائمًا لكن الموقع لا يبدو في أحسن حالاته ويتطلب تدخلًا للعناية به، حيث يعاني من نقص حادّ في الإمكانيات المادّية المتوفرة للعناية به على مستوى التنظيف والترميم.

وقد شهد عدّة تعدّيات في السنوات الأخيرة تراوحت بين الحفر العشوائي وتكسير بعض اللوحات الوصفية وتخريب بعض معالمه.

وتتطلب الآثار بحسب غضباني، العناية بها حماية لتاريخ البلاد، لكن قد لا يرى فيها البعض إلا حجرًا لا قيمة له، وهو ما يستوجب إمكانيات يتم استغلالها في عملية التنمية، لذلك تنشط عديد الجمعيات لدفع السلطات إلى الاهتمام بشكل أكبر في هذه المواقع والمعالم لتكون حافزًا للتنمية الاقتصادية.

وبحسب مراسل الأناضول، تقتصر زيارة المعالم الأثرية بالمنطقة اليوم، على بعض الرحلات التي تنظّمها المؤسسات التربويّة لفائدة التلاميذ أو بعض الجمعيات، على الرغم من وجود زوار لموقع سبيطلة من الأجانب خاصة من شرق آسيا وفرنسا.

(الأناضول)

 

القصرين (تونس) – من المنجي بن محمد: