أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » المحامي فوزي مهنا: الأقليات والأكثرية من المسئول عن أكل الحصرم السوري؟

المحامي فوزي مهنا: الأقليات والأكثرية من المسئول عن أكل الحصرم السوري؟

الأقليات والأكثرية! من المسئول عن أكل الحصرم السوري؟
رغم أن مصطلح (أقليات أو أكثرية) استفزازي بحد ذاته لصلته المباشرة بالدور الذي لعبه الغرب ولا زال يلعب عليه بحجة “حماية الأقليات” كسلاح فعّال للتدخل في شؤون هذه المنطقة بهدف تمزيقها؛ بداية في ظل المحتل العثماني بالقرن التاسع عشر، ثم لاحقا مع موجة استعماره لها مع بدايات القرن العشرين، لكنه مع ذلك استقر هذا المصطلح في الذهنية الطائفية اللبنانية لينطلق بعدها باتجاه العراق من ثم سورية وهكذا، ليأخذ مكانه في العقل الجمعي العربي.
لقد كَتَب كثيرون عن دور أقليات المجتمع السوري في إخفاق الثورة السورية، وعدم تحقيق أهدافها بالإطاحة بنظام الاستبداد وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، والواقع الذي غفل عنه هؤلاء بقصد أو غير قصد هو أن تخلي الأكثرية عن دورها الوطني قبل مجيء حكم العسكر كان بحد ذاته السبب الأساس الذي أوصل سورية لما هي عليه اليوم من حال.
إذ قبل أن نكيل الاتهامات جزافا باتجاه هذه الجهة أم تلك، علينا البحث عن الأسباب والجذور، وفي مقدمتها بالطبع تحول سورية لدولة عسكرية بوليسية بامتياز، فمن المعلوم أن قوانين التاريخ لا يمكن تبديلها بين يوم وآخر، وبالتالي فإن سوريا لم تتحول لقبضة حديدية عسكرية مرعبة بين ليلة وضحاها، بعد أن شهدت حياة مدنية وبرلمانية وسياسية متميزة أيام الطفرة الصناعية في فترة الخمسينيات.
وبما أن الاقتصاد هو عجل السياسة، نتساءل بعجب! كيف لم تدافع هذه الأكثرية من الاقتصاديين والسياسيين والأعيان في كل من المدن الرئيسية كدمشق وحلب وحمص وحماه عن حجمها وحقها الذي تتباكى عليه اليوم؟ عندما قدمت إلى دمشق ثلة قليلة من العسكريين القرويين المغمورين والمغموسين حتى رؤوسهم في الطائفية الضيقة والعشائرية والبدوية، لينتزعوا منها ومن بقية أطياف الشعب السوري زمام السلطة والتفرد بالقرار!.
قد يقول قائل أن تخلي الأكثرية عن ذلك الدور المنوط بها، إنما يعبِّر عن ارتقاء الحس الوطني لديها تجاوزت من خلاله الأكثرية السجال الطائفي، ومبدأ المحاصصة القائم عليه، وبأنها هي التي يجب أن تحكم، وعلى غيرها من بقية المكونات المجتمعية السورية أن يقبلوا الجلوس في المقاعد الخلفية، وهذه ربما تحسب لصالح الأكثرية، لكن بالمقابل كان هناك عدة رسائل ومعطيات تنذر بالمخاطر القادمة التي من شأنها تهديد المصلحة الوطنية العليا، وقد تبلغتها الأكثرية بكل تأكيد، لكنها وقفت صامتة، وكأن شيئا ما لم بحدث.
إن حقائق التاريخ لا يمكن أن تُنسى، ففي فترة الستينات قام أولئك العسكريون أو بعضهم على سبيل المثال لا الحصر، بتسريح أعداد كبيرة من ضباط الأكثرية، مستبدلين بهم قرويون ورعويون وطائفيون على شاكلتهم، دون أن تتوفر لديهم أية خبرات عسكرية، مما قاد لفاجعة حزيران 1967، وكان ذلك مثل العسل على قلوب الأكثرية.
نصل إلى أن الواقع الذي لا يمكن نكرانه هو أن الأكثرية وفقا للمصطلح اللبناني الشائع لم تقم بواجباتها التي تفرضها عليها المصلحة الوطنية العليا، وإنما صمتت بل تخاذلت عندما قامت بتسليم رقابها ورقاب الشعب السوري لهذه الثلة القروية المستبدة، وبالتالي فالحصرم الذي يضرس منه الشعب السوري اليوم كان نتيجة حتمية لتخاذل تلك الأكثرية، والتخاذل الذي نعنيه لم يكن بأي حال تخليها عن حقها كأكثرية في الحكم والسلطة، وإنما في تخليها عن دورها الوطني المشار إليه، الذي كان من شأنه كبح جماح هذه الثلة في التفرد بالسلطة والقرار تمهيدا لقيام الدولة البوليسية ومصادرة الدولة.
ثم لماذا نحن العرب نجد أنفسنا دوما بالمقلوب؟ لقد قاد الجنرال ديغول معركة تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، فكان انتصار الأمة الفرنسية العظيم، لكن ذلك لم يمنحه شرعية قيادة الدولة الفرنسية صبيحة رحيل الألمان ولا إعطائه صك الملكية، بل كان عليه أن ينتظر الحصول على تفويض من الشعب بعد عقد من الزمان، رجال صنعوا التاريخ بدوره “ونستون تشرشل” من أعظم القادة في التاريخ كانت خطاباته مصدر إلهام جميع البريطانيين قاد بلاده وتحت ضربات الطيران الهتلري إلى النصر، لكن رغم ذلك ما أن أمضى سنواته الخمس في قيادة الأمة حتى سقط في الانتخابات البرلمانية، لأن الرجل الذي قاد الحرب لا يمكن له قيادة عملية السلام في البلاد وفقا لما أجمع عليه البريطانيون.

المصدر: منشور في رأي اليوم



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع