أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » سوسن جميل حسن : فيروس “التمرذل” والحرب السورية

سوسن جميل حسن : فيروس “التمرذل” والحرب السورية

ابتدع الإعلامي يسري فودة، في مقالته “كيف تُحوِّل فيسبوك إلى دائرة مغلقة.. بكتيبتين”، كلمة عربية سليمة كثيفة الدلالة لمفهوم يدلّ على عملياتٍ تجري في الواقع، بنى عليها المنشغلون بها أنظمةً افتراضيةً مسخرين وسائط الميديا الاجتماعية، خصوصاً “فيسبوك”. من الواضح أن الغاية منها هي التأثير في وعي الناس، والعمل على صياغة رأي عام، يخدم أصحاب المشتغلين بهذه البرامج أو الأنظمة التواصلية التي يطلق عليها باللغة الإنكليزية Trolling. لم تستطع لغتنا استيعاب هذا المصطلح، على ثرائها، كما يقول فودة، وهو يعني، بحسب القواميس الإنكليزية، “الصيد عن طريق تتبع خيط ينتهي بطُعم خلف قارب صيد”، وهو يتناول الظاهرة كما تجري بصورةٍ مدروسةٍ وممنهجةٍ، تهدف إلى إفساد المجال العام، وتشويه الصورة وإرهاب الناس.

“التمرذل” هي المفردة العربية التي أطلقها يسري فودة على هذا النشاط، باعتباره يندرج تحت مفهوم الفعل الخسيس من الناحية الأخلاقية، فهو مبنيٌّ على الكذب أولاً، الكذب بهوية الأشخاص الموكلة إليهم مثل هذه الأدوار، ثم الكذب في بث الأخبار أو الشائعات وفبركتها، لتخدم هدفاً محدّداً يُراد منه، في الدرجة الأولى، حرف انتباه الشريحة المستهدفة عن قضية معينةٍ، ودفعه باتجاه نسق محدّد من التفكير.

فإذا كان، في الوقت الحالي، عصر العالم الافتراضي والشبكة الذكية، مئات من الموظفين يعملون على مدار الساعة. مهمتهم: إغراق المنتديات الإلكترونية والمواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي بمئات الآلاف من التعليقات والمنتجات المفبركة التي تمتدح الرئيس، وتشتم خصومه ومنتقديه، وتفسد المناقشات الجادة وتجرح المؤدبين، كما جاء في المقالة عن هذه الظاهرة، فإنها ليست ظاهرة جديدة، بل قديمة بقدم الاحتكارات والسيطرة والنزعة التسلطية، إنما الجديد المبتكر هو تطويع اللغة، لترسيخ مفهومٍ ربما يُدرج مع الزمن في مقدمات الدراسات الاجتماعية والسياسية والنفسية، ويصبح مصطلح “التمرذل” من المصطلحات التي تدخل القواميس المتخصصة من هذا النوع.

الرأي العام قضية لها وزنها وحجمها، وهي هدف للقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية حتى، فالرأي العام بما أنه، في أبسط تعريف، هو تكوين فكرةٍ ما أو حكمٍ ما حول قضيةٍ معينة، أو رأي أو إجراء أو قرار أو معتقد أو… حتى شخصية ما، لدى مجموعة بشريةٍ أو شعب أو أمة، فإن هذا الرأي أو الموقف يدفع المستفيدين، أو الساعين إلى تحقيق هدفٍ ما، يدفع بهم إلى محاولة التأثير في تكوين هذا الرأي وصياغته.

ولصياغة رأي عام، أو تشكيله، بشكل يخدم فيه مصالح القوى المسيطرة وأهدافها، فإن هذه القوى تعمل أيضاً على تشكيل الاتجاه العام للمجموع، أو الشريحة المستهدفة، الذي يعكس دافعاً واستعداداً لدى معظم أفراد الجماعة، أو الشريحة، لتبني وجهة نظر تجاه موقفٍ لم يتحدّد بعد، وللاتجاه تأثير على استجابة الفرد حول جميع المواقف والموضوعات التي تستثير هذه الاستجابة، وهو يدفعها نحو الهدف المطلوب… إذن، الاتجاه هو استعداد نفسي لاستجابةٍ سلوكيةٍ معينةٍ تجاه موقف معين لم يتحدّد بعد.

وبمتابعة الحالة السورية، ليس، منذ خمس سنوات ونصف السنة، أي مع بدء انطلاق الانتفاضة الشعبية، بل منذ عدة عقود، سوف يرى أن هناك اتجاهاً عاماً، كان مدفوعا بصمت إلى التكون والنضج، ليصير الاشتغال، بموجبه، على صياغة رأي عام، انقسم وفق معيار واحد أعظمي، فقسم الشعب السوري إلى فريقين، هو المعيار الطائفي الذي نسّق كل أسباب التمرد والثورة التي كانت نتيجةً طبيعيةً وحتميةً عقوداً من التهميش والظلم والكبت واستلاب الحريات، مارستها الأنظمة القمعية مجتمعةً على الشعب، من سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية، وحتى ثقافية ومعرفية. ما تم ترسيخه، في العقود الماضية، هو اتجاه عام نحو تبني العقائد الدينية والطائفية التي كانت مستبطنةً حالةً وهميةً خادعةً، فرضت بالسيطرة والقوة والقمع، تنادي بالقومية والعلمانية والتحرّر والوطنية والجنوح إلى التطوير والتحديث، بينما، في الواقع، كانت الأصولية الدينية والعصبية الطائفية والمذهبية والقومية هي التي تستعر تحت هذا القناع المخادع المهلهل.

هذا الاشتغال من أجل تكريس الطغيان وترسيخه، خلال عقود، لم يكن إلاّ واحدةً من حالات التمرذل التي ابتكر مفردتها يسري فوده، وما زال التمرذل يتقدّم ويتطور، وتتسع دوائره، تماشياً مع تطور الحرب السورية، وازدياد حريقها، مثلما لو أن الشعب السوري لم يبق لديه ما يوحّده غير هذا النهج من إدارة الحرب والحياة في أتونها. التمرذل عالي الوتيرة وفائق الخسّة. زاد في ازدهاره واقع اللحظة الراهنة، وما تقدمه من وسائل التواصل والتأثير والتأثر، وما تمنح للأفراد على مستوى البشرية كلها من مساحةٍ من الحرية اللامشروطة، يمارسون من خلالها تمرذلهم الشخصي والمؤسساتي بحق الشعب المنتهك والمستباح.

لم يوفر الفرقاء، أو أطراف الصراع على السلطة في سورية، أي وسيلةٍ لممارسة هذا التطاول، والانتهاك لوجدان الشعب ونفسه، إلا ومارسوها، ما زاد من إضرام النار في الميدان وفي الصدور، ولن تكون صورة الطفل عمران الذي أنقذ من تحت دمار القصف على أحد أحياء حلب الشرقية آخر ما سيستخدم أداة تمرذلٍ بحق الشعب، وبحق الطفولة أيضاً. صورة لو تركت وحدها نقيةً حرةً من أي تعليق كانت ستحكي ما تعجز اللغات والألسن عنه، مثلما لو تركت صورة الطفل إيلان الهامد على شاطئ الموت، هرباً من الموت السوري على أرض سورية. صورة عمران المعفّر بالتراب الصامت الذاهل الذي يمد يده إلى وجهه، ليمسح رطوبته،
فتصدمه لزوجة الدم، يحتار بأمره فيمسح يده بالمقعد الجالس عليه، هذه الصورة التي تصلح لأن تعتقل لحظة زاخرة المعنى، أبدية عن الحرب السورية، انتهكها التمرذل والمساومة في بازار السياسة والإعلام. لصقوها رمزاً لإيصال رسالةٍ إلى العالم، وإلى الضمير العالمي والعربي، بصورة مشهدٍ في أحد القمم العربية مكان مقعد الجمهورية العربية السورية وبجانبها علم الثورة. استخدموا الأدوات نفسها، الرموز نفسها التي ثار الشعب ضدها، فحصدت حناجره مناجل الطغيان السابق، والطامح بأن يكون البديل. اعتمدوا قواعد إعلام الحرب للورد بونسومبي التي تقول بنشر أخبار الفظائع، والتقدم نحو الأهداف الاقتصادية والسياسية تحت غطاء المحرّضات الإنسانية، بل وأضافوا عليها.

لو تركت الصورة بلا تمرذل، كم كانت ستوفر من دفع بالشعب السوري بعضه تجاه بعض، لو تركت الصورة بلا تعليق بكلماتٍ تغتال إنسانيتها الطاهرة المجروحة، كم كانت ستدوّي بصمتها في النفوس السورية، فالطفولة السورية منتهكةٌ في كل المناطق. ولدى كل الشرائح والجماعات، الطفولة السورية تقتل ببراميل السماء وصواريخ الأرض، وسكاكين الذبح الحلال. كان مشهد الفيديو القصير الزاخر لعمران يكفي أن يعرض بصمت إجلالاً لبهائه في ذهوله الكبير. لكنه التمرذل، يا صديقي، عانينا منه سنواتٍ طويلة، وما زلنا نعاني بقسوة أكثر، بعدما ازدادت خسّته، وفاقت كل تصوّر، وكنا غافلين عنه، فأتيت ووضعت إصبعك فوق جرحنا، وقلت: اصحوا، أنتم في مرمى فيروس يُدعى التمرذل، اتبعوا أساليب الوقاية حتى تصحّوا.

المصدر: العربي الجديد – سوسن جميل حسن