أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » أنا ما كنت جبانا، ولكني صرت / عن قصة (الفلقة) بتصرف. / حمدي مصطفى

أنا ما كنت جبانا، ولكني صرت / عن قصة (الفلقة) بتصرف. / حمدي مصطفى

أنا ما كنت جبانا، ولكني صرت

حدث هذا منذ أكثر من ثلاثين سنة، عندما كنت في الصف الخامس، يومها اتفق خمسة وعشرون طالبا، أنا واحد منهم، على شراء كرة قدم للصف، كان ثمن الكرة خمسا وعشرين ليرة، جمعنا المبلغ واشترينا الكرة، وشاء القدر أن نفقد تلك الكرة في أول مباراة نلعبها، كان زميلنا رجب يضرب ضربة ركنية لفريقنا، وبدلا من أن يرسل الكرة إلى المرمى أرسلها إلى الصف الرابع عند أستاذنا عبد الكافي، خرج الأستاذ غاضبا متوعدا، فهربنا، ولم نجرؤ على طلب إعادة الكرة حتى آخر الدوام عله يكون قد هدأ، توجهت إليه معتذرا وسائلا إياه الكرة، ولكنه قال لي: إنه كشم (مزق) الكرة ورماها. عدت أدراجي خائبا، وأخبرت صحبي بالقصة فاتهموه بالكذب، وانقضى الأمر بالسب والشتم تارة على رجب الذي رمى الكرة وتارة على جميل الذي أفلت الكرة، وتارات كثيرة على الأستاذ عبد الكافي نفسه.

في اليوم التالي همس رجب للرفاق، وقد ادعى أنه رأى ابن الأستاذ عبد الكافي يلعب بالكرة ذاتها في الحي، وأقسم أن الكرة هي ذاتها التي قال الأستاذ إنه كشمها، فغمرنا أمل كبير بأننا سنستعيد الكرة، ورأينا أن نعيد الطلب على الأستاذ عله يكون قد غير موقفه.

قال صالح: لا ينبغي لنا أن نقدم على أية خطوة، قبل أن نتأكد من أن الكرة هي ذاتها، لئلا نكون من النادمين، عقدنا العزم على التأكد من الأمر، فذهبنا ننتظر في حارة الأستاذ حتى خرج ابن الأستاذ، وأخرج معه الكرة، تأملناها جيدا، وتفحصناها فإذا هي هي، أشار رجب بأن نسرق الكرة من الصبي، كما فعل أبوه بنا من قبل، ولكني عارضت الفكرة، وقلت له كلمة أحفظها: لا ينبغي تصحيح الخطأ بالخطأ، وحذرت الصحاب من نتائج هذا الفعل في العاجلة وفي الآجلة، فاقتنع الرفاق، وطالبوني بالرأي، فقلت: الرأي أن نأتي البيوت من أبوابها، نطرق الباب، ونستدعي الأستاذ، ونطلب منه إعادة الكرة.

رضي الجميع، ورشحوني لهذه المهمة كوني أكثرهم جرأة، كما زعموا، اتجهت إلى الباب، وطرقته بقوة الحق، ففتح الأستاذ لي الباب، قائلا: نعم. كانت كلمة (نعم) جافة بما يكفي لتجعلني أبلع ريقي، فقلت له: أستاذ، الكرة التي قلت لنا إنك كشمتها، هي ذي عند ابنك، فأعطنا إياها، لو سمحت. امتقع وجه الرجل فجأة، وقال: قلت لي إنك تريد الكرة، حسنا، سأعطيكم الكرة، ولكن ليس الآن، وإنما غدا في الصف، اغربوا عن وجهي الآن.

رجعنا إلى البيوت، وكأن الكرة معنا، وأخذنا نتحدث عن مكان وزمان مباراة الغد. في اليوم التالي، وقبل دخول الأستاذ عبد الكافي إلى الصف، كنت أسجل أسماء المشاغبين على السبورة، كوني عريف الصف وقتها، دخل الأستاذ، ولم تكن الكرة معه كما كنا ننتظر، وإنما كان يحمل عصا ما رأى مثلها طالب من قبل قط، قال لي هادرا: ما هذه الأسماء على اللوح؟ قلت: المشاغبون، وهممت بالدخول إلى مقعدي، فأشار إلي أن الزم مكانك، وقال للمسجلة أسماؤهم: تعالوا، فجاؤوا، فانهال عليهم ضربا باليمين، وكلما انتهى نصيب أحدهم عاد إلى مقعده راكعا، ويداه بين فخذيه من شدة الألم، ولما انتهى منهم قال لي: أنت، ضع الكرسي وسط الصف واخلع نعليك، واجلس، لم يكن لأي أداة نفي من سبيل إلى فمي، امتثلت أمره، خلعت نعلي، وجثيت منقلبا على الكرسي، كانت تلك أول وآخر فلقة في حياتي، وبدأ الضرب الشديد على قدمي، والأستاذ يسأل: أين الكرة؟ أجبني. هل هي عندي؟ وكلما قلت نعم، ازداد الضرب واشتد، حتى قلت: لا، يا أستاذ، ليست عندك؛ فأعاد علي السؤال: إذن أين هي؟ قلت: لا أعرف، فقال: بل تعرف، الكرة تمزقت. ها&8230;. ماذا حل بها؟ قلت: تمزقت، فقال: وأين هي الآن؟ قلت: هي في الحاوية، قال: طيب، وهل رأيتها بعينك؟ قلت: نعم رأيتها بعيني، فقال: قل لرفاقك الآن إنك رأيت الكرة بعينيك هاتين في الحاوية وهي مكشومة، وأشر إلى عينيك مع قولك هاتين، فقلت كما أمرني، ثم استدار إلى الطلاب، وقال: أين الكرة؟ أجيبوا، فقالوا جميعا: الكرة تمزقت، ورأيناها بأعيننا ملقاة في الحاوية، فقال الأستاذ: جيد، الآن أنتم طلاب جيدون، وأتمنى تمنيا أن أسمع أن أحدا منكم قال غير هذا الكلام ، وأتمنى أيضا أن أسمع أن أحدا أخبر أحدا بما حدث هنا، اليوم.

انتهى وقت الدرس، وخرجنا من الصف، وقد تعلم أربعون طالبا، في أربعين دقيقة، ما هو مصير من يطالب بحقوقه

 

من قصتي (الفلقة) بتصرف. 2015

حمدي مصطفى (فيسبوك)

المصدر: الاتحاد برس



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع