أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » طفولتي المنسيّة في بابا عمرو

طفولتي المنسيّة في بابا عمرو

“حتى طقسَها لم أعد أذكره جيدا”، عبارة قلتها لأحد الذين سألوني عما اذكره عن مدينة حمص (مسقط رأسي) والحي الذي عشت فيه وتربيت في أحد بيوته القديمة التي ساهَمتْ في تكوين ما يسمى الآن حي بابا عمرو. ما أرويه هنا هو غيض من فيض ما حدث أثناء حياتي في حمص، التي غادرتها مع اهلي الى البقاع اللبناني، منذ العام 2011، ولم يتجاوز عمري آنذاك 15 سنة. لا اعلم لماذا ذاكرتي ضعيفة، ولا يسعني تذكر كل شيء عشته في تلك المدينة. ضعف ذاكرتي يعود ربما إلى طبيعتي في سرعة النسيان، وربما إلى أن كثير من الحوادث والأمور التي عشتها والمراحل التي مررت بها، لم تأخذ مكاناً محددا وثابتا بعد في ذهني. أذكر من حمص ساحة الساعة التي تمثّلُ مركز المدينة حيث المقاهي الفخمة والمتواضعة. السينما التي دخلت إليها صدفة في عيد الفطر وشربت السيجار بنكهة الشوكولا رديء النوعيّة ذو الأربعين ليرة. كان يُعرض آنذاك فيلم إيطالي جُلّ ما علِق في رأسي منه بعض المشاهد الإباحية لعجوزٍ يتزلّفُ من فتاة شقراء بغية تحقيق مآربه الجنسية. أذكر أيضاً السوق المسقوف في حمص القديمة عندما كنت أذهب برفقة أمي لشراء حاجياتنا من ملابس وخضر طازجة من سوق الحشيش، وموالح من محامص الفردوس، والحمص المطهو من محلّ أبو شمسو المشهور بأنواع الحمص الفاخرة: مطحون بزيت، حمّص حب، فتّة حمصيّة. أما قلعة حمص في حي باب السباع فذهبت إليها أنا وزملائي في المدرسة متسلقين جدار ملعبها هاربين، فاذا بالكثير من عناصر الحيش يتمركزون في القلعة. أذكر أحياء العلويين في حمص: النزهة والزهرة، وشارع الحضارة الذي يستقبلك في أوله تمثال حافظ الأسد “باسطاً ذراعيه مُرحِّباً بك”. وما أدراك بترحيب حافظ بك! من بابا عمرو كنت أذهب واصدقائي إلى هذا الشارع في أيام العطل، فنمرّ أمام جامعة البعث بمساحتها الواسعة، وبقسم الشرطة الذي يقف أمامه شرطي حراسة، فأشفقت به مرة ونشط حس الفكاهة لدي، فأيقظته من بعيد منادياّ: “نائم؟”، فاستيقظ مرعوباً ظانا انه صوت الضابط المناوب. أما أنا فأخذت أركض مبتعداً. يشكل العلويّون 2% من سكان بابا عمرو، يتجمّعون في ثلاث حارات صغيرة. لكنني لم أكتشف هذا الامر منذ زمن بعيد. فما قبل الثورة التي تكوّن فيها وعيي. لم أكن أعرف ما هو العلوي وما هو السني وما هو الشيعي. كانت لي الكثير من الصداقات مع أبناء جيراننا العلويين وفي المدرسة. ولاحقاً علمت أن سليمان حبيب ورامي صالح وعلي المحمد، الذين كانوا منغلقين على أنفسهم ولا يحبّذون الاختلاط، هم علويون، ولكن معشرهم كان حسناً. ليس لدي ذكرى سيئة عن أحياء العلويين سوى تلك الحادثة عندما كنت أمشي وصديقي حسن في شارع الحضارة، وإذا بمجموعة من الشبان تستوقفنا بأدب وهدوء وتستدرجنا إلى شارع قريب يخلو من المارة. وانهال الشبان علينا بالضرب من دون أن نعلم السبب، وننتظر أن يقولوا لنا أن ذلك شيئاً من المزاح، لنقول لهم إنه مزاح غليظ. هذا إذا كانت لدينا الجرأة اللازمة على قول ذلك. لم يقولوا شيئاً. وعندما انتهوا من تمريرنا في ما بينهم، تركونا لنذهب من دون أي كلام. بعد ذلك عرفنا أنهم فلسطينيون من مخيم قريب من هذا الشارع، وبقي سبب ما جرى غامضاً. حي بابا عمرو من أفقر أحياء حمص نسبياً، ويتجاوز عدد سكانه مئة ألف نسمة. لم يكن يمرّ يومان إلا وترسلني أمي إلى الفرن لإحضار ربطة أو ربطتين من الخبز. هذا العمل منوط بي لأنني الولد الأوسط. الولد الأكبر لا يصح ان يقوم بذلك وفقاً للعادات والتقاليد. والولد الأصغر غير مؤهّل لتحمّل مثل هذه المهمات الشاقّة. فالطوابير طويلة على شبّاك توزيع الخبز في الفرن. وصاحبه (أبو سبيع) عصبي المزاج سريع في عمله. تجنباً لأن أقع في براثن غضبه، كنت أردد طوال الطريق ما توصيني أمي بإحضاره: “كماجة ورغيفين دبل، كماجة ورغيفين دبل…”. وفي إحدى المرّات وصل دوري فقال لي ابو سبيع بلهجة سريعة “شو بدك يا ابني؟”. كانت ويداه تنزّ عرقاً فتلعثمت في نطق ما أريد او ربما نسيت، فاطلق غضبه قائلاً: “انطوق هالجوهرة بقا وخلصني”. نطقت أخيرًا، وأخذت الخبز وعدت إلى المنزل. في المساجد كنت في أيام الجمعة أذهب مبكراً محاولاً تطبيق حديثٍ شريف فحواه أن من ذهب مبكراً إلى الجامع قبل ساعة كأنه تبرّع ببيضة، وقبل ساعتين بدجاجة، وقبل ثلاث بشاة أو غنمة، وهكذا تصاعدياً وصولاً إلى الإبل. كان الشيخ في كل خطبة جمعة يدعو لبشار الأسد قائلاً: “اللهم هيئ لرئيسنا بشار الأسد بِطانَةً صالحة تدلّه على الحق وترشده إليه، إنك أنت السميع العليم”. وهل يحتاج بشار الاسد ابن حافظ لمن يرشده الى سواء السبيل؟! غادرت من بابا عمرو إلى لبنان مُكرَها، بعدما راق لي جو الثوار المتظاهرين في الحي، وفي بداية تسلّحهم وتنسيقهم عمليات الدفاع عن الحي. كنت حينها أحتفظ بأربع رصاصات (كلاشنكوف) فتبرّعت فيها لأحد المقاتلين. بعد ذلك تسارعت الأحداث وتدهور الوضع لا سيما بعد أن ركّز النظام حملاته في حمص على بابا عمرو. آخر مرة زرته منذ خمس سنوات تقريباً. دامت الزيارة عشرين يوماً، بعد اقتحامه للمرّة الثالثة. رأيت الجدران مهدمة أو مثقبة برصاص “حماة الديار”، وحليب مسكوب على الرصيف. ف ي نهاية زيارتي قام جيش النظام باقتحامه بأثقل الأسلحة والدبابات، عندها اختبأت أنا وابن عمي في العليّة. سمعنا صوتهم خائفين من الدخول اليها وتفتيشها. كانوا قد اعتقلوا أخي خالد وابن عمي الأكبر لاستجوابهم في الشارع حيث الدبابات واقفة. خرجت في الكثير من المظاهرات التي كانت تُنظّم داخل الحي، وكنت أرى الثوار وهم حول المظاهرة يحمونها. ومرات خرجت مع الآخرين في منتصف الليل لإطلاق التكبيرات وإخافة الحواجز التي كانت منتشرة حوال الحي. كانت تهتز فرائصهم من أصوات التكبير.

المصدر: المدن – عمرو بكّار



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع