أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » الولايات المتحدة تريد تركيا والأكراد معاً

الولايات المتحدة تريد تركيا والأكراد معاً

لم يعد تناقض التصريحات الأميركية حول الموقف من العملية العسكرية التي شنتها تركيا مع الجيش السوري الحر داخل الأراضي السورية تحت اسم “درع الفرات” محصوراً بين جهتين أميركيتين فقط كالرئاسة ووزارة الدفاع، بل بدأ يتجلى حتى في تصريحات الناطقين باسم المؤسسة الواحدة. على سبيل المثال: هل قدمت الولايات المتحدة الأميركية دعماً للقوات التركية والجيش السوري الحر في العملية؟
.
لو تابعنا التصريحات الأميركية لوجدنا بعضها يقول قدمت الدعم، وبعضها يقول إنها لم تكن تعلم بالعملية. لعل بيع الأصدقاء والحلفاء من أكثر المبادئ التي تعمل بها الولايات المتحدة، ولكنها دائماً تؤكد على ثابت واحد هو: “تركيا دولة حليفة، وعضو في الناتو”. وحتى هذا التصريح المتكرر يمكن أن يفسر على أن موقف الولايات المتحدة لم يتغير من تركيا، ولكنه يمكن أن يتغير من حكوماتها.
.
فالانقلابات التي حدثت في تركيا كلها حدثت برعاية، وأحياناً بأوامر أميركية. والانقلاب الأخير ليس استثناءً، ولكن المتغير هذه المرّة هو فشل الانقلاب، واضطرار الإدارة الأميركية لمراعاة حليفها التركي. من جهة أخرى، تدافع الولايات المتحدة عن الشريك الجديد في “محاربة الإرهاب” الذي تسميه “قوات سوريا الديموقراطية” التي تشكل “وحدات حماية الشعب” الكردية عمودها الفقري. ولكنها في الوقت ذاته، وعلى غير عادتها لم تتخذ موقفاً صارماً من مقتل ثلاثة عناصر أميركيين كانوا يقاتلون في صفوف “قسد” خلال عملية “درع الفرات”.

.

هذه التناقضات في المواقف الأميركية تجعل كلاً من الطرف التركي و”قسد” يتخذ مواقف متشددة إزاء الطرف الآخر. فما زالت الولايات المتحدة تؤكد أن قوات “PYD” انسحبت إلى شرق الفرات، وترفض تركيا هذه التصريحات، وتكذبها بشكل مستمر. وتقول تركيا على لسان رئيسها إنها هي التي تقرر ما إن كانت قد انسحبت تلك القوات إلى شرقي الفرات أم لا.

.

الأمر نفسه ينطبق على قوات “PYD” فهي تعتبر أن عملية “درع الفرات” لا تحظى بالدعم الأميركي، وأنها ستقاتل القوات التركية المحتلة. ولكن ما الذي يكمن وراء هذه التناقضات والمواقف؟ في الحقيقة أن الولايات المتحدة مازالت بحاجة إلى قوات “PYD” ولا تريد أن تتخلى عنها لأنها ستحتاجها في عملية تحرير الرقة على الأقل، وحتى في عملية بلورة الدولة السورية الجديدة، وقد دربتها، وسلحتها، وأرسلت لها المستشارين العسكريين من أجل تحقيق هذا الهدف، وحتى أنشأت في مناطقها قواعد عسكرية.

.

وفي الوقت ذاته فالولايات المتحدة بحاجة إلى تركيا كحليف في “الناتو”، ولا تستطيع التخلي عنها بسهولة، وتريد منها أن تدخل إلى سوريا للمساعدة من أجل تخفيف الضغط عن قوات “PYD” اثناء حرب هذه القوات ضد “داعش”، خاصة في معركة تحرير الرقة مستقبلاً. بمعنى آخر تريد الولايات المتحدة أن تتوجه البندقية التركية وبندقية “PYD” إلى هدف واحد هو تنظيم “داعش”، أي أن سياستها المتناقضة تهدف المحافظة على الحليفين التركي والكردي.

.

ولكن هل هذا ممكن؟ بعد سنة ونيف من الحرب المشتعلة في تركيا بين قواتها الأمنية وحزب “العمال الكردستاني” الذي يعتبر التنظيم الأم لتنظيم “وحدات الحماية” في سوريا، مازالت تركيا ترفض العودة إلى مرحلة ما قبل حزيران/يونيو 2015 عندما كانت المفاوضات قائمة بين الطرفين. وإذا بدا هناك تناقض في التصريحات أو المواقف التركية حول الموقف من النظام السوري، فإن الموقف من مرحلة السلام مع حزب “العمال الكردستاني” بقي حاداً، ويؤكد مسؤولو الحكومة التركية جميعاً على عدم إمكانية العودة إلى تلك المرحلة.

.

حتى إن هناك من ربط استقالة (أو إقالة) وزير الداخلية التركية أفكان بالا، بأنه آخر الذين كانوا مشاركين فيما سمي “اتفاقية ضولمة بهشة” التي قررت دخول المرحلة التي سُميت “مرحلة السلام” مع حزب “العمال الكردستاني”، وبهذا يمكن قراءتها موقفاً مازال متشدداً في هذه القضية. في سياق هذه التناقضات يسعى كل من الطرفين التركي والجيش الحر من جهة والكردي من جهة أخرى على تقديم “نموذج مقبول” لدى الرأي العام في المناطق السورية التي يسيطرون عليها. وإذا كانت “قسد” قد صورت النساء يدخنَّ، ويخلعن العباءات، والرجال يحلقون اللحى ويخلعون اللباس الباكستاني، فقد صُورت مشاهد مماثلة في جرابلس أضيف إليها نوم جنود الجيش السوري الحر في الشوارع، وعدم دخولهم بيوت المدينة. بالإضافة إلى دخول صحافة عالمية متنوعة، ومؤسسات مجتمع مدني لتقديم المساعدات والرعاية الطبية، وإيصال الخدمات الأساسية كالأنترنت وغيره.

.

من جهة أخرى، ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تحقق تركيا والجيش السوري الحر نجاحاً بارزاً في الحرب ضد “داعش”، لكي لا تثبت تركيا بأنها كانت على حق في مشروع محاربة “داعش” الذي قدمته إلى “مؤتمر جدة” الذي انبثق عنه “التحالف الدولي”. فذلك سيحرج الولايات المتحدة. وليس من مصلحتها أيضاً أن يضرب “الاتحاد الديموقراطي” المصالح التي تعتبرها تركيا استراتيجية وهي السيطرة على الشريط الحدودي مع سوريا كله، لأن هذا يُحدث شرخاً بين العضوين الأطلسيين يصعب ترميمه على المدى القريب، وخاصة فيما لو حدث التقسيم فعلياً في سوريا. تبدو الولايات المتحدة أنها تريد تطبيق عكس المثل الشعبي القائل: “لا يمكن الإمساك ببطيختين بيد واحدة”، فهي تريد الإمساك بكل من تركيا و”الاتحاد الديموقراطي”، ولكن أياً من الطرفين على المدى المنظور لا يمكن أن يرضخ للطرف الآخر.

.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد تمكنت حتى الآن من تجنيب الطرفين صداماً واسعاً، فالقضية أعمق من أن تبقى على هذا النحو، إلا إذا اجتُرحت معجزة ما، ولكن أحداً لا يستطيع تصور شكل تلك المعجزة حتى الآن.

المصدر: المدن – عبد القادر عبد اللي