أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » معارك أوباما الرابحة في سوريا

معارك أوباما الرابحة في سوريا

سجّلت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تفوقاً على جميع المحللين والخبراء في قراءتهم لسياستها تجاه سوريا، خصوصاً وأنها اتّبعت سياسة شبيهة إلى حد ما بسياسة نظام الرئيس السوري بشار الأسد، القائمة على المكايدة والابتزاز والمقايضة. مع بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا، وفرض شروط وإملاءات في المسار السياسي في جنيف، تحوّلت الولايات المتحدة من طرف مسيطر وداعم لحلفائه في المعارضة السورية، إلى واحد من جمهور جاء للفرجة على ما يحصل في نادي القتال السوري؛ وأصبحت تنتظر أن تستدعي موسكو وزير الخارجية جون كيري لاستشارته حول قرارات تتخذها في سوريا، وسؤاله عمّا يمكن أن تفعل بلاده لتساعد روسيا في تطبيق تلك القرارات بشكل فعلي على الأرض. ولعل المفاوضات الجارية في جنيف بين فريق الخبراء الروس والأميركيين، شاهد على مدى هشاشة السياسة الأميركية في سوريا. وبصورة أدق، يصحّ وصف تلك المفاوضات بالدردشة بين طرفين متفقين، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحصل عملية تفاوضية بين طرفين بالشكل الحاصل في جنيف بين واشنطن وموسكو، فالعملية التفاوضية تتطلب إجراءات بناء ثقة، وهذا الشرط الجوهري مفقود تماماً، أو مستثنى، أمام الواقعية التي تشير إلى أن الطرفين متفقان على كل شيء، وخصوصاً في الميدان، الذي تتحكم موسكو بهندسته، وتقرر فيه عدد الغارات التي يجب أن يشنّها الطيارون يومياً، وأي المناطق يجب أن يغادر سكّانها اليوم.. وخلال الأيام الأخيرة، بلغ التناقض الأميركي حداً غير معقول حيال الاتفاق الذي يبحثه خبراء البلدين في جنيف، فضلاً عن الحالة الموجودة أصلاً من عدم الصراحة مع المعارضة السورية والدول المعنية بالأزمة السورية، الأمر الذي كان يدفع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا مايكل راتني، إلى توضيح موقف بلاده حيال الاتفاق مع روسيا مراراً. وقبل رسالته الأخيرة لفصائل المعارضة السورية، التي كشف فيها راتني عن قرب التوصل إلى اتفاق مع الروس، كان قد أصدر في 29 اغسطس/آب بياناً نفى فيه “التقارير غير الدقيقة التي يتم تداولها بخصوص تفاهماتنا مع روسيا”، وخصوصاً ما يتعلق بالوضع في حلب. وبحسب راتني، فإن واشنطن تعتبر الوضع في مدينة حلب غير مقبول بالنسبة لها، خصوصاً لناحية المحاولات المستمرة للنظام من أجل محاصرة الجزء الشرقي الخاضع لسيطرة المعارضة. وفي رسالته التي بعث بها للفصائل، الأحد، جدد راتني طمأنة المعارضة بأن واشنطن لن تتنازل لروسيا في حلب، وحدد شروطاً مطلوب من المعارضة الإيفاء بها، من دون ذكر أي التزامات ستقدمها موسكو، سوى أنها ستضغط على النظام من أجل وقف استهداف المعارضة، وفتح طريق الكاستللو لإدخال المساعدات إلى ضواحي حلب بشقيها الغربي والشرقي، وكأنها ليست القائد الفعلي للعمليات العسكرية على تلك الجبهات بل النظام! عدم الوضوح الأميركي يقابله صورة واضحة في الميدان: روسيا أبعدت المعارضة عن المناطق التي سيطرت عليها وسمحت لها بفتح ممر الراموسة؛ حصل ذلك بعد أقل من 24 ساعة على رسالة راتني وعادت أحياء حلب الشرقية إلى الحصار مجدداً. لا تبدو أميركا كما تصوّرها هوليوود كطرف منتصر دوماً على العصابات الروسية. هي مراوغة لدرجة أنها على استعداد لإدانة كل تصرفات الأسد وبوتين في سوريا، من دون أن تتخذ موقفاً جدياً واحداً لوقف تلك التصرفات، ما دامت الإدانة مجانية ولا يتوجب دفع أي شيء مقابلها. بيد أن بوتين، كواحد من زعماء عصابات الحرب الأبرز في سوريا، لا يعمل في الظلام كما تفعل العصابات الروسية في الملحمات الأميركية في هوليوود، لأنه لم يجد نفسه مضطراً إلى ذلك، خصوصاً وأن الولايات المتحدة، التي تتحدث مع فريقه في جنيف، حوّلته من شخص منبوذ في العالم لما فعله في أوكرانيا ولاحتلاله شبه جزيرة القرم، إلى نجم في الإعلام، تغطّي حرائقه التي يشعلها في سوريا بصور عالية الدقة تتصدر صحفها، وشاشاتها، ويتهافت الجميع لعقد الصفقات والتقاط الصور معه. ولا يبدو أن أوباما بعيدٌ عن الانضمام إلى قائمة معجبي الرئيس الروسي، خصوصاً وأنه حرص خلال ولايته الثانية التي شهدت تصاعداً رهيباً في بطش النظام السوري ضد معارضيه، على الوقوف في صف المنتصرين، والبحث الدائم عن معارك رابحة في سوريا؛ لدرجة أن واشنطن تخلّت عن الفصائل التي دعمتها عندما هاجمها مقاتلو “وحدات حماية الشعب” الكردية في حلب، وتخلت عن المقاتلين الأكراد الذين دعمتهم عندما هاجمتهم تركيا، وتخلّت عن “جيش سوريا الجديد” في معركة قاسية ضد “داعش” في الصحراء السورية على الحدود مع العراق، عندما كان الحشد الشعبي يربح معركة ضد “داعش” قرب الفلوجة. في خضمّ كل ذلك، يبدو أن السوريين قد خانهم طموحهم، فماتوا من شدّة الجوع والوحدة بينما موائد المنادين بدعمهم كانت ممتلئة بالطعام والمتفرّجين على موتهم، ووسط كل ذلك حجز أوباما مقعداً في صفوف الرابحين من هذه الحرب، والمسؤولين عن تحويل سوريا إلى بلد غارق بالجوع والجريمة، ومن بلد كان قبيحاً لناحية انتهاكات حقوق الإنسان والقهر مع قليل من الرحمة، إلى بلد أصبح قبيحاً أكثر ولا رحمة فيه أبداً.

المصدر: المدن – فادي الداهوك