أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » المسيحيون والنظام وروسيا: من يحمي من؟

المسيحيون والنظام وروسيا: من يحمي من؟

 

لم تكن زيارة الكاهن الروسي، للمشاركة في مهرجان قرية مرمريتا المسيحية التابعة لمحافظة حمص، خرقاً للتقليد الكنسي المؤسسي السوري فقط، بل خرقاً لطبيعة العلاقة بين الكنيستين؛ الروسية والسورية. فالمؤسسة الكنسية الأرثوذكسية السورية، خلال الأحداث السورية، كانت قد منعت الاحتفالات المُنظمة، أو المشاركة الكنسية الرسمية بالاحتفالات الشعبية أثناء المناسبات الدينية، بسبب الحداد. ورغم ذلك، لم تستطع الكنيسة السورية منع الكاهن الروسي من المشاركة في الاحتفالات، ومن الاستقبال الرسمي الاحتفالي له.

بحسب أحد رجالات الدين في مدينة اللاذقية، فهذا ليس أول فعل من الكنيسة الروسية يتعارض مع إرادة الكنيسة الأرثوذكسية في سوريا. فمع بداية التدخل الروسي اعترضت الكنيسة السورية بشكل واضح وصريح، عبر نشراتها الدينية الأسبوعية على جُملة البطريرك الروسي في توصيف التدخل الروسي في سوريا بأنه: “حرب مقدسة”. لا بل كانت جملة البطريرك السوري يوحنا يازجي العاشر واضحة: “لا حرب مقدسة في المسيحية”.

ومع ذلك، فإن اعتراض رأس الكنيسة الارثوذكسية السورية لم يقطع التعاون بين الكنيستين، خاصة وأن المجتمع المسيحي والمؤسسة الكنسية، لم يعودا يشعران بإمكان إدارة وجودهم خارج مظلة الحلفاء الدينيين. فمنذ القرن التاسع عشر، ومسيحيو المشرق يشعرون بأنهم مدينون ببقائهم في المنطقة لوجود القوى المسيحية الدولية من حولهم.

عاينت الكنيسة الروسية المجتمع المسيحي السوري قبل التدخل الروسي، واستمرت اجتماعات المطارنة ومسؤولي الكنيسة الروسية مع رجال الدين السوريين لشهر كامل. ما أسفر عن تمويل الكنيسة الروسية للكنيسة السورية، وتحويلها لأكبر ممول للمشاريع التنموية والغذائية، ولتأسيس أحد أكبر الأجهزة الداعمة للنازحين والمهجرين الأرثوذكس بالدرجة الأولى. هذا الدعم السخي تحول نحو مدينة اللاذقية سريعاً، واستطاعت البطريركية الأرثوذكسية عبر حليفتها الروسية انتزاع حق المسيحين النازحين من محافظة إدلب بالدخول إلى مدينة اللاذقية بدلاً عن محافظة حماة، وذلك لوضعهم تحت حماية مطرانية الروم في اللاذقية.

وبطلب من الكنيسة السورية، فرض الروس على النظام، تجميع المسيحيين النازحين في مدينة اللاذقية حصراً، خلافاً لخطة النظام في تقسيم مناطق النزوح. ورفع التدخل الروسي من شأن الكنيسة الأرثوذكسية التي حاول أقطاب منها دفع الروس للضغط على النظام لإيقاف ضم المسيحيين إلى الجيش. الأمر الذي رفضت الكنيسة السورية تقديم طلب بشأنه للروس، بشكل رسمي، لخلاف ضمن “المجلس البطريركي” في دمشق.

وكانت الكنيسة السورية قد اشتكت للروس من هرب الشباب المسيحي إلى خارج البلاد خوفاً من السوق للجندية. حينها قدّمت الكنيسة الروسية منحاً طلابية مدعومة في الجامعات الروسية، لأبناء الطائفة الارثوذكسية، كحلّ لتأمين الهروب الآمن والمؤقت من دائرة الحرب. واصطدمت الكنيسة السورية بقلة الراغبين بهذا الحلّ، لانخفاض المستوى التعليمي في الجامعات الروسية. وبحسب كاهن قال لـ”المدن”، إن “المنح لن تتوقف للراغبين من الخريجين، والنسبة المطروحة للدعم جيدة، خاصة أنها ملزمة للعودة إلى سوريا، ومع أفضلية تأمين الوظيفة في المستقبل في الدولة السورية عبر الأقنية الروسية”.

ولا ينفصل الدين عن السياسة في روسيا، منذ التخلي عن العقيدة الشيوعية مع انهيار الاتحاد السوفييتي. وحلم موسكو كـ”روما الثانية” في عقل القيادة الروسية، بدأت معالمه بالتبلور مع الأزمة السورية. وهذا ليس حُلماً صعب المنال في منطقة يشعر أبناء طوائفها بأنهم مرهونون لمن يحميهم، ومن يضعهم تحت قوة بندقيته.

لذا، يشعر المجتمع المسيحي في سوريا بطمأنينة ما، مع التدخل الروسي. ويعرف الروس هذا جيداً، رغم أن الأقنية المؤسساتية للكنيسة السورية تنأى عن التصريح الروسي السياسي وتبتعد عنه، وتكتفي بدور برغماتي مصلحي لحماية الرعايا ودعم وجودهم. لا بل إن الكنيسة السورية تُحاول جاهدة رسم مسافة واضحة بين عقليتي الكنيستين؛ الكنيسة الروسية التي تُصارع اليوم في سوريا عقائدياً الأغلبية العربية السنيّة المتمردة على النظام الأقلوي الاستبدادي، وبين كنيسة سورية مستكينة منذ العهد العثماني، تُحاول تثبيت وجود المسيحيين بأكثر الطرق مسالمة ومواربة.

الكنيسة السورية كانت قد عادت إلى عقيدة الحياد، وإلى محاولة دعم رعاياها داخل أُطر الطائفة والمجتمع التراحمي لا المجتمع العام خارج الكنيسة. فالمؤسسة لا تُريد أن تصطدم بعنف مع الجيران، ولا تريد للصراع مع المسلمين ولو كانوا متطرفين أن يكون هدفاً أو معياراً لنطاق أعمالها ووعظها.

أما المجتمع المسيحي في سوريا، فيرى في التدخل الروسي، انقاذاً مسيحياً. فقبل التدخل الروسي، كان طبيعياً أن يلجأ بعض الشباب المسيحي، في مناطق سيطرة النظام، لوضع “خلعة خضراء” من مزارات العلويين لتأمين شعور ما بالحماية، كتماهٍ مع طرف يقول بحماية الأقليات، وفي الوقت نفسه يمثّل قوة تُخيف الآخرين. المسيحيون كانوا قد أدمنوا الاعتراف بضرورة حكم العلويين لسوريا، كي لا يتعرضوا لمجازر الأكثرية، مهما طال السرد المقابل عن الحياة المشتركة مع السُنة منذ صدر الإسلام.!!!!

اليوم ومع التدخل الروسي، بات المسيحيون يشعرون بأنهم أقوى من ذي قبل. وهذا انعكس بشكل حقيقي في الساحل السوري، وانتهت سردية حماية النظام للمسيحيين، وأصبحت القناعة لديهم بأنهم من يحمون النظام.!!!!

 

 

بشار جابر: المدن