أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » التراجيديا السورية متواصلة.. مع تقلب سياسات واشنطن وموسكو
التراجيديا السورية متواصلة.. مع تقلب سياسات واشنطن وموسكو

التراجيديا السورية متواصلة.. مع تقلب سياسات واشنطن وموسكو

رغم المحاولات الحثيثة للإدارة الأميركية وروسيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جهودهما المشتركة في سوريا، ثمة مؤشرات بأن اتفاقًا سريًا أبرم بين واشنطن وموسكو قارب على الفشل التام.

فكلا الطرفين اعترف ضمنيًا بفشل اتفاقهما بأن أخذ كل طرف يلقي باللائمة على الآخر، حيث اتهم وزير الخارجية الأميركي جون كيري روسيا بقصف قافلة مساعدات إنسانية، ووصفها بجريمة لا تختلف كثيرًا عن «جرائم الحرب». واتهمت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، كيري بتقديم «عرض سياسي رديء» و«بسرد القصص».

ظهرت التصدعات واضحة في الاتفاق عندما بدأت موسكو في تسريب أجزاء منتقاة من الاتفاق الذي يفترض أنه سري. فبحسب صحيفة «كومرسانت» الروسية اليومية الكبرى، فإن «روسيا كانت في حاجة إلى إعلان ما يوحي بإحراز تقدم بشأن الوضع السوري»، مضيفة أنه «كان من المهم أيضًا إظهار أن روسيا تعمل جنبًا إلى جنب مع الأميركيين وأنها لم تعد منعزلة». حدثت التسريبات من جانب موسكو عشية الانتخابات البرلمانية التي فاز بها أنصار الرئيس فلاديمير بوتين رغم الإقبال المحدود من قبل الناخبين. فالروس بطبيعتهم حساسون بدرجة كبيرة من استبعادهم من السياسة الدولية أو من النظر لهم كقوة غير جديرة بالاحترام.

فالاتفاق السري بشأن سوريا ساعد بوتين على التأكيد أمام شعبه أن التدخل الروسي في سوريا ليس التزامًا مفتوحًا من دون نهاية، وأن إعادة الأوضاع إلى طبيعتها مع الولايات المتحدة وحلفائها لم يعد في حكم المستحيل.

«ارتكبت الولايات المتحدة وروسيا خطأين»، بحسب علي رضا هرفاي، محلل سياسي، مفسرًا: «الخطأ الأول كان تهميش الرئيس السوري ومعاونيه الإيرانيين، والخطأ الثاني كان نشر الشائعات حول إبرام اتفاق سري لاستبعاد أي أطراف أخرى، بمن فيهم الأسد وطهران». ومما ساهم في مزيد من التعقيد أن بعض المحللين لاحظوا صدعًا متزايدًا داخل القيادة الإيرانية بخصوص الدور الروسي في سوريا. وللمرة الأولى، تعالت الأصوات في طهران تتساءل عن كلفة المغامرة في سوريا اقتصاديًا وإنسانيًا.

وكاستجابة لتلك الأصوات، حاول الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التخفيف من حدة التدخل الإيراني. وفي مقابلة صحافية مع محطة تلفزيون «إن بي سي»، قال روحاني إن الحل الوحيد في سوريا سياسي، غير أن روحاني لم يستخدم التعويذة التي طالما كررها النظام الإيراني وهي كلمة «الخط الأحمر»، والتي يقصد بها بقاء الأسد في السلطة حتى نهاية فترة ولايته. صحيفة «كيهان»، التي تعبر عن وجهة نظر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، امتدحت التدخل الروسي واعتبرته مشاركة في استراتيجية إيران الرامية إلى استبعاد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. ففي افتتاحيتها بالصفحة الأولى، كتب رئيس تحرير الصحيفة اليومية، سعد الله زارعي، أن «روسيا أخذت وبوضوح جانب القوات التي تحارب الغطرسة العالمية (الولايات المتحدة)».

غير أن تلك النظرة تغيرت عندما تفاوضت روسيا، بدعم من الولايات المتحدة، في الوصول إلى هدنة محددة حول حلب. وخلال تلك الهدنة تكبدت إيران أكبر خسائرها عندما هاجمت المعارضة السورية القاعدة الإيرانية في خان طومان، لتقتل العشرات من قوات النخبة المسماة مظليي «القلنسوة الخضراء». أشارت «كيهان» مجددًا إلى أنه بعد مشاركة القوات الروسية في الوضع السوري المعقد، تكبدت إيران كثيرًا من الخسائر من دون أي مكاسب على الأرض، وتكبد كذلك حلفاء إيران ومنهم فرع حزب الله في لبنان، والعديد، مثل «المتطوعين للاستشهاد من وحدات لواء فاتح» العراقي، ناهيك بكتائب «فاطميون» التي تضم شيعة باكستانيين وأفغانًا.

ووفق المحلل الكندي حميد زمردي، «مع التدخل الروس، كان أمام طهران خياران، إما الإبقاء على قواتها أو إخضاع جميع قواتها لقيادة روسيا»، مضيفًا: «قررت إيران الإبقاء على قيادتها لقواتها، وفي نفس الوقت السماح لروسيا باستخدام القواعد الإيرانية لشن ضربات جوية ضد أهداف المعارضة السورية». غير أن كثيرًا من المحللين يرون أن هذا الخيار كان خيارًا سيئًا، لأنه أعطى الروس تفويضًا في سوريا، وهو ما يعني أنه بات بمقدور الروس تجاهل القلق التكتيكي الإيراني وأهدافها الاستراتيجية نهائيًا. ولتعزيز حالة «مرض المشتري» في طهران بشأن التدخل الروسي، بدأ الديكتاتور السوري بشار الأسد في مغازلة موسكو في بعض الأوقات، لدرجة أنه اعتبر أن موسكو هي الحبيب المفضل، في حين اعتبر طهران «زوجة مؤقتة» فقط.

وفي حديث مع تلفزيون «بي بي سي» بث مساء الثلاثاء الماضي، أشارت بثينة شعبان، أحد المساعدين المقربين من الرئيس الأسد، إلى هذا الوضع قائلة: «على المهتمين بالشأن السوري الآن الإنصات إلى ما يقوله وزير الخارجية الروسي (سيرجي) لافروف، عليهم الإنصات إلى موسكو، وليس لأي طرف آخر أو أي عواصم أخرى». قد تكون مفاجأة للرئيس بشار الأسد ولعشيرته إن علموا بأن الاتفاق السري المفترض بين لافروف وكيري شمل خطوات لتنحية الأسد عن السلطة خلال 18 شهرًا، غير أنه من غير المسموح اقتباس عبارات محددة للمسؤولين الروس في هذا الخصوص. لكنهم أوضحوا، وإن كان بعبارات ملتوية، أن الهدف الأهم لوجودهم في سوريا هو عدم إطالة أمد سيطرة الأسد على ما تبقى من سلطاته كرئيس في دمشق.

ففي مناسبات كثيرة، أشار الأسد نفسه إلى تلك النقطة بالاعتراف بأنه ليس هناك حل «عسكري للوضع في سوريا»، وهو ما يتعارض كليًا مع تباهيه السابق بقدرته على «تحرير كل بوصة من أرض سوريا» بالحرب. وبحسب محلل روسي طلب عدم ذكر اسمه، «بوتين يدرك أن سوريا أشبه بطفل مغطى بالقطران»، مضيفًا أن «أي أحد يقدم على معانقة تلك الجثة سوف تصيبه اللعنة، وبوتين لا يريد أن يحمل تلك التركة بمفرده».

يزعم المسؤولون الأميركيون أن روسيا تريد إطالة أمد التراجيديا السورية لكي يستمر اللاجئون في التدفق إلى أوروبا، مما يساهم في زعزعة الأوضاع في دول الغرب الديمقراطية بعد أن تنشط الأحزاب المتطرفة اليمينية واليسارية. فتلك خطة ميكافيلية ماكرة حتى بالنسبة لميكافيلى كبير مثل بوتين، حيث يدرك بوتين أنه حتى لو سيطر على سوريا بالكامل، سوف يحتاج إلى مبلغ تريليون دولار أميركي، كي يبدأ في إعادة بناء الدولة التي دمرتها الحرب بعد أن أصبحت البلاد مكانًا لتكاثر الإرهابيين مثلما يتكاثر البعوض. فإن كانت روسيا ينظر إليها كعدو، فسوف يختار بعض البعوض الطيران إليها من أجل الجهاد. «سوف يحتاج إعادة بناء سوريا إلى دعم كبير من الغرب والدول العربية الغنية بالنفط»، وفق مسؤول روسي سابق مقيم في لندن حاليًا، مضيفًا: «لن يأتي هذا الدعم ما دام الأسد مستمرًا في مكانه كخيال الظل».

ولذلك فإن روسيا في حاجة إلى أن تترك القنوات مفتوحة، ليس لإيران فحسب، ولكن للاتحاد الأوروبي والدول العربية، والأهم للقوات السورية المعارضة للأسد.

وبالنسبة للولايات المتحدة، يرى بعض المحللين أن الرئيس باراك أوباما يسعى إلى الوصول إلى تسوية فريدة للأوضاع في سوريا، فكل ما يريده هو «حل دبلوماسي» يستطيع من خلاله أن يزعم أنه هدأ الأوضاع، وحمى الأقلية المسيحية في سوريا وأسس شراكة فعالة مع روسيا، كل هذا من دون أن يورط الولايات المتحدة في «حرب جديدة في الشرق الأوسط». ورغم الجهود الدبلوماسية اليائسة، يبدو أن فصول التراجيديا السورية ستتواصل.

المصدر: الشرق الأوسط