أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » اختفاء عناصر “داعش” من المدن يقلق بغداد وواشنطن

اختفاء عناصر “داعش” من المدن يقلق بغداد وواشنطن

يحوي تقرير نهائي للاستخبارات العراقية، صدر يوم السبت الماضي، عن معركة استعادة مدينة الشرقاط التي تبعد 90 كيلومتراً جنوب الموصل، والتي جرى انتزاعها قبل أيام من تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، على “الكثير من الرعب” وفقاً لوصف أحد جنرالات الجيش العراقي. رعب ناتج عن عجز كل من بغداد وواشنطن عن معرفة مصير الآلاف من مقاتلي “داعش” الذين “تبخروا” من المدن التي دخلتها القوات العراقية ولم يتم العثور على جثث أو جرحى كما لم يتم اعتقال أحد منهم، وفق الجنرال نفسه.

وللمرة الرابعة على التوالي في أربع مدن تتم استعادتها خلال الأشهر الخمسة الماضية، وهي الرطبة والفلوجة والبعاج، وأخيراً الشرقاط، تدخل القوات العراقية المشتركة من دون أن تنجح بعرض صور جثث مقاتلي “داعش” أو أسرى لهم، باستثناء بعض الجثث المتفسخة التي قضت تحت الأنقاض أو داخل خنادق “التنظيم” جراء القصف الجوي الأميركي أو الصاروخي العراقي.

وقال ضابط رفيع في وزارة الدفاع العراقية لـ”العربي الجديد” إن “التقرير الأخير للاستخبارات العراقية جاء مطابقاً لتقرير نهائي عن مدن أخرى، فلا جثث ولا أسرى من داعش والتقرير يعجز عن تقديم تفسير لذلك سوى عبارة انسحبوا من المدينة وتركوا بضعة عشرات من الانتحاريين للاستنزاف”. وأضاف أن “داعش يترك في كل مدينة ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل لحمايتها وإدارتها كما في الفلوجة والبعاج، منهم 30 بالمائة مقاتلون غير عراقيين. لكن عندما تتم مهاجمة المدينة لا نحصد سوى بضع جثث وفي أفضل أحوالها لا تتجاوز 50 جثة لداعش”، وفق تأكيده.

وتابع الضابط العراقي أن “التقرير الاستخباراتي الصادر أكد على صحة تحذيرات أميركية سابقة من تغيير التنظيم استراتيجيته الحالية من السيطرة على المدن وإدارتها إلى التخلي عنها والعودة إلى عمل الخلايا والجيوب المتفرقة التي تصعب السيطرة عليها أو معرفة مقراتها، إذ ينسحب التنظيم محافظاً على قواته بشكل سلس ويترك المدن بدلاً من أن يقتلوا جميعاً بالقصف الجوي أو الصاروخي”. وأشار إلى أنه “في أربع مدن لم يتم العثور إلا على 78 جثة لعناصر داعش وغالبيتهم عرب وآسيويون من كتائب الانتحارين والانغماسيين بالتنظيم”. وأضاف أن بقية العناصر “انسحبوا أو فروا ولا نعلم أين ذهبوا مع أسلحتهم ونحن نتحدث عن نحو 10 آلاف مقاتل في مجموع المدن الأربع تلك”.

بهذا المنحى، ترجح أوساط أمنية أميركية وعراقية أن تؤدي نجاة هذا العدد من مقاتلي “داعش”، عبر هروبهم أو اختفائهم عن الأنظار، إلى “فتح الباب واسعاً على مرحلة جديدة للتنظيم لن تكون سهلة وتعتمد بالدرجة الأولى على الجهد الاستخباراتي” لمطاردته، بحسب المصدر نفسه. في المقابل، أعلن مسؤولون عراقيون أن “ظاهرة انسحاب تنظيم داعش من المدن تجري بشكل منظم وبقرار مسبق ضمن تكتيك جديد وليس اعتباطياً، يهدف للحفاظ على مقاتلي التنظيم وعدم التفريط بهم”.

وأكد مسؤول عراقي رفيع معلومات التقرير الاستخباراتي، مبيناً أن “داعش يجد البقاء والتمسك بالمدن معركة خاسرة مع وجود الطيران وحرب النفس الطويل، لذلك بدأ بالانسحاب من المدن التي تهاجمها القوات (العراقية)”، مشيراً إلى أن “التأخير الذي يحصل في المعارك ناجم عن حقول الألغام وكتائب الانتحاريين الذين يبقيهم التنظيم لقتل أكبر عدد من القوات المهاجمة وعددهم في كل مدينة لا يتجاوز بضع عشرات”.

في هذا السياق، لفت الخبير بشؤون الجماعات المتطرفة، فؤاد علي، إلى أن “أسلوب التنظيم الأخير يمكن اعتباره الأول بين الجماعات الجهادية” في إشارة إلى التخلي عن المدن والانسحاب منها. وأضاف أنه “ضمن المصطلحات المعروفة في الجماعات الجهادية يطلقون على الانسحاب عبارة: الفرار من الزحف. وعقوبة ذلك تصل إلى حد القتل لأي عنصر يرتكبها. إلا أنه على ما يبدو فإن ما تعرف باللجنة الشرعية (في داعش) أجازت ذلك لعناصر التنظيم كون بقائهم فيه مهلكة ولن يثمر عن شيء”، بحسب قول علي الذي أضاف أن “أغلبهم يقتل بالطيران من دون أن تكون هناك مواجهة برية حقيقية”، مرجحاً أنهم “ينتقلون إلى مناطق جديدة لإعادة ترتيب صفوفهم مجدداً ومن ثم الهجوم أو التفرق على شكل جيوب تعيد للأذهان نظرية الخلايا الخيطية التي اتبعها تنظيم القاعدة نهاية عام 2005 وحققت نتائج كبيرة لصالحه”. وأوضح أنه بموجب هذا التكتيك “ارتفع معدل القتلى الأميركيين والقوات العراقية إلى الضعف عما كان عليه عندما سيطرت على مدن بعينها كالفلوجة والقائم وتلعفر وبلدات أخرى”، في حقبة ما بعد احتلال العراق عام 2003.

وذكر عضو مجلس العشائر المنتفضة ضد “داعش”، محمد العلواني، لـ”العربي الجديد” أن استعادة المدن “لن تكون نهاية داعش بالعراق بل سينتقل إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة ما قبل السيطرة على المدن من خلال التفجيرات والهجمات المنظمة وهذه ستكون مكلفة جداً بشرياً ومادياً للدولة”. وأضاف أنه “في جزيرة الخالدية كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 2000 مقاتل، لكن حين دخلناها لم نعثر إلا على 43 جثة بعضهم بملامح آسيوية بينما انسحب العدد الأكبر نحو الصحراء”، ملمحاً إلى وجود “عملية فساد داخل الجيش العراقي من خلال فتح منافذ لداعش بهدف انسحابه منها بعد تشديد القصف والحصار عليه لتحقيق نصر عسكري سريع يحسب لصالح الجيش والحكومة بنهاية المطاف ويقلل من خسائر القوات المهاجمة أيضاً”.

وتابع العلواني “أجهزتنا الاستخباراتية بدائية وتعثرها مستمر في تحقيق عمليات استباقية لوقف الهجمات الانتحارية والسيارات المفخخة وكشف خلايا التنظيم، لذلك أعتقد أن الحكومة وقواتها ستزج بأعداد جديدة من المدنيين الأبرياء تحت مزاعم خلايا داعش في سيناريو مكرر نفذه (رئيس الوزراء السابق نوري) المالكي من قبل، إلا أن ذلك لن يمنع القول إن مرحلة جديدة بدأها داعش بالعراق”، وفق تعبيره.

وأكد العلوني أن “مسؤولين أميركيين أعربوا عن قلقهم وحذروا بغداد من مسألة اقتحامات المدن السريعة وكانوا يصرون على مسألة أن استنزافهم بشرياً داخل المدن التي يسيطرون عليها أفضل بكثير لأمن باقي المناطق وبقاءهم محاصرين في مدينة تخضع لهم خير من خروجهم”. وتابع أن الأمر “سيحتاج جهداً استخباراتياً كبيراً، فالموضوع تحول إلى ما يشبه وكر دبابير تم ضربه، فانتشرت في كل مكان، ولا نملك إمكانات استخباراتية كما في دول مجاورة مثل تركيا أو الأردن”. ورأى أن ما يزيد الوضع تعقيداً أيضاً يتمثل في “فشل الجهود السياسية للمصالحة الوطنية واستمرار انتهاكات مليشيات الحشد الشعبي ذات البعد الطائفي وتأييد الحكومة (العراقية) لنظام بشار الأسد، ما يجعل تكاتف سكان مناطق وسط وشمال وغرب العراق مع قوات الأمن صعباً للغاية”، وفق قوله.

المصدر: العربي الجديد – عثمان المختار