أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » بلاي بوي: عادة الحجاب السريّة

بلاي بوي: عادة الحجاب السريّة

ما زالت قضية البوركيني في فرنسا مثاراً للتساؤلات، على الرغم من حسم الحكومة الفرنسيّة الجدل، إلا أنه ما زال يثير اللغط من وجهة نظر سياسيّة، لا جمالية مرتبطة بالجسد أو حريّة المرأة.

هذه المرة، يعود الجدل للظهور، حين تقرّر مجلة الاستهلاكية، “بلاي بوي”، أن تجابه “الحجاب”. فبعد أن تخلّت عن نشر صور النساء العاريات، قرّرت أن تلجأ إلى النقيض؛ فـ”الهزيمة الأخلاقيّة” التي حلّت بها جعلتها تلجأ نحو “العفة”، عبر ترسيخ فكرة “الهامش” القادر على التفاعل مع كل جوانب الحياة، التي تتمثّل في الجسد “المُحتجب”، والتي هي فكرة ثقافيّة وسياسيّة لتفعيل دور المُهمّش بوصفه قادراً على “الإنتاج” ضمن معايير المؤسسة التي كانت ترفضه. هذه المقاربة لا تمت للحجاب بصلة، بل وتناقض الإباحية التي كانت “بلاي بوي” تتزعّمها.

تقدّم المجلة الأميركية على غلافها في عدد أكتوبر/ تشرين الأول صوراً للصحافية الأميركيّة نور تاجوري، وهي بكامل “حجابها”. الغلاف الذي كان يثير شهوات مئات الملايين بأيقوناته العاريّة، سواء من المشاهير أو من أرانب “بلاي بوي”، هذا الشهر يتنحنح متواضعاً أمام انتصار الجسد “المُحتجب”، بوصفه قد يحوي مغامرة إباحيّة من نوع ما.

قد يبدو الأمر في البداية ترسيخاً للحرية الشخصيّة والأفكار النسويّة التي ترفض تسليع جسد المرأة. لكن في العمق، الأمر يرتبط بترسيخ المنطق الشهرزادي-الذكوري حول إكزوتيكيّة الجسد المختفي. فاختيار المجلة ظهور شابة “محجبة”، هو أشبه باستباحة للحريم السريّ الذي يختزنه الحجاب، وهذا ما لا يمكن إنكار إيجابيته، لكن عدم المساس بهذا الحريم الشهرزادي، والترويج له على أنه إكزوتيكي؛ هو إمعان في ترسيخ الصورة الذكورية التي يختزنها من جهة، وترسيخ العجز عن انتهاك قدسية هذا الحريم بالعُريّ. فكلا الصحافية وشهرزاد، تعتمدان على “الجذب” في سبيل النجاة، المماطلة في إخفاء العريّ عبر الكلام وصناعة المتخيّل الشبقي عوضاً عن الحضور المؤغلم.

لكن التساؤل المطروح، هو أن “بلاي بوي”، عبر هذا الغلاف، تشكّل قطيعة مع ماضيها الذاتي. فهو ليس امتداداً لتاريخ المجلّة من النهود والأرداف اللمّاعة، بل نحن أمام كائن يحتكر عريّه المقدس، يمارس حياته بصورة طبيعيّة، و”بلاي بوي” كمؤسسة إباحية تبحث عن جماليات الحضور الفجّة للجسد الأنثوي، حافظت على وضعية الغياب، الثياب/ الحجاب، وامتدادها المرتبط بالمقدس الذي يخبئ الجسد، ليبدو حصيناً حتى على أقوى تقنيات الانتهاك، الإباحية، كوسيلة للنقد ونزع القدسيّة.

التساؤلات التي ترتبط بذات الحدث تمتدّ نحو تقنيات تصنيع المنتج الإباحي؛ وتحويل المحلي والثقافي-الديني إلى منتج معولم. فاليوتوبيا المثاليّة التي يقدمها رأس المال الاستهلاكي المتمثل بالجسد الإباحي الفائق، وبصورة غير معتادة، حافظت على الجسد السحري المختفي، بوصفه كائناً غرائبياً، كما أن تقنيات جعله إباحياً فشلت؛ إذ تم الحفاظ على “حِجابه” بوصفه تابو.

فمرجعية المقارنة المرتبطة بالأجساد العارية التي تقيس وفقها “بلاي بوي” معايير إنتاجها، لا تنطبق، بل تم تجاهلها، أشبه بقطيعة مقدسة مع السابق، لترسيخ الجسد “الإيروتيكي المسلم”، بوصفه جسداً غائباً، لا حضور لعريّه، فالعري هو “احكتار سماوي”، يوتوبيا الإباحية الأرضيّة هُزمت أمام اليوتوبيا السماويّة، المؤسسة هنا حافظت على التصور الاستشراقي الإيكزوتيكي عن المرأة، فكلمات “مسلمة، محجبة” لا تحمل قيماً إباحية أو جماليّة، بل هي قِيم سياسية ودينيّة، مجرد إضافتها هو سعي للترويج، لا للانتهاك، خصوصاً أن لا مرجعيّة للعريّ المرتبط بهاتين المفردتين إلا في التراث العربي الجنسي، والذي يتعرض للقمع المؤسساتي الديني.

فاستخدام كلمة “حجاب” لم يأت من وصفه صرعة أزياء كما في فرنسا في الستينيات، بل استخدمت بقيمتها السياسية والدينيّة، وكأن “بلاي بوي” تنفي وجود جسد مسلم عارٍ. هذه الأجساد غرائبيّة، لا تتعرّى.

لم تتوانَ تاجوري عن الاستثمار في الشهرة المفاجئة التي نالتها، إذ بدأت تقود حملات على مواقع التواصل الاجتماعي لنيْل الدعم، كي تكون أول مذيعة محجبة في التلفزيون الأميركي، إلى جانب عملها كـ”motivational speaker”، أو أشبه بداعية عصريّ، يقحم القيم الدينيّة لنيل الربح الذاتي. صيغة التهميش التي تحوّلها نور إلى صيغة استهلاكية للاستفادة، لا تختلف عن الفتاوى “أون لاين” أو على الهواء مباشرة، هي امتداد لصيغة “الهامش المقدس” التي تُمارسها الجماعات المهمّشة لنيْل الشفقة في سبيل الربح.

الصحافية الأميركيّة، كشهرزاد، كلتاهما تختفيان، كلتاهما تستعملان سلطة الحكي كي تربحا، كي تنجوَا. وحقيقة، ما سيكون على غلاف العدد الجديد، ليس سوى صيغة لإضفاء الشرعيّة على الصيغة الذكورية المرتبطة بالحجاب، فكما فرنسا انتصرت لـ “حريّة التعبير” المرتبطة بالحجاب، حولته “بلاي بوي” إلى سلعة ثقاقية إكزونيكيّة، وهزيمة الأخيرة، ليست سوى ترسيخ مفهوم العفّة والتابو المرتبط بانتهاكها، والتأكيد أن السعي نحو جسد إيروتيكي عربي معاصر، لا بد أن ينبع من جهود “العربي” نفسه، لا من المصنع الثقافي العالمي. المعايير “البيضاء” فشلت في إعتاق شهرزاد نحو العريّ، واحتفت بصيغتها “الحريميّة”.

المصدر: العربي الجديد – مروان يحيى