أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » المحامي فوزي مهنا: السوريون بلاد العُرْبِ أوطاني! أم بلاد الغَربِ أوطاني؟

المحامي فوزي مهنا: السوريون بلاد العُرْبِ أوطاني! أم بلاد الغَربِ أوطاني؟

السوريون بلاد العُرْبِ أوطاني! أم بلاد الغَربِ أوطاني؟
يُقال ثلاثة لا أمان لهم: السلطان والبحر والزمان، ماذا يقول السوريون وقد ابتليوا بهؤلاء مجتمعين؟ وطن بات يأكل أبنائه وبحور أخذت تبتلعهم، وصناديق الموت عند حدود الدول تخنقهم، الموت يطاردهم من مكان إلى آخر، وعروبة ها هي اليوم تخذلهم!.

كم مسلسل درامي يجب على السوريين أن يعيشوه؟ قبل أن يلاقون حتوفهم، وهم يفرّون من موت إلى آخر؟ أكثر من ثلاثمائة ألف ضحية ماتوا في حرب عبثية، ما يزيد عن ثمانية ملايين نزحوا من بيوتهم، أكثر من أربعة ملايين لاجئ يكابدون الذل والهوان! كم على السوريين أن يُقدِّموا من ضحايا وقرابين لهذا العالم الكاذب كي يصحو ضميره الإنساني؟ كم من صور الموت السوري المفجع ستُعرض قبل أن يستفيق العرب من غفوتهم؟.

لم يُضّحِ أحد لأجل العروبة مثلما ضحّى ويُضّحي السوريون، لقد كانت سورية بحق كما وصفها عبد الناصر قلب العروبة النابض، في عام 1916 أعلن العرب ثورتهم على المستعمر العثماني، انطلقت الثورة من الحجاز بقيادة الشريف حسين، حاول العثمانيون خنقها بوحشية، فقاموا بتعليق المشانق للعشرات من الزعماء الوطنيين في كل من دمشق وبيروت، فلسطين كانت قضية السوريين الأولى، قاتل أبناءها المحتل الغاصب منذ عام 1936 فكان القائد عز الدين القسام، وكان أن استشهد مع المئات من رفاقه السوريين على ثراها، في منتصف القرن الماضي كاد المتظاهرون في دمشق أن يرموا وزير الاقتصاد من شرفة الوزارة لأنه وقـَّعَ على اتفاقية بيع القمح السوري للفرنسيين،احتجاجا على ما يرتكبونه من جرائم بحق الشعب الجزائري الشقيق.

ماذا بعد؟ الواقع لدى السوريين الكثير مما يختزنونه من مواقف سورية اتجاه العروبة، إلا أن عرب اليوم بكل أسف يتناسوها! فعندما تعرّضت مصر للعدوان الثلاثي في عام 1957 هبّ الشعب السوري يطالب بحمل السلاح، وتشكيل فرق المقاومة الشعبية للدفاع عنها، فكانت بطولاتهم وتضحياتهم التي مثّلتها شهامة جول جمال، في عام 1958 وفي سابقة لم تحدث في تاريخنا العربي لا في قديمه ولا حديثه، تنازل الرئيس شكري القوتلي لأجل العروبة عن كرسي الرئاسة لجمال عبد الناصر، الكرسي نفسه الذي تدفع اليوم شعوبنا العربية الغالي والرخيص من أجل الإطاحة بمن التصقوا به.

تصف الأمم المتحدة الأزمة السورية بمأساة القرن! ماذا فعل السوريون للأنظمة العربية؟ حتى أقفلت بوجوههم كل الأبواب؟ فالأردن أغلق حدوده إلا لمن يرغب بالذهاب لسجن الزعتري باعتباره مصدرا للتنفُّع والمتاجرة، ومثله لبنان الذي كبّلهم بالشروط، لا بل بعضهم أخذ بالتهويل بأن لبنان سينهار إن تجاوز عدد اللاجئين المليون جريدة “النهار” في حين بعضهم الآخر أخذ بالتضليل بالقول إن الحكومة اللبنانية لم يعد لديها القدرة على الإنفاق على اللاجئين، بعدما خسرت المليارات بسببهم، وفقا لخطاب وزير الخارجية اللبناني “جبران باسيل” بمؤتمر عدم الانحياز بالجزائر الذي انعقد العام الماضي، مع أن الواقع هو أن الحكومة اللبنانية لم تنفق ليرة واحدة عليهم، وإنما المؤسسات الدولية هي التي تدفع للحكومة اللبنانية معونات مالية، لتنفقها عليهم، فيسرق القائمون على هذه المساعدات أكثر من نصفها، وفقا للتقديرات.

أما مصر شريكة السوريون بالوحدة، ففرضت عليهم نظام الفيزا وبشروط، في حين ترفض دول المغرب العربي استقبالهم، وكلنا تابع ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا حيال خبر سجن الشاعر السوري المعارض”شاهر خضرة” صاحب عدد من الدواوين الشعرية، لمدة أربعة أشهر في المملكة المغربية، لأنه تجاوز مدة الإقامة في المملكة الشقيقة، بينما يفترش السوري الأرض، في تونس بلا مأوى بانتظار قوارب الموت التي ستحمله إلى مصيره المحتوم !.

من الذي تشبّث بالعروبة وأعطاها أكثر من السوريين؟ بكل أسف ذاكرة العرب دوما قصيرة، لقد سبق للسوريين أن استقبلوا أشقائهم الفلسطينيين بمئات الآلاف تمتع هؤلاء بحقوق المواطنة السورية منذ لحضات دخولهم في السكن والعمل والوظيفة العامة، حتى أصبحوا سوريون بامتياز، بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، استقبلت سورية حوالى مليوني عراقي، ولم تنشأ مخيمات للاجئين العراقيين فيها، وإنما احتظنهم الشعب السوري في المآقي والقلوب، وعند نشوب حرب تموز على الشعب اللبناني عام 2006، استقبلت سورية أكثر من نصف مليون لبناني ضيوفاً في منازلهم وفي مؤسساتهم، ولم تنشأ لهم أيضا مخيمات للجوء، وإنما استضافهم السوريون ببيوتهم بالتهليل والترحاب.

في حين تمنٌعت الدول الخليجية جميعها عن منح أية تأشيرة دخول للسوريين، باستثناء الزيارة لمن هم فقط من أقارب المقيمين لديها من الأصول (كالسعودية) التي منحت هؤلاء الزائرين فرصة العمل والتعليم والتجديد بعد دفع رسوم بسيطة، في حين تتقاضى الشقيقة (إمارات المرحوم الشيخ زايد) الذي كان قلبه وعينه على العرب والسوريين تحديدا، على كل زائر سوري يرغب بتجديد الزيارة لديها مبلغ مقداره ألف درهم شهريا!.

أليست مفارقة غريبة أن الدول العربية الفقيرة هي التي تحمّلت ولا زالت تتحمّل اليوم وزر الوجع السوري؟ أكثر من خمسة ملايين سوري هربوا هائمين على وجوههم، لم يستطع معظمهم الوصول سوى للدول المجاورة كتركيا ولبنان والأردن ومصر والعراق، لدرجة أن هذه البلدان الخمسة ضمّت ما يُقارب 80% من عبء اللجوء السوري، في حين بقيت الدول العربية النفطية، والدول الموغلة أياديها بالنزاع السوري كإيران وروسيا والصين، هي الأقل تحملا لعبء هؤلاء اللاجئين، وفقا للتقرير الصادر عن معهد كارينجي الأمريكي للسلام، بالطبع تأت روسيا الأقل تبرُّعا من بين جميع الدول.

أليست فضيحة عربية أن دولا مثل السودان تحتضن اليوم وفقا لبعض التقديرات أكثر من مئة ألف لاجئ سوري، تتعامل معهم بالتساوي مع مواطنيها، من حيث العمل والتعليم والطبابة لمجانية، فيما أوروبا تستقبل منهم مئات الآلاف بالزهور، بينما الدول العربية الغنية قاطبة، لم تستقبل لاجئا سوريا واحدا، وفقا لإحصائيات منظمة العفو الدولية، لم يتبقّ دولة من دول العالم إلا وتقاسمت الهم السوري، كيف يمكن لتلك الدول أن تبرر عدم قبول دخول السوريين إليها، مع أنها تستقدم سنويا عشرات الآلاف من الأيدي العاملة من الهند وبنكلادش، ودول القرن الأفريقي، ومن أقاصي المعمورة، جُلهم لا يتحدث العربية، فضلا عن مستوى ثقافتهم المتدنية!.

بل مَن مِن أمم الأرض تلك التي تشبثّت بالإنسانية وحملت وجع وزر الإنسان أكثر من السوريين أنفسهم؟ لقد سبق للسوريين أن استقبلوا على أراضيهم الكثير من الشعوب والأقوام المضطهدة، من أكراد وتركمان وشركس وشيشان وغيرهم، إلا أن إنسانية اليوم، تركتهم ومصيرهم الأسود.

لمن يرفع ما تبقى من سوريين اليوم القُبّعة؟ الواقع يقول أن هناك دولا لا تمت للعروبة بصلة (كتركيا وألمانيا والسويد وفنلندا وآيسلندا) تقف هذه الدول الخمسة اليوم رافعة الرأس والجبين فوق بقية الدول، فالأولى تحتضن أكثر من مليوني لاجئ سوري، ولا زالت تفتح جميع النوافذ والأبواب في وجوههم، فيما ألمانيا والسويد اللتان كانتا من أبرز الرافضين للتدخل العسكري الأوروبي في سورية، تحملتا وحدهما عبء هذا اللجوء بشكل كبير، فقد سبق لألمانيا أن استقبلت ما يقارب 46 ألف حالة لجوء، بينما استقبلت السويد أكثر من 50 ألف حالة، في حين استقبلت دول أوروبا مجتمعة 53 ألف حالة، بحسب إحصائيات منظمة العفو الدولية لعام 2014 طبعا هذه الأرقام تختلف اليوم بل تتضاعف مع الحشود اليومية التي تدخل تلك الدول، من البوابة المجرية.

وهنا في هذا المقام لا يمكن لنا تجاهل الدور البارز الذي قامت به المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” حيال وقوفها لجانب اللاجئين السوريين، والمبادرة لحل مشكلتهم بالتوزيع العادل على جميع الدول الأوروبية، ودعوتها لبذل كافة الجهود الدبلوماسية، لإيجاد حل “للأزمة السورية” كذلك لا يمكن تجاهل دعوة رئيس الوزراء الفنلندي “يوها سيبيلا” شعب بلاده للتضامن مع اللاجئين المتجهين لأوروبا هربا من الحرب والفقر، مؤكدا أنه سيعرض منزله الخاص الواقع في “كيمبيلي” شمال فنلندا على طالبي اللجوء.

نعود للسؤال أين الأنظمة العربية مما يحصل للسوريين من مآس وويلات اليوم؟ وأين هي من مواقف قادة تلك الدول؟ ثم أين المبادرات الشعبية والفردية العربية؟ التي تتحسّس هذا الوجع السوري؟ لما من شأنها إنقاذ بعض السوريين من مخاطر أمواج البحار وتجاّر الموت، الذين وصفهم الراحل غسان كنفاني بروايته “رجال تحت الشمس″ بأنهم مثلهم مثل القَتَلَة الذين تسببوا في تشريدهم، حتى الصحافة العربية عليها أن تخجل من نفسها، في النمسا مثلا التي أعلنت الحداد على ضحايا شاحنة الموت 71 تساءلت غحدى الصحف على صدر صفحتها الأولى السوداء بحروف بيضاء كبيرة، قائلة “من سيوقف هذا الجنون؟” أية صحيفة عربية أو نظام عربي بما فيها السوري نفسه أعلن الحداد على تلك الضحايا؟ أو على الأقل تساءل كيف سنوقف هذا الجنون؟.

هل سمع العرب بآيسلاندا مثلا، الجزيرة الصغيرة الواقعة في شمال المحيط الأطلسي، والتي لا يتجاوز عدد سكانها 330 ألف نسمة، لقد استقبلت في عام واحد 1117 لاجئا سوريا، في حين أعرب أكثر من عشرة آلاف منهم في أب/ أغسطس الماضي عن استعدادهم عبر صفحاتهم على موقع الفيسبوك لاستقبال المزيد منهم، لا بل اقترح عدد كبير منهم استقبال لاجئين في منازلهم، وتقديم الطعام والملابس لهم، فضلا عن مساعدتهم للاندماج في المجتمع الآيسلندي، لدرجة أن إحداهن كتبت: ” أنا أم عزباء لطفل في السادسة، ويمكننا استقبال طفل عند الحاجة، أنا مُدرِّسة وبوسعي أن أعلِّمه النطق والقراءة والكتابة بالآيسلندية، والانخراط في مجتمعنا، لدينا ملابس وسرير ولدينا ألعاب، وكل ما يمكن أن يحتاج إليه الطفل.

ختاما كم لدى الدول الخليجية العربية من ملابس وألعاب؟ قد تُنقذ بعض الأطفال السوريين من مصيرهم المجهول؟ أم أن العرب قد ماتوا؟ ولم يتبقى سوى الإعلان عن وفاتهم، وفقا لتوصيف الراحل نزار قباني؟ الذي أطلقه منذ حوالي نصف قرن؟ وقد آن الأوان لكل سوري اليوم أن يُعلن نبأ وفاتهم دون تَحسُّر؟.

المصدر: منشور في رأي اليوم

تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع