أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عمر قدور : لا أوهام جديدة للسوريين

عمر قدور : لا أوهام جديدة للسوريين

إذا كان من حسنة تُسجل لحديث جون كيري إلى نشطاء سوريين، الحديث الذي نشرت له تسجيلاً صوتياً صحيفة نيويورك تايمز يوم الجمعة الماضي، فهذه الحسنة تنحصر في عدم بيع أوهام للسوريين. ومع أن سياسة إدارة أوباما صارت أكثر من مكشوفة، إلا أن حديث كيري يقدم خدمة إذ ينبغي أن يحدّ نهائياً من التنجيم السياسي الذي حظي السوريون بنصيب كبير منه طوال السنوات الماضية.

.

أيضاً، تُسجل حسنة للإعلان الروسي الأخير، حول عدم وجود مهلة زمنية لعدوان الجيش الروسي، فهو يضع حداً لتلك الافتراضات عن نية بوتين تحويل مافيا الشبيحة والبراميل المتفجرة إلى نظام ممأسس، حيث لا يبقى في نهاية العملية أهمية لشخص من يرأس النظام، وحينها يمكن التضحية به. أما الهجمة البربرية الأخيرة على حلب وسواها، واستخدام مختلف الأسلحة المحرمة دولياً لمواكبة الميليشيات الشيعية فيُفترض به أن يضع حداً لتلك الأقاويل عن خلافات بين موسكو وطهران، تنص خاصة على اعتراض الأولى على أسلوب العمل الميليشاوي وميلها إلى الجيوش النظامية. لمناسبة معركة حلب، لا بأس أيضاً في استرجاع تلك الأسطوانة المشروخة عن “سوريا المفيدة”، والتي اقتصرت بحسب المحللين في وقت ما على المنطقة الممتدة من دمشق إلى الساحل، ثم راحت تتوسع مع كل تقدم تحرزه قوات الأسد والميليشيات الشيعية.

.

جدير بالذكر أن طهران كانت أكثر تحفزاً لاستعادة حلب من نظام البراميل، ما يفند حتى مقولة سوريا المفيدة المقتصرة على دمشق والساحل لحسابات إيرانية، ويفند في الوقت نفسه التكهنات السابقة عن خلافات بين طهران وموسكو إزاء فتح معركة حلب، بعدما تبين أن القرار مشترك، ولم يكن ينتظر سوى انتهاء الترتيبات اللوجستية لفتح المعركة، وليس من المصادفة تزامن الأخيرة مع حشد حوالي 3000 جندي ومرتزق روسي شرق حلب.

.

حديث كيري الذي سبق ذكره يؤكد تسريبات خرجت منذ أشهر، تفيد بتجاوز المباحثات الأمريكية الروسية دور بشار في المرحلة الانتقالية والبحث في أحقية ترشحه، وكما هو معلوم لم تحظَ تلك التسريبات بالاهتمام الكافي، وفضّلت غالبية متابعي الشأن السوري تجاهلها. ربما كان يكفي لتبرير ذاك التجاهل مواظبة مسؤولين أمريكيين على القول بألا مستقبل لبشار في سوريا، من دون أن تُحدد هذه العبارة المطاطة جداً بأي إطار زمني، ليشرحها كيري أخيراً بإسقاط بشار في انتخابات يشارك فيها، مع القول بأن الانتخابات المزمعة ستكون تحت معايير دولية شديدة الدقة! بالطبع لا يخجل صاحب هذا القول من مجرد فرضية ترشح متهم بقتل مئات آلاف السوريين، بينما تطيح فضيحة شخصية صغيرة أو شبهة فساد بمرشحين غربيين لمناصب أقل شأناً.

.ينبغي لحديث كيري عن ترشح بشار أن يفضح على الأقل كذبة البديل التي تروجها إدارته، فليس من المعقول أن تعجز قوتان كبريان مثل أمريكا وروسيا عن العثور على بديل ولو كان من ضمن النظام نفسه، وليس من المعقول ألا تقدر القوتان لو وجدت النوايا على إقناع طهران بسحب الفيتو المتعلق بتنحيته. ما هو أدعى إلى التصديق أن إدارة أوباما قايضت، بموجب صفقة الكيماوي، بقاء بشار بسحب ترسانته السامة، بل لعل قبول ترشيح بشار يؤكد على تكهنات نُشرت في الصحافة الغربية تقول بأن قصف الطائرات الأمريكية قوات الأسد في دير الزور كان بمثابة “نيران صديقة”، وكانت الغاية منه تقديم الدعم لتلك القوات في مواجهة داعش، وهذا تحديداً ما أغضب الروس الذين لا يريدون دخول القوات الأمريكية على خط دعم بشار. مع حديث كيري هذا، يُفترض أن يكف أولئك الذين واظبوا على الحديث عن سلبية إدارة أوباما عن أسطوانتهم، فجون كيري انخرط إلى حد كبير في المباحثات مع نظيره الروسي، وربما كان أكثر وزير خارجية في تاريخ الإدارات الأمريكية تواصلاً مع نظيره الروسي، من أجل بحث الملف السوري. ثم إن تلك المباحثات الماراثونية تزامنت مع حرص أمريكي على تهميش قوى غربية وإقليمية تريد إطاحة بشار، فضلاً عن إيقاف إمدادات فصائل المعارضة، وتهديدها بقدرة الروس على تحطيمها في غضون ثلاثة أشهر، الأمر الذي بدأ فعلاً مع العدوان على حلب، يا للمصادفة! لم تكن هناك مؤامرة، ولم تكن ثمة خدعة، من إدارة أوباما.

.

الوقائع هي التي كانت طوال الوقت تترجم السياسات الفعلية، ولدينا مسؤولان في الإدارة كشفا قدر ما يستطيعان عن تلك السياسات، هما هيلاري كلينتون وروبرت فورد بعد ترك كل منهما منصبه. الأوهام جرى تسويقها عربياً وسورياً، عربياً من خلال مسؤولين أوحوا بإمكانية تغيير موقف الإدارة، على رغم الهوة الواضحة جداً بخاصة بين دول الخليج وإدارة أوباما. وسورياً من خلال معارضين لم يغادروا عقلية الحرب الباردة، ويعز عليهم الاقتناع بأن سوريا ليست ساحة المواجهة الدولية التي يتمنونها، وربما يعز عليهم تذكر كيف تركت هذه الإدارة العراق كلياً للوصاية الإيرانية، رغم مفاوضات الملف النووي المتعثرة آنذاك.

.الوجه الأشد سوءاً للأوهام السابقة هو تسليم الملف السوري لإدارة أوباما، والاقتناع بأن العمل فيه لا بد أن يمر عبرها. هذا الوجه السيء مرشح للاستمرار اليوم تحت فرضية انتظار الإدارة القادمة على أمل تكفلها بالحل، وهو ما يذكر بانتظار الفلسطينيين تغيير الإدارات الأمريكية طوال عقود، بينما كانت إسرائيل تغير شروط التسوية على الأرض.

.

لا يحق للسوريين الشعور بالخديعة مع التطورات الأخيرة، لأنها انحطاط في السياسة الدولية يُضاف إلى ما سبقه منذ اندلاع الثورة، وعليهم التحسب لمواجهته الآن ومستقبلاً. لكن لا يجوز أيضاً لإعلاميين ومحللين شاركوا في ترويج الأوهام السابقة الاستمرار في بناء أوهام جديداً، تحديداً من باب تعاطفهم مع القضية السورية. ثمة حسنة أخيرة في هذا السياق، لقد اختبر السوريون الأوهام المعلقة على الخارج، ويبدو أن الوقت قد حان ليتجرعها نظام البراميل، بما فيها حديث كيري عن انتخابات يترشح فيها بشار.

المصدر: المدن – عمر قدور



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع