أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » من ورّط حلب؟

من ورّط حلب؟

قد يبدو السؤال تعسفياً، وقد يحيل جوابه إلى مصطلحات الخطاب “الممانع” للتغيير والثورة، باعتبار “القوى المعادية والمتآمرةُ تدفع الشعوبَ للتورط فيها، ما يضطر الأنظمة (الوطنية) للمواجهة والتصدي، بكل حزم وقوة، ووحشية أيضاً، من أجل حفظ الوطن”. وكما هو الحال في كتب التاريخ وحكاياه، فقد يتخلى العدو “حليف المتورطين” عمن ورطهم، ويتجاهل ما يحل بهم من عقاب على يد الحكومات “الوطنية” وحلفائها “الشرفاء”، فيتجاهل حتى قتل وتهجير مئات الآلاف من المواطنين، المتورطين وغير المتورطين، ويسكت عن تحويل مدنهم إلى ركام وأطلال، كما يحصل تماماً في حلب الآن، على يد النظام وروسيا، وهو الفعل المستمر أصلاً منذ “تورطت” حلب في الثورة، قبل خمس سنوات. لكن من ورط حلب؟ يفترض هذا السؤال المجمل إذا ما صح، استعادة سلسلة طويلة من الأسئلة، والحفر في الذاكرة، لاستحضار وقائع وأحداث وتفاصيل كثيرة، من أجل تقديم إجابة ممكنة عليه، بعيداً طبعاً عن الرواية الرسمية للنظام، أو السخرية منها. فالثورة حق، والأخطاء حتمية، لكن تكرارها وعدم المحاسبة عليها، فضلاً عن تمجيد أصحابها، وربط المصير بهم، هو الورطة الحقيقية. ويمكن القول إنه لم يبق شيء يمكن أن تفعله حلب من أجل اسقاط النظام إلا وفعلته، وكل ما طلب منها قدمته. لكن ما حدث منذ البداية إلى اليوم، هو اتفاق العالم، أو سكوته، على اسقاط الثورة وتدمير حلب، في ظل عجز كامل من قبل القادة والحلفاء عن اجتراح الحلول، ناهيك عن تحقيق أي انجاز. لم يبق أحد لم يشتم حلب في العام 2011، ويتهمها بالانحياز للنظام على حساب الثورة، وطالبها الجميع، بما في ذلك رؤوساء دول وحكومات، بأن تلتحق بالحراك، هي ودمشق، “قبل أن يكون مطلوباً من العالم التدخل لحماية المناطق الثائرة من بطش النظام”، والقول هنا لمسؤول تركي في ذلك العام، على الرغم من أن العاصمتين السياسية والاقتصادية، كانتا تفعلان ما بالوسع، رغم القبضة الأمنية الاستثنائية عليهما. ومع ذلك، بذل الحلبيون جهوداً مضاعفة، بل إن من تبقى من الناشطين والمتظاهرين على قيد الحياة، أو خارج السجون والمعتقلات، يتذكر الكثير من زملائه الذين كانوا مستعدين للتضحية بأنفسهم، من أجل توسيع الحراك في المدينة، ما دام ذلك شرطاً لانقاذ المناطق الأخرى واسقاط النظام، لكن فعل الشرط تحقق، أما جواب الشرط فلا. ثم فتحت حلب أبوابها للجيش الحر، الذي دخل المدينة في تموز/يوليو 2012، بعد خلافات كبيرة حول هذه الخطوة، وهو خلاف حسمته وعود، قيل إنها تركية وعربية، نقلها قادة في المعارضة للثوار، وأكدت أن السيطرة على حلب، أو حتى جزء منها، سيكون بوابة التدخل الدولي ضد النظام، كما كانت بنغازي بالنسبة لليبيا. لكن لا سيطرة الثوار على سبعين في المئة من حلب المدينة خلال أيام، ولا حتى السيطرة على كامل أرياف المحافظة بعد ذلك، إلى درجة أنه لم يبق للنظام أي طريق إمداد يصل قواته فيها بالمدن الأخرى، ولا كذلك محاصرة ثكناته ومطاراته بشكل كامل أيضاً، غيّر من موقف العالم شيئاً. استضافت حلب تنظيم “الدولة”، فقصفت أكثر، ودمرت أكثر بحجة “محاربة الإرهاب”. فحاربت المدينة تنظيم “الدولة” وأخرجته خلال أيام، فظلت تقصف وتدمر أيضاً. تحالفت فصائلها مع حزب “الاتحاد الديموقراطي الكردستاني” في حي الشيخ مقصود ضد النظام، لكنها بقيت غير محبوبة، لا هي ولا فصائلها.. ثم حاربت الحزب وواجهته، فوصمت بالعنصرية، وقصفت أكثر، وقتل من أهلها أكثر. غادرت “جبهة النصرة” حلب إلى إدلب، فلم يسمح لتركيا بإنشاء “المنطقة الآمنة” في الشمال، ولم يخفف هذا من حدة استهداف المدينة وريفها، ثم عادت باسم جديد إلى حلب، فخرج ديمستورا ليقول إن “نصف مقاتلي المعارضة في حلب هم من جبهة “فتح الشام”. توحدت فصائل حلب واندمجت مرات ومرات، فتم التضييق عليها، وقطعت عنها إمدادات السلاح في كثير من الأحيان. انفصلت الفصائل وتشظت أكثر، لكن ذلك لم يزد إلا في متاعبها. هتفت حلب للحرية والديموقراطية، ورفعت حتى أعلام الثورة الأوكرانية، وأيدت كل حركات التحرر الوطني في العالم، إلا ان “العالم الحر” أدار وجهه عنها. هتفت أيضاً للعروبة والإسلام، وتظاهرت من أجل غزة وميدان رابعة، ولـ”عاصفة الحزم”، ومن أجل الروهنغا في ميانيمار، وتضامنت مع مسلمي افريقيا الوسطى، وغيرهم، وغيرها، لكن لا جديد. رفرف علم الثورة في المدينة طويلاً، وحرق علم الثورة في المدينة كثيراً، لكن ذلك لم يغير شيئاً. تقسمت حلب بين المعارضة والنظام، ثم انقسمت بين المعارضة والنظام و”داعش”، ثم بين الثلاثة وبين الأكراد، ثم هاجمها “حزب الله” وروسيا وإيران. ثم حوصرت حلب وها هي تباد، فلا يتدخل الحلفاء إلا بالكلام، ولا يقدمون إلا وعوداً مستهلكة عن أسلحة نوعية سيزود بها الثوار، بما في ذلك دغدغة حلمهم بالصواريخ المضادة للطيران. يعرف أهل حلب، مثل الجميع بطبيعة الحال، أن هذه الوعود مجرد كذبة، كما كانت دائماً، بل إن السؤال الذي يطرح نفسه حولها اليوم، هو كيف يمكن أن تصل هذه الأسلحة إلى المقاتلين المحاصرين داخل المدينة، إذا كان العالم عاجزاً عن إدخال شحنة غذاء. من ورط حلب؟ لا أحد ورط حلب في الثورة، فالمطالبة بالحرية والكرامة والتضحية من أجلها ليس بورطة، وإلا، من ورط درعا، ومن ورط الغوطة، ومن ورط حمص، ومن ورط دير الزور واللاذقية وحماة. ورطة حلب وورطة الثورة بأكملها، ليست في فعل الثورة بحد ذاته، بل هو في أفعال قادة وقوى وأصدقاء وحلفاء الثورة، الذين لم يفعلوا شيئاً من أجل انتصارها، بينما فعلت حلب المتعبة كل شيء.

المصدر: المدن – عقيل حسين