أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » يوم كانت طرابلس أبهى مدينة في سوريا

يوم كانت طرابلس أبهى مدينة في سوريا

قرنٌّ من الزمن، مرّ على كتاب “ولاية بيروت” الذي أعدّه رفيق التميمي ومحمد بهجت، وصدر في العام 1916. والعودة إليه، هي محاولة استرجاع تبدّل أحوالنا في 100 عام، وهذا ما استوقف الدكتور خالد زيدة في حوار مع “المدن”، لا سيما أنّ صدور هذا الكتاب، كان واحدًا من جملة أحداثٍ حصلت خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، إلى جانب إعلان معاهدة سايس – بيكو، وإعلان الثورة الكبرى في الحجاز… فأتى بمثابة وثيقة ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وتعليمية، أرشفت أحوال ولاية بيروت (1888 – 1918) التي لمعت آنذاك، عاصمة اقتصادية وتجارية على البحر المتوسط، وشملت الساحل السوري الممتد من اللاذقية إلى شمال يافا، والذي ضمّ سناجق خمسة، هي: سنجق بيروت، سنجق طرابلس الشام، سنجق عكا، سنجق اللاذقية وسنجق نابلس. يتناول زيادة في حديثه الجزء المعني بمدينة طرابلس، وينطلق مما لفته بقول الكاتبين، “أنّ مدينة طرابلس هي أجمل مدينة في سوريا”. لم يُقيّم التميمي وبهجت المدينة، بمديحٍ عاطفي مجاني. فهما موظفان في الإدارة العثمانية لولاية بيروت، وكان التميمي واحدًا من أعضاء تركيا العربية – الفتاة، ومناضلًا من بين الذين شاركوا في الثورة العربية العام 1916، وكان له دور سياسي في ما بعد. ووفق زيادة، “إنّ هذين الكاتبين، كانا شديدا التأثّر بأفكار التنوير، وبالفكر الفرنسي العائد إلى شعارات الثورة وحريّاتها والتقدّم والأخوة والمساواة، ويؤمنان أيضًا بالعقلانية، ولم يُعيرا اهتمامًا إلى الإرث القديم في المدن، كما سيظهر لاحقًا، لأنهما كانا دعاة تغيير وتجدّد، وهذا ما بان جليًا في دراستهما العلمية – الموضيعة، التي تتْبع أسلوب الوصف الميداني كأنهما يقومان برحلة، بعد تقديم لمحة تاريخية عن أحوال المنطقة وظروفها وآثارها وطبيعتها”. بين الطبيعة والمدينة القديمة في العودة إلى “سنجق طرابلس”، يعتبر زيادة “أنّ الطبيعة هي ما أضفى التميّز على المدينة وجعلها أجمل مدن ولاية بيروت، لا سيما في أشكالها ومساحاتها وخضرتها، وكان الكاتبان قد ذكرا أن طرابلس تتشكل من ألوان مختلفة، ذلك أنّ هناك شاطئًا بحريًا كبيرًا، وعلى مسافة كيلومترين يمتدد الاخضرار باتجاه المدينة، ثمّ تظهر مساحة من الرمل وصولًا إلى داخلها”، ويصفانها بـ”حمامة على نهر قاديشا”، المعروف حالياً باسم “نهر ابو علي”. وفي سياق الوصف، يقول التميمي وبهجت: “لا بلدة في سوريا تستطيع أن تفاخر بمناظرها الفاخرة كطرابلس ولا أن تكون مثلها. أما دمشق، فوا أسفاه، ليس لديها بحر. وأما بيروت، التي هي ملكة سواحل سوريا لم تكن غنية بالبدائع كما طرابلس”. مديح الكاتبين كان يُعنى فقط، بالمنطقة الحديثة في طرابلس. وبحسب زيادة، “أنّ طرابلس الحديثة التي قصدا فيها منطقة القبّة (هضبة مشرفة على المدينة) وساحة التلّ التي تضمّ مباني حديثة مثل دار الحكومة، ودار البلدية، وخان العسكر، والمدارس، وبرج الساعة، والعمارات السكنية والمصرف العثماني.. تتمتّعان بجمال ونسق عمراني، وفيهما ما هو على الطراز الأوروبي الساحر في تلك الحقبة الزمنية”. ويقول الكاتبان: “نعم، لم تزلْ تُبنى على حفافي شارع الترام (الترومواي)، الأبنية المنتظمة التي تناهت في الظرافة والمتانة، وإذا ثُوبِر على هذا الإعمار، وكثُر عدد تلك المباني، تترشح طرابلس على أن تكون أول بلدة في سوريا، بخطوطها الداخلية أيضا، كما كانت في مناظرها الخارجية”. ما يلفت الانتباه، هو الموقف السلبي من المدينة القديمة في طرابلس، والذي يناقض حاليًا النداءات المطالبة بإعادة إحيائها. ويشير إليها الكاتبان: “إن الرطوبة التي أحدثها رشح المياه في المجاري المارة في أسفل الجدران، والعفونة القذرة التي تنبعث من المجاري، وعندنا لها الرأي الذي لا يتزلزل، وهي أنها، من الشوائب المدنيّة والصحيّة في طرابلس، وعليه، يجب أن تُختم حياتها، وأن لا يُجعل لها نصيب بحياة أطول”. يعلل زيادة الحكم الصارم الذي أطلقه التميمي وبهجت، بأنّه “كان موقفًا طبيعيًا في السابق، من الفئة ذات التفكير الحداثي التي تدعو إلى التخلص من القديم على اعتباره مهملًا ولا داعي لاستمراريته، لا سيما أنّ عزمي بيك، متصرف ولاية بيروت، والذي كان متصرفًا في المدينة، قبل سنوات قليلة من حضورهما وكتابة التقرير، هو الذي شقّ الطريق التي ما زالت إلى اليوم تحمل اسم”عزمي بيك”، وأراد أن يخترق به المدينة لتصل إلى القلعة. وهذا ما ساهم في اطلاق حكمهما، لأنّ عزمي بيك تبع “حزب الاتحاد والترقي” والمحدثين، وتأثر بمشاهد العمران المنشآت الحديثة. ولم يطل ذلك ظرابلس وحدها، ففي موازاتها، كانت الادارة العثمانية تدفع أهالي بيروت إلى ترك الأسواق القديمة، فانتقلوا إلى المنطقة المعروفة بـ”المنطقة الجديدة”. صحف ومطابع رغم أنّ الحركة العلمية في طرابلس بقيت محدودة، وفق الكاتبين، إلا أنّ أسماء عُلماء لمعوا وأثّروا في نهضة المدينة، برزت، مثل حسين الجسر ونوفل نوفل وجرجي ينّي.. وكذلك، شهدت المطابع والجرائد انتعاشًا واسعًا دام طويلًا. ويقول زيادة: “توسّع المؤلفان في الحديث عن حسين الجسر، وكان علّامة وفقيهًا دينيًا، له مؤلفات عديدة أبرزها الرسالة الحميدية. أمّا في ما يخصّ الجرائد، فأشارا إلى أن الصحف كانت تصدر في مطابع ثلاث: مطبعة البلاغة لمحمد كامل البحري، ومطبعة الحضارة التي أسسها جرجي ينّي، ومطبعة ناصيف أفندي لصاحبها ناصيف طرباي. وأول جريدة، كانت “جريدة طرابلس” التي أسسها البحيري، و”المباحث” أسسها جرجي يني، ومجلة “الوجدان” لسامي صادق، و”البرهان” لعبد القادر المغربي، و”البيان” لجميل عدرة، و”الرقابة” لحكمت شريف. أما “المدلل”، فهي جريدة ساخرة أسسها الشيخ منير الملك، و”جريدة الأجيال” لتوفيق اليازجي. ولم يهمل الكاتبان الشقّ الروحي. فقد تحدثوا وفق زيادة، “عن انتشار التصوف في طرابلس على يد الشيخ علي العمري، الذي كان شخصية مشهورة يعتقد أهل المدينة بكراماته، وثمّة كبار في السنّ يُنادون إلى اليوم بكرامات الشيخ علي ومعجزاته”. وفي حين تحدث التميمي وبهجت عن بعض شوائب طرابلس، مثل تراجع السوق التجاري مقارنة مع باقي مدن ولاية بيروت، وانتشار الاقطاع بين فئات المجتمع فعاش الفقراء والعمال في أوضاع مزرية ووضعوا على رؤوسهم قبعات صوفية رمادية اللون وانتعلوا الأحذية الممزقة.. يعتبر زيادة أن “طرابلس قبل مئة عام، كانت مدينة جميلة فعلًا، لكنها خسرت الكثير من هذا البهاء، والخضرة، والجمال الطبيعي، ولم تستطع التقدم بنفسها، فخسرت مناطق الزيتون والليمون الساحلية، التي تحولت إلى مجمعات عمرانية غير منظم، وشحّ نهر أبو علي الذي انحسرت المياه المتدفق إليه”.

المصدر: المدن – جنى الدهيبي