أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » كاتب فرنسي: الإبادة في سورية خطيئة واشنطن / ما يحصل في حلب حالياً بما حصل لمدينة غرنيكا الإسبانية في 1937

كاتب فرنسي: الإبادة في سورية خطيئة واشنطن / ما يحصل في حلب حالياً بما حصل لمدينة غرنيكا الإسبانية في 1937

منحت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية منبرها لبروفيسور العلاقات العامة في جامعة “سيانس بو”، نيكولا تينزير، ليكتب مطولاً عن المسألة السورية واستمرار الجريمة وسط صمت دولي رهيب وصفه بـ”خطيئة الولايات المتحدة الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط”.

وافتتح تينزير مادته: “إنّ العمليات العسكرية التي يقوم بها الأسد وبوتين في سورية تحمل اسماً واحداً: الإبادة”، معتبراً أنّ الهدف الأسمى للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين هو القتل، ورأى أن “روسيا تعمل اليوم على استعادة قوتها وتجريب عتادها العسكري، فتضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية، وتستخدم أسلحة جديدة تخترق الملاجئ والمخابئ في حلب، وتستهدف المستشفيات والفرق الإنسانية والطواقم الطبية من دون أي رادع أخلاقي أو مادي”.

“لم يعد هناك أي جدوى”

شبّه الكاتب ما يحصل في حلب حالياً بما حصل لمدينة غرنيكا الإسبانية في 1937، واعتبر أن “الطائرات الروسية تحلّ مكان الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية، وتلعب قوات النظام وحزب الله المدعوم من إيران دور قوات فرانكو على الصعيد البري”، مؤكداً أن “هذه الحرب ستزداد عنفاً في الأيام المقبلة، وستسجّل جرائم حرب جديدة إلى الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، خاصة في سجونه المريعة، حيث شاعت أنواع التعذيب السادية”.

وحمّل مسؤولية ما يحصل في سورية للولايات المتحدة الأميركية، واستشهد بجرائم الإبادة التاريخية في معسكر “أوشفيتز” وسربرنيستا ورواندا وكمبوديا، ورأى أنّ “الصمت كان دائماً جريمة واللامبالاة تواطؤاً، والحال في سورية يبدو مختلفاً عن حملات الإبادة السابقة لأنه يحظى بإجماع عالمي”.

وتابع أنّ “تخاذل الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وجبنه وحماقته زادت الأمور سوءاً، وجعلت من بلاده المسؤول الأول عن هذه الخطيئة الأخلاقية بحق السوريين”، وأضاف أن الحوار مع روسيا “خدعة وليس حلاً”، لأنّ “الحوار مع القاتل الأول يقوّي سلطته ونفوذه”.

ونقل رسالة مصدرها أحد أصدقائه المتطوعين في سورية، وخلاصتها أنّه “لم يعد هناك أي جدوى. الإدانة والمشاعر والدموع وكل ذلك ليس له معنى. عار القتلة في روسيا وإيران هو عارنا، ودموعنا تجعل المشهد أكثر حقارة”.

“أن تواجه يعني أن تتكلّم”

تساءل تينزير عن الجواب المفترض أن يرد به على رسالة صديقه، ورأى أن “الصراع بين مشاعره والتزامه الأخلاقي وبين واقعية المحلل السياسي وبرودته فيه يجعل الإجابة صعبة”.

وتطرق في حديثه إلى بائع الألعاب المتجول بين المدن السورية، لافتاً النظر إلى أن “الوقت لا يمهل الأطفال هناك للاستمتاع بألعابهم”، ومعتبراً أن “البائع الذي لم يسمع قط بالفيلسوف إيمانويل كانط، ولم يقرأ الإنجيل، واكتفى ببضع آيات قرآنية يعكس حال الكثيرين في سورية الذين يتحملون أثقال الشر كلها، لأنهم أرادوا كسب الوقت فقط”.

“الأعمى والأحمق والحقير”

فنّد الكاتب في هذا القسم من المقال خطاب من يرون في الإبادة السورية أمراً طبيعياً بسبب الحرب، ويعتبرون أن العواطف لا يجب أن تطغى على التحليل الواقعي، وقسمهم إلى 4 مجموعات:

1- التحريفيون الذين يتحدثون عن مخاطر “داعش” ودور الولايات المتحدة في نشأتها وتغذيتها، علماً أن روسيا والنظام السوري لم يواجها التنظيم يوماً، ويولون أولوية للدفاع عن “علمانية الأقليات” (خاصة المسيحيين)، ويبررون أي مجزرة قد يتعرض لها فريق من تلك الأقليات تحت مسمّى “تفصيل تاريخي”.

2- التضليليون الذين يحاولون تضييع المسألة السورية وتلزيمها إدانات لجرائم تقع من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها، فيسألونك عن جرائم السعودية في اليمن (وهي تحصل فعلاً) وعن القصف الذي يطاول قطاع غزة، ولا ينسون الحديث عن الفوضى في ليبيا، وبالتالي يخيرونك بين الأسد أو الفوضى الحتمية، وطبعاً هناك حرب فيتنام الحاضرة دائماً في خطاب تلك الفئة.

3- النسبويون الذين يحاولون أن يكونوا مقنعين، فيعملون على خلق توازن في رؤيتهم، ويلقون بالمسؤولية على أطراف عديدة، إذ إن الحقيقة عندهم لا تحتمل ثنائية الأسود والأبيض، لذلك يطالبونك بعدم قراءة الوضع السوري بـ”عيون غربية، بل ضمن قراءة متكاملة تشمل أوزبكستان والصين…”، ويركزون على “دور الإعلام الغربي الذي يضخّم عدد الضحايا ويتجاهل اضطهاد العلويين، ولا يراعي وجهة النظر المقابلة”. ورأى الكاتب أن “وجهة النظر الثانية” تتمثل باستخدام الأسد للأسلحة الثقيلة، وتعذيب آلاف السجناء السلميين الذين طالبوا بمزيد من الديمقراطية.

4- التعميميون الذين يحاولون أن يلعبوا دور “الواقي السياسي”، معتبرين أنفسهم “عارفين” بخواتم كل ما يحصل، فيحولون التفاهة إلى وضوح والحماقة إلى حقيقة، ويرون أنَ التفاوض مع روسيا إلزامي وضروري لتقرير مستقبل سورية، ويعيدون ذلك إلى القضايا الكبرى والطائفية المسيطرة على الشرق الأوسط وخلافات السنة والشيعة وضرورة احترام الديمقراطية (التي قالت كلمتها في انتخاب الأسد بنسبة فاقت الـ88 في المائة‏)، وحتمية فشل الربيع العربي، وطبعاً استرجاع اتفاقية سايكس ــ بيكو.

وأضاف إلى تلك الفئات الأربع فئة “الحقراء” الذين لا يكفون عن تبرير جرائم الأسد وضحاياه الذين وصلوا إلى نصف مليون قتيل، ويسوقونه كحلّ وحيد وخيار مفروض ومقبول نسبياً، ويعتبرون جرائمه حرباً ضد الغرب والإمبريالية، وقال إن “هؤلاء لا يستقون صمتنا بل صوتاً عالياً وأشد قوة”.

في نهاية مقاله، شرح تينزير نسبية الخير والشر بعيون فرنسية، ولجأ إلى مقاربة جعلت مئات ضحايا الأسد طوق نجاة لمئات الفرنسيين، وقال إن “ضحايانا الفرنسيين يحتاجون، اليوم، إلى تضامن في خضمّ التفجيرات والخطر الإرهابي الذي يحيط بفرنسا”.

واستعاد مفهومي الخير والشر عند الفيلسوفة الألمانية، حنا أرندت (1906 ـ 1975)، ليخلص إلى أنه “أمام غياب التجربة الشخصية وغياب الجرح الذي لحق بتلك الأجساد السورية، أصبحت فكرة النسبية في التعاطي مع تلك الجرائم أمراً طبيعياً، حتى في مساره القانوني، مما جعل المذبحة ضد الإنسانية أمراً ثانوياً، وسخّف الهمجية الحاصلة، لذلك علينا أن نستمر في الكلام عن هذا الأمر من دون أي توقف، لأنّ ذلك سياسي وحيوي”.

تجدر الإشارة إلى أن تينزير أسّس موقع “ذا كونفرزايشن” الذي يعنى بنشر تحقيقات ومقالات باللغتين الفرنسية والإنكليزية لباحثين شباب عبر العالم، يشغل منصب رئيس معهد CERPA في باريس، وصاحب كتابي “عندما تختفي فرنسا من العالم” و”نهاية الشقاء الفرنسي؟”.

المصدر: العربي الجديد