أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » أسانج في الانتخابات الأميركية.. حصان طروادة روسي
أسانج في الانتخابات الأميركية.. حصان طروادة روسي

أسانج في الانتخابات الأميركية.. حصان طروادة روسي

التردّي الذي أصاب مؤخراً العلاقة الأميركية الروسية بعد الفشل الذي آلت إليه كل محاولات التسوية في الملف السوري، لا تبدو تداعياته ببعيدة من السباق الرئاسي الأميركي المحتدم، الذي لم يعد خافياً فيه الدور اللافت الذي تتبناه روسيا في محاولاتها التأثير على مساره ونتائجه، من خلال اللعب على وتر التجاذبات الأميركية الداخلية المرافقة للحملات الانتخابية للمرشحين ترامب وكلينتون، باستخدامها أكثر من ورقة أبرزها تلك المرتبطة بعملية التسريبات، التي يتصدرها جوليان أسانج، مؤسس موقع “ويكيليكس”، والذي ترجّح معطيات كثيرة تحوّله لحصان طروادة روسي قد يؤثر في موازين المعركة الرئاسية الأميركية. موقف أسانج الواضح في الانتخابات الأميركية لا يحيد عن ما يحمله الموقف الروسي، الذي يقرأ فيه مراقبون تفضيله المرشح الجمهوري دونالد ترامب الداعي لعلاقات أوثق مع روسيا بوتين، بدلاً من المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون المؤيدة لتطويق روسيا وإعادة تحجيم دورها في أوروبا والشرق والأوسط باعتبارها دولة “عدوّة” للولايات المتحدة والأميركيين، فيما استهداف أسانج المتكرر لكلينتون مرده لأسباب عديدة أبرزها اعتباره المرشحة الديموقراطية محسوبة على الإدارة الأميركية التي تتعقبه منذ سنوات على خلفية ما نشره موقع “ويكيليكس” عام 2010 من وثائق أميركية سريّة هزّت العالم ، في حين يزعم أسانج أنه ما زال في جعبته الكثير ليقوله عن “العالم وفقاً للامبرطورية الأميركية”، العنوان الفرعي لكتابه الأخير “ملفات ويكيليكس” . إلا أن تراجع أسانج، قبل يومين، عن ما كان قد وعد به سابقاً بتفجير “مفاجأة أكتوبر” بالإعلان عن وثائق مسربة تتعلق بهيلاري كلينتون قال سابقاً إنها “ستحدث تغييراً في دفة المشهد الانتخابي الأميركي بالكامل”، لا يبدو مرتبطاً بشكل مباشر بما أرجعه لذريعة “الأسباب الأمنية” التي تبدو باهتة بل وغير مقنعة، خصوصاً وأن إعلانه الأخير تزامن مع المستجدات التي أفضت إلى تعليق المباحثات الأميركية الروسية حول سوريا، والذي استتبعه تصريح علني لترامب قال فيه إنّ “روسيا خالفت الاتفاق بشأن سوريا” وأنها “لا تحترم قادة أميركا”، ما قد يكون قد شكّل دافعاً لأسانج والمستفيدين من تسريباته لاستبدال خطة أكتوبر بتأجيل نشر الوثائق “الأهم” إلى عشية موعد الانتخابات في 8 تشرين الثاني المقبل، بل وإضافة وثائق متعلقة بالحزب الجمهوري بعد أن كانت التسريبات محصورة فقط بالحزب الديموقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون. الهاجس الروسي الواضح بالسعي بشكل متصاعد ومتراكم لإيصال رئيس أميركي يكرّس معادلة انكفاء الولايات المتحدة مقابل صعود روسيا، لا يبدو منفصلاً عن سياسة التواطؤ بالهجوم على كلينتون والحزب الذي تمثله، في حين أن ما كان شكوكاً أميركية في السابق ارتقى اليوم لمستوى الاتهامات للجانب الروسي بالتدخل في مسار الانتخابات، والذي عبّرت عنه كلينتون بقولها “علينا أن نكون على أهبة الاستعداد، ومضاعفة حماية نظامنا الانتخابي على جميع المستويات، وعلينا أن نوضح أننا لن نسمح لأحد، خصوصاً روسيا، بالتدخل في قرارات الشعب الأميركي”، بموازاة اعتبارها أن لدى منافسها الجمهوري “جاذبية غريبة للطغاة”، وذلك في إشارة منها للغزل المتبادل الذي دار سابقاً بين ترامب وبوتين. في حين أن تأجيل الإفصاح عن ما تتضمنه الوثائق التي في حوزة “ويكيليكس”، والذي لا يبدو بعيداً من المناخ العدائي الأميركي تجاه روسيا، قد لا ترقَى تداعياته للمستوى الذي يزعمه أسانج، خصوصاً وأن الرجل “يميل نحو المعلومات المضللة، التي هي شغفه الحقيقي لإزعاج كلينتون”، على ما يقول الصحافي الأميركي غلين غرينوالد. ما يعني أن ادعاءاته الأخيرة قد تكون مجرّد محاولة بغرض إثارة البلبلة وزرع بذور الشك في نفوس الناخبين بهدف التأثير على شعبية المرشّح غير المرغوب به بالنسبة لـ”ويكيليكس”، او أنها قد تكشف عن أمور من شأنها التأثير على قرار الناخب الأميركي يوم التصويت، وذلك بدلاً من إخراج تلك التسريبات إلى الضوء قبل أسابيع من موعد الانتخابات، ما سيضعها في دائرة التدقيق والتحقق في صحتها، وقد تُمحى آثارها الى حين وصول موعد التصويت، خصوصاً في حال طفت معطيات أخرى على السطح لم تكن في حسابات من يقف وراءها. أسانج الذي يكرر دائما وصفه للولايات المتحدة بـ”الدولة المستبدة”، يرى كثيرون اليوم أن معركة الشفافية العالمية التي إدعاها في بداية انطلاقة “ويكيليكس” لا يجري تطبيقها على روسيا، فيما ذهب البعض للتساؤل عما إذا أصبحت “ويكيليكس” منبراً لعرض المواد التي يجمعها الجواسيس الروس. وذلك بموازاة الحديث مؤخراً عما إذا كانت “ويكيليكس” قد ضلّت وجهتها، إذ إنّ هناك فرقاً كبيراً بين نشر مواد قام بتسريبها طرف يسعى لكشف الفساد، مثل تشيسلي مانينغ، الجندي الذي سرّب معلومات حربية لـ”ويكيليكس”، وبين قبول نشر معلومات ولو بصورة مباشرة من مخابرات أجنبية تسعى لتدعيم مصالحها، الأمر الذي أضاءت عليه صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، الشهر الفائت، بنشرها تحقيقاً موسعاً ومدعّماً بالأدلة يحمل عنوان:”كيف تستفيد روسيا عادة حين يقوم أسانج بالكشف عن أسرار الغرب؟”، رأت فيه أن المستفيد من المواجهة بين أسانج والولايات المتحدة، المتمثلة بسلسلة من التصريحات العلنية لأسانج وتسريبات “ويكيليكس” في أوقات معينة مختارة بعناية، هو فلاديمير بوتين في أغلب الأحيان. وأضافت أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين أميركيين للمرة الأولى أن وثائق الحزب الديمقراطي قد سرقت من قبل المخابرات الروسية، إلا أن أجندات كل من “ويكيليكس” وبوتين تلاقت مراراً وتكراراً منذ لجأ أسانج إلى سفارة الاكوادور في لندن قبل أربع سنوات. ومع استعراضها ما يدّل على طبيعة العلاقة التي تربط أسانج بكرملين بوتين، تقول الصحيفة: “مع تصاعد ازمات أسانج القانونية، هبّ بوتين للدفاع عنه”، كما وصف الرئيس الروسي الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة لأسانج بـ”السياسية”. حتى أن الأمور ذهبت أبعد من ذلك، حين صدّق الكرملين في كانون الثاني/يناير 2011 على تأشيرة دخول لأسانج، واقترح مسؤول روسي منحه “جائزة نوبل للسلام”. ومع منع التمويل عن “ويكيليكس” عام 2012 تحت ضغط الحكومة الأميركية، قرر الكرملين حينها مساندة أسانج مالياً، فاوكل إليه تقديم برنامج “العالم غداً” عبر شاشة “روسيا اليوم”، ما تزامن مع نشر “ويكيليكس” وثائق باسم “ملفات سوريا” تضمنت أكثر من مليوني رسالة بريد الكتروني إما صادرة عن أو تتناول حكومة الرئيس بشار الأسد المدعومة من روسيا. في حين دأب أسانج منذ ذلك الوقت على اتهام الولايات المتحدة بتعمّد زعزعة الاستقرار في سوريا، إلا أنه لم ينتقد علناً انتهاكات حقوق الإنسان التي يقوم بها نظام الأسد وحلفاؤه بمن فيهم القوات الروسية في سوريا. وهو ما عكسه أيضاً سياق المقابلة التي أجراها أسانج، في 2012، مع أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، الذي اختاره ليكون ضيفه الأول في برنامجه الحواري في “روسيا اليوم”. المقربون من أسانج يرون فيه شخصاً “مغروراً وطفولياً” ويميل إلى تقسيم العالم إلى قسمين: الذين يدعمونه والذين لا يدعمونه، وهو خلال الفترة التي قضاها معزولاً في السفارة الاكوادورية تحت المراقبة المستمرة، تزايد كرهه للغرب حتى أنه صار لا يلقي بالاً بانتهاكات الكرملين، الذي كان يعتبره “حصناً ضد الامبرالية الغربية”، وهو اليوم “صار يرى كل شيء من منظور المعاملة التي تعرّض لها، إذ سببت له الولايات المتحدة وكلينتون الكثير من المتاعب، اما روسيا فلم تفعل ذلك مطلقاً”، فكانت النتيجة “مواجهة ذات بُعد واحد مع أميركا”. بذلك تصبح الاتهامات الموجهة لأسانج، بخدمة مصالح روسيا وتسريب وثائق تمده بها موسكو، غير بعيدة عن المسار الذي انعطف إليه الرجل في السنوات الأخيرة، التي صارت مثقلة بالانتقادات والصعوبات القضائية والفشل الأخلاقي إثر إصراره على رفض الفرز بين الوثائق ونشرها كلها دون تمييز أو تدارك لحجم الخطر أو الاذى الذي قد تتسبب به لأفراد أو جهات معينة. في حين أن روسيا الواقفة اليوم على رمال متحركة، لن تتسبب بعد تثبيت مواقعها، سوى باحتراق أكبر لصورة أسانج، الذي تسبب بدوره بخيبة أمل عميقة لدى الكثيرين ممن باتوا يرون أن “ويكيليكس” التي تأسست من أجل الوصول إلى مجتمع أكثر عدلاً، ارتكبت أخطاء التشويش والمعلومات المضللة نفسها التي يتبعها هؤلاء الذين وُجدت لفضحهم.

المصدر: المدن – بتول خليل