أخبار عاجلة
الرئيسية » شعر » المرصعة قصيدة كتبها الشاعر فريد ياغي عن دمشق تنبأ بها قبل سنوات بمشاهدتها مهدمة محطمة

المرصعة قصيدة كتبها الشاعر فريد ياغي عن دمشق تنبأ بها قبل سنوات بمشاهدتها مهدمة محطمة

 

 

لو أكمل هذا البوست حتى آخره واحد منكم لكفاني
منذ عشرة أعوام كان عالمي أكثر انغلاقاً و تواصلي أقل أدواتاً
لا مواقع تواصل اجتماعي
لا منتديات تواصل
لا شاعر آخر أعرفه لأشعر بالغيرة منه
كل ما كان لدي الشعر الجاهلي
وصلت قمّة تأثري في 8أيلول2007 يوم كتبت نص أسميته المرصّعة مؤلف من 105
مفرداته شديدة القِدم و الصعوبة
كنت أقرأه منذ قليل من باب المصادفة فشعرت بصدمة كبيرة
ما الذي دفعني في سنة 2007 لأكتب عن ابتعادي عن دمشق و لأكتب عن مشاهدتي لها مدمرة محطمة
ما الذي دفعني لمناجاة سورها و لوصف رحلتي
و ما الذي دفع الأقدار ليحدث كل ما قيل في هذه القصيدة
قصيدة كتبتها و أنا لم أتجاوز السادسة عشر
#المرصعة

المُرصَّعة

أرضٌ تَضُوعُ الطِّيبَ في الأنحاءِ
وضعتْ بحيثُ توضُّعُ الأَحساءِ
.
لاحتْ وفي قلبي لها مُتَرَنَّمٌ
بعدَ انْجِيَابِ التَّلَّةِ الخضراءِ
.
مُتَبَتِّلاً عفَّرتُ رأسي عندها
ووقفتُ فيها وقفةَ القُعَسَاءِ
.
فرأيتُ فيها غيرَ ما خلَّفتُها
مِنْ بعدِ تلكَ العزَّةِ العلياءِ
.
صارتْ كَدِعصٍ مُقْفِرٍ مع أنَّها
كانَتْ خَمِيلاً مُغدقاً للماءِ
.
وربوعُها أَقْوَتْ لَهَاذِمَ غَمرةٍ
إذ أُضْرِعَتْ بالشَّقوةِ الرَّجلاءِ
.
وَنُؤُورُهَا صارتْ بقايا أنجمٍ
في ليلِ بدرٍ جامحِ الأضواءِ
.
***

يا يوم حطَّتْ سابقاتُ خيولها
تُخْدي وتَنكشُ ساحةَ الهيجاءِ
.
تمضي بوادٍ مُفأَمٍ , بوحاشةٍ
سَرْحاً كوثبِ مُجَزَّعِ الأظباءِ
.
حتَّى إذا فَرَعَتْ جبالَ عُداتِها
نَزَلتْ كريحٍ ظاهرَ البيداءِ
.

صارَ العداةُ لهمْ قَلِيْبَاً واسعاً
وهمُ كَدَالجِ غِلَّةٍ لِدماءِ
.
وغِنَامُهُمْ فُنُقٌ مُلِئْنَ بِبِضَّةٍ
وَقُصُورُهُمْ غَنِمَتْ مِنَ الأطْلاءِ
.
وَنسائُهمْ غَنِمَتْ حريرَ ملابسٍ
وخُيولُهُم غَنِمَتْ مياهَ غَمَاءِ
.
أمَّا غنيمةُ وِلدهم فوراثةُ الــ
ــعبدِ المُحَنَّبِ لانقضاءِ قضاءِ
.
ولَهمْ مواقِع لو حصيتَ مهادها
أحصيتَ كلَّ الأرضِ و الأرجاءِ
.
كانَ الجهابذةُ الكرامُ أسودها
ولظىً يُبِيدُ الأرضَ بالأعداءِ
.
كانتْ مضارِبُهُمْ قصوراً، خِلْتُها
جِنَّاً لِما فيها مِن الآلاءِ
.
***

أَسِفَتْ عُلوبُ الخِلقِ مِنها وانثَنَتْ
وصَعيدُها كالصَّخرةِ الخَلقاءِ
.
ما مِن عريبٍ هاجسٍ إلَّا بِهِ
خوفٌ من الألكاعِ و الأشراءِ
.
وَمُضَبَّرٌ خيسُ الشَّنَاخيبِ الَّتي
عاشَتْ على عِزٍّ من الإشماءِ
.
لا فَلجَ فيها حالتْ الدُّنيا بِها
مِن بَعد سُريِ ملامِحِ الأرزاءِ
.
بَعُدَ الرَّجاءُ لأوبَةٍ مَعَ عِزِّها
أبناؤُها ماتُوا مِن الغَوغَاءِ
.
صارَ التَّنَدُّمُ دينهم وملاذَهُمْ
مَثَلاً لِماويٍّ بُعَيْدَ بَغَاءِ
.
***

أَضْغُو على سَبَبِ الشَّعُوبِ مُنَدِّداً
والشَّأنُ مَزَّقَهُ كَثِيرُ بُكَائِيْ
.
فوقفتُ لا أدريْ أَأشربُ بلسماً
حتَّى أعيشَ , أمِ المماتُ دوائِي
.
يا ويحَ عيشيَ في دمشقَ وقدْ سَرَتْ
فيها عُلوبُ تَوَضُّعِ البُرَحَاءِ
.
يا ويحَ قلبي من لُكَاعٍ قاتِلٍ
حَيْزُومها بمخالبِ الأَلقاءِ
.
أدمشقُ أمُّ الأرضِ تسلو عاشقاً
وَلِهاً بها , بالرَوضة الفيحاءِ ؟!
.
حالتْ بهِ وتحوَّلتْ بعدَ الأسى
وتَحَرَّدَتْ تَحْرِيبَةَ الأعضاءِ
.
ويقولُ عِندَ السُّور قلبُ ضياعِهِ
مستأنساً بالقلعةِ الشَّهباءِ:
.
يا سورَ أمِّ الأرضِ بالآلاءِ
مُتَأبِّدٌ كوساوسِ الأرزاءِ
.
وسِلامهُ سُفَّتْ فليسَ مُجَرَّماً
ورِهامُهُ تُردي مِن الإِعياءِ
.
يأتي بترجيعِ الكلامِ جِدارهُ
وخَلا وُحِيُّ تَكَنُّسِ الأعداءِ
.
ومُدَافَعٌ مِن بينِ أحجارٍ خَلَتْ
مُتَعَرِّضٌ لمعالِفِ الأطلاءِ
.
والنُّؤيُ يجري من خلالِ حجارةٍ
مِنْ وِدْقِ ساريةٍ على أشلائيْ
.
فَذهبتُ لأياً نحوَ قَيْنٍ مُخْمِرٍ
في زُرقِهِ إعْفاءُ كُلِّ الدَّاءِ
.
ووصلتُ رَيَّاً وانتحيتُ بِخِبْتِها
فيها سُلافُ الجّذْمِ والإشفَاءِ
.
عَرَّسْتُ بعدَ أن استحرتُ ببطنها
وشربتُ خمرَ السُّكرِ والإثواءِ
.
وسَخيتُ في مالِ التِّلادِ لمهرقٍ
مسترسلٍ و اللّونُ كالحناءِ
.
عَلَّلْتُ شربي وانتحيتُ تعافياً
من بردِ ثلجِ مُفَلْفَلِ الصَّهباءِ
.
آليتُ ألّا أنثني عن شُربتي
حتى يخرّ الخمرُ بالأعضاءِ
.
فالكأسُ عندي مترعٌ بِصَبُوحِهِ
وحِمَامُه مِنْ خمرةٍ دفواءِ
.
مِنها بِزَالٌ مِن صليبِ ثمالةٍ
والخَنْدَرِيسُ مُخَلَّطٌ بظلاءِ
.
ودُرَيْرِ لهوٍ قدْ تهادى شُربُهُ
مِثلَ الدَّوارِ لطائِفِ الأنحاءِ
.
والزِّقُ كالعُرجونِ مَجْدوعُ الذُّرا
وأنَا كَدِهْقَانٍ مِنَ العُتَقاءِ
.
*

شَاكَهْتُ نَفسيَ باستحارِ تَوَسُّمٍ
لِفراقِدِ السَّوبانِ في البيداءِ
.
أوْ جذعِ اسحاقٍ لظتْ أوراقُهُ
وَيعيشُ في حالِ ارتقابِ صِلاءِ
.
أوْ غرِّ عُصفورٍ يرى أفراخَهُ
تُدميْ براثِنَ حَيَّةٍ رَقطاءِ
.

أو ذاتِ صفوانٍ خليعٍ عنْ هوى
ذاكَ الكديدِ إلى هزيمِ خلاءِ
.
ولَبُونِ آظارٍ تَحَامَتْ سقبَها
ولهُ بها قِطعٌ مِنَ الأحشاءِ
.
حتَّى إذا سكرَ العِتَاقُ وعاقروا
واسْتُشْزِرَتْ روحي إلى الأضواءِ
.
ذُكِّرتُ بعضَ صبابةٍ منْ عادها
كُلِمَ الفُؤادُ بِه من الأشْقاءِ
.
*

أُطُمٍ بِهِ رِجَلُ المياهِ مُوَمَّضٌ
والدَّوكُ مِن صُررِ الزُّهورِ إزائي
.
وفتاةِ حُسنٍ نَصَّتِ الفَرعَ الّذي
عادى ذُكاءً ساعةَ الإضحاءِ
.
خَدٌّ أسيلُ مُمرِعٌ وَغُثَاؤُهُ
زهرٌ مُعِمُّ الطَّلِّ والإبداءِ
.

وتَرائِبٌ منها أثِرنَ لحسنِها
ومُسَوَّرٌ يهوي بقلبِ الرَّائي
.
ومُقَلَّدٌ كالماءِ في إروائِهِ
للظَّامئِ اللَّهفانِ للإرواءِ
.
وَمُقَرَّطٌ كالمسكِ إنْ ما رُمتَهُ
ومُخَلْخَلٌ للرَّقصِ والإيفاءِ
.
والنَّهدُ رُمَّانٌ تَضَمَّخَ وجهُهُ
بالخمرِ حتَّى صارَ جوف جَنَائِي
.
والخَصرُ مِنها كالهلالِ ومِثْلِهِ
لُحِمَتْ مُتُونُهُمَا مِن الأَصْلاءِ
.
وإسالَةٌ مِنها لذاتِ مُهَفْهَفٍ
يُغري بأنماطٍ فكيفَ دوائي
.
والشَّعرُ هَدَّابُ الظَّلامِ مُهَرَّقُ الــ
ــأمراسِ نحوَ روادفٍ عَبلاءِ
.
والعينُ بدرٌ ساطعٌ بسوادِهِ
وسماؤُهُ كالدُّرَّةِ البيضاءِ
.
والرَّمشُ منها كالحبيِّ مُراكمٌ
والصوبُ مِنها دمعةُ الأحشاءِ
.
ومُكَلْكَلٌ تَكْلِيلُهُ مِن كُلَّةٍ
وبِهِ سلافُ إثالةٍ حَمراءِ
.
عَرْنَيْنِ مِنها لمْ تطلْ أبعادُهُ
فإذا تمطَّى طالَ بالإتْلاءِ
.
حتَّى إذا اسْتَشْفَفْتُهَا خَجِلتْ ولم
تُبدي تَمنُّعَ ظُلمَةٍ لِذُكَاءِ
.
مِثلَ البَلِيْلِ على فؤاديَ صَليُها
وكَثِيْبُها كالغابَةِ الفَرعاءِ
.
فإذا أرادتْ أنْ تُظَلِّعَ مَشيها
رَفَلَتْ ثيابَ تَجَنُّحِ الأرجاءِ
.
وإذا أرادتْ فِتنةً في مشيها
لَبِسَتْ قَشِيباً مُقْصَرَ الأدواءِ
.
جاهدتُ نَفسي عَن توسِّم حُسْنِهَا
حتَّى أسوفَ البَلقَعَ المُترائي
.
عاودتُ مشيي كالمُلَثِّ تَصَفُّداً
ومشيتُ نحوَ الواحةِ الشَّمَّاءِ
.
فرأيتُ نخلاً أُكْلِمَتْ عذباتُهُ
وقَشيبهُ في ظاهرِ البيداءِ
.
وجُذُوعُهُ مِثْلَ الذُّبالِ نَحيلَةٌ
وخلا مِنَ النَّفيانِ و الإحباءِ
.
يأتي بلمحِ الشَّيمِ دونَ حبييهِ
وسليطهُ دمعٌ بِلا إرواءِ
.
والصوبُ مشلولُ الوتينِ مُخَلَّعٌ
والنَّخلُ مكسورٌ من الإظماءِ
.
حتَّى تمطَّى جَنْدَلٌ بكديدهِ
وبكتْ مساويكٌ من الإخلاءِ
.
فالنّخْلُ مخلوعُ الذُّرا ومُعِمُّهُ
نَخلٌ قطيعُ الجَّذعِ بالأرزاءِ
.
إلَّا نخيلاً قد زرعتُ جذورها
بيدي فكانَتْ هادياً لبكائي
.
خاطبتها: يا نخلتي فيما الوَنى
وجواحرٌ ماتَتْ مِن البُرحاءِ
.
واستاءَ عيشُ الهادياتِ لكسرهٍ
فارتاعَ منهُ مُشَذَّبُ الأحياءِ
.
أُطُمٍ جُعلنَ كما طحينِ مُدَوَّرٍ
وإثالةٌ صارتْ كَبعضِ رثاءِ
.
أنتِ الأنيسُ فَمُذْ خُلقتُ جوارحي
بَينَ الأوابدِ من حياةِ بقائي
.
هيَّا نناجي بعضنا يا نخلتي
بكلامِ تعفيةٍ من الضَّوضاءِ
.
فإذا بها تهوي عليَّ بدمعها
والقلبُ قَطَّعَهُ دمُ الأحشاءِ
.
وتسائلت عني وقالتْ ثاكلاً :
أينَ ابتعدتَ أيا هوى زهرائي
.
فأجبتها صدقَ الجوابِ مُعَلِّلاً
بُعدي وهَلْ بعدٌ مَع الإثواءِ
.
*

ملَّتْ عيوني عيشةَ الأدواءِ
والصوت عاجلني بلفظِ الهاءِ
.
فبدأتُ مع نفسي حياةَ تأمُّلٍ
حتَّى اعيدَ النَّفس للإحياءِ
.
وخرجت مع نفسي لأربح عيشتي
فالأرض حقدٌ دونما إنهاءِ
.
فوصلتُ قصدي و السَّماءُ قد اكتستْ
ثوبَ النُّجومِ بساعةِ الإمساءِ
.
سافرتُ في فكري وزادَ تلهُّفي
فرأيت روضَاً مُغرِقاً بإزائي
.
ورأيتُ في دينِ التَّصوُّفِ ملجأً
إنَّ التصوُّفَ سيدُ الآلاءِ
.
ومضيتُ لا أبغي سبيلاً واضحاً
من عيشتي، و اللَّيلُ أمسى دائي
*.

إنِّي تصاويرُ السَّماءِ و نجمها
و الأمسياتُ السُّودُ في البيداءِ
.
وأنا تَصوّفُ كُلّ ذاتِ تصوُّفٍ
وتَحمُّل الآباءِ للأبناءِ
.
وأنا كديجورٍ بصمتِ جوارحي
يبكي بجرمٍ ساكنٍ بإزائي
.
وأنا كَصُمٍّ في تَعَطُّشيَ السُّقى
والحُبُّ منِّي قطرةُ من ماءِ
.
صارَ التَّصوُّفُ يا أخيَّةُ عادتي
إنَّ التَّصوُّفَ عادةُ الشُّعراءِ
.
و رجعتُ نحوَ الشَّام دون تلعثمٍ
أبغي صَباً لأسوفهُ كهواءِ
.
فرأيتها مادَتْ وغاضَتْ عينُها
بِتَخَيُّمِ الأسْغَابِ في الأرجاءِ
.
صارَتْ بها رِجَلِ المياهِ علامَةً
قَدْ أترعتْ بالرَّملِ و الأَحصاءِ
.
عَذَبَاتُها صَارَتْ كَقِنٍّ خَيِّسٍ
أو ممعنٍ في كربةِ الإشقاءِ
.
ومُدَعْدَعٌ جوفُ القَليبِ بِقُضْعُبٍ
مَكسورةِ الأطرافِ والإمضاءِ
.
وذوائبٌ من أطلسِ حرَّاقةٌ
وسنابكٌ مُحيتْ من الإثواءِ
.
وعظيمَ كربٍ مشزرٌ بتلالها
وعناءُ حزنٍ واضحُ الإعناءِ
.
فعلمتُ حقَّ العلمِ أنِّي ذابلٌ
كالرَّأمِ من نبل الشُباةِ لدائي
.
وعلمتُ حقَّ العلمِ أنِّي منتهٍ
فالموتُ يجذبني مِن الأرجاءِ
.
قتلتْ فؤادي جُلَّقٌ بكلومها
فالكلمُ كلمي و الدّماءُ دمائي

دمشق 8أيلول 2007