أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » دمشق تكتسي بالأسود لإحياء عاشوراء

دمشق تكتسي بالأسود لإحياء عاشوراء

مع تأمين النظام لدمشق ومحيطها، من المعارضة، خلال العامين الماضيين، تشهد العاصمة زيادة كبيرة في الحضور الشيعي الأجنبي المسلح. الأمر لم يعد مريحاً للدمشقيين، خاصة في أيام عاشوراء، حيث يجتمع آلاف الشيعة السوريين والأجانب، في مجالس عزاء، تقام في ظل حماية سلاح المليشيات الشيعية، في أحياء باتت خاضعة بالكامل لسيطرتها. خالد، شاب دمشقي، لا يرى المشكلة في تلك الطقوس، وهو الذي يعيش منذ زمن طويل في حي الأمين ذي الأغلبية الشيعية في دمشق القديمة، إلا أن اسم الحي التاريخي تغيّر بعد الثورة السورية وصار “حي الإمام جعفر الصادق”، بالتزامن مع زيادة عدد قاطني الحي من الشيعة الأجانب. ودمشق، بحسب خالد، ومنذ زمن بعيد احتضنت السني والشيعي والمسيحي، ويمارس كل منهم طقوسه الدينية من دون أن يزعج الطوائف الأخرى. وقبيل الثورة، كانت تحضر إلى دمشق وفود من إيران والعراق ولبنان، تقوم بطقوسها في الجامع الأموي ووسط سوق الحميدية، وتغادر بعد ساعات. لكن الأمر تفاقم، بحسب خالد، وأصبح استفزازياً مع رفع رايات المليشيات الشيعية المقاتلة في قلب دمشق التاريخي، وسط انتشار غير مسبوق للسلاح. بل إن المليشيات الأجنبية، باتت تنفذ عمليات تفتيش بحق الدمشقيين “أصحاب الأرض” كما يقول خالد، بقصد “استفزاز أهل السنة في تلك الأحياء، وتهجيرهم عنها بشكل قسري”. ويقيم أبناء الطائفة الشيعة في دمشق داخل سور المدينة القديمة في أحياء الأمين والشاغور والعمارة، وخاصة في محيط مقام السيدة رقية الذي يُعتبر أهم معالمهم. ويخضع المقام، لحراسة خاصة ومراقبة محيطه بالكاميرات، وتفتيش جميع من يريد دخوله. ويمنع أبناء المحافظات “الساخنة” من الاقتراب من تلك المنطقة، فيما تعتبر منطقة السيدة زينب جنوبي دمشق، أحد أكبر معقل للمليشيات الشيعية من مختلف الجنسيات، ومقراً لانطلاق العمليات العسكرية ضد مناطق المعارضة، ومقصداً لكل الحملات التي تأتي إلى سوريا بقصد زيارة المزارات والعتبات. ويُقدمُ النظام تسهيلات كبيرة في هذه الأيام خاصة لاستقبال الشيعة الذين يريدون إحياء عاشوراء في دمشق. فطريق دمشق-بيروت مفتوح للزوار اللبنانيين، عبر الخط العسكري، من دون تفتيش أو رقابة، فيما يفتح مطار دمشق الدولي أبوابه وتتحرك الطائرات التابعة لـ”أجنحة الشام” لصاحبها رامي مخلوف، لنقل الوفود العراقية، وأبرزها حملة “أبو الفضل العباس” التي أصبحت تزور دمشق بشكل أسبوعي، لزيارة مقامي زينب ورقية. وعلى خلاف الأيام السابقة، فالتيار الكهربائي لم يعد ينقطع عن الأحياء التي تُقام فيها مجالس العزاء، وأصبحت الشوارع منارة على مدار الساعة. وسمح النظام لأهالي تلك الأحياء بإغلاق حاراتهم أمام السيارات وحتى المشاة في بعض الأحيان. وهذا ما اشتكى منه أهالي الحارات السنّية، في الأقسام العليا من المهاجرين، بعدما مُنعت السيارات المخصصة لصعود مناطقهم الجبلية، من الحركة خلال عاشوراء من المغرب إلى الصباح يومياً، بسبب عبورها الإجباري في حي زين العابدين الذي يديره “حزب الله”. وإن كانت دمشق قد اعتادت الطقوس الشيعية على الطريقة الإيرانية، بعدما ورث الرئيس السوري بشار الأسد السلطة عن أبيه، كغناء “اللطميات” و”التطبير” الذي يجري في التاسع والعاشر من محرم، وتقديم الطعام والشراب للزوار، فالجديد منذ بداية الثورة هو إقامة الخيام السوداء على امتداد الشوارع الخاضعة لسيطرة المليشيات الشيعية، فباتت مناطقهم تكتسي بالسواد، وتمتلئ الجدران برايات تمجد “آل البيت” ورايات “حزب الله” اللبناني والعلم الإيراني، وصور قيادات إيرانية وأخرى عراقية. غياب الهوية السورية هو الغالب هذه الأيام عن تلك المناطق، التي تنظم مجالس العزاء، وسط إجراءات أمنية مشددة من فرق تابعة للمليشيات اللبنانية والعراقية والإيرانية، وحواجزها الطيارة ودورياتها الراجلة. وتقوم المليشيات بالتدقيق في هويات المارة وإغلاق الشوارع ومنع السيارات من الدخول إليها، كما قال الصحافي زياد أبو علي، لـ”المدن”. انتشار المليشيات في دمشق لم يعد إشكالياً للسنّة فقط، فبحسب بيان لمنظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام” حذّر القائمون عليها من تهجير ممنهج لمسيحي دمشق، عبر ممارسات طائفية تنفذها ميليشيات لبنانية وعراقية، وتسيير مسيرات في أحيائهم، فضلاً عن كتابة عبارات طائفية على الجدران، خاصة في منطقة باب توما. ويقول المختص بمتابعة المليشيات الشيعية الناشط محمد الشيخ، لـ”المدن”، إن خصوصية دمشق ووجود مقامي رقية وزينب ومرقد لـ”رأس الحسين” فيها، رفع من مستوى الحضور الشيعي في دمشق، خاصة في المناسبات الدينية، وهو الأمر الذي تستغله المليشيات لتجنيد المزيد من المقاتلين، بدعوى الدفاع عن المقدسات الشيعية في الشام. ويدور جدل واسع منذ فترة طويلة، عن حقيقة المراقد والمقامات في دمشق ومحيطها، وإذا كان مقاما زينب ورقية قديمين تاريخياً، فإن مقامات أخرى لا يزيد عمرها عن بضع عشرات من السنين أو بضع سنوات، ما يدفع للتشكيك في صحة المرويات، وخاصة المتعلقة بالدفاع عن المقامات. وتختلف عاشوراء هذه السنة عن سابقاتها، مع اجتياح مليشيات النظام لداريا في الغوطة الغربية بعد تهجير سكانها. وتدعي مليشيات لبنانية وعراقية وجود مقام للسيدة سكينة في داريا، ومن المتوقع أن تتم زيارته للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011. ومقام سكينة حديث نسبياً ولا يضم رفات السيدة سكينة، ومع ذلك فقد خاضت المليشيات الشيعية بالتعاون مع قوات النظام حرباً ضروساً ضد أهل داريا، لأربع سنوات، وتمكنت في النهاية من تهجيرهم، وسط مخططات لتغيير ديموغرافيا دمشق ومحيطها. كما تقيم فعاليات شيعية، وللمرة الأولى، مجالس عزاء في مقام مُحدث للصحابي “حجر بن عدي الكندي” في مدينة عدرا شمالي العاصمة دمشق. والفعالية تقام تحت إشراف مليشيا “حركة الإبدال” العراقية، التي تسيطر على المنطقة. ويدعو القائمون على المجالس، الشيعة لزيارة المرقد، والمشاركة في طقوس “التطبير”، مع تقديم عروض مميزة كالغداء المجاني والمواصلات المجانية من وإلى السيدة زينب. وظلت عدرا بيد المعارضة المسلحة حتى العام 2014. في السنوات الماضية، ونتيجة الوضع الأمني المعقد في دمشق، لم تتجاوز مدة اقامة مراسم عاشوراء ساعات في بعض الحسينيات، أما اليوم، فقد أعلنت إحدى الحسينيات عن إقامة احتفال لمدة 13 يوماً، وبشكل متواصل، ما يعكس الراحة التي بدأ يشعر بها أنصار النظام وحماته من المليشيات الشيعية.

المصدر: المدن – رائد الصالحاني