أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عشية الحرب العالمية الثالثة

عشية الحرب العالمية الثالثة

لو انحصر الأمر بإرادة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لكان الأمر محسوماً، أن لا رهان على صدام مفاجئ، بين القطبين الدوليين المتناحرين في سوريا.. لكن منذ حادثة قصف موقع عسكري للنظام في دير الزور، منذ أسابيع، يلف الغموض حقيقة التفاعلات الدائرة بين أقطاب المؤسسات، وأصحاب المصالح الخفية، في واشنطن.

هل كان مسؤولو وساسة الدول الكبرى يظنون أنهم على أبواب حرب عالمية، عام 1914، أو عام 1939؟.. بطبيعة الحال، لا.. فالحربان العالميتان، الأولى والثانية، جاءتا كنتيجة لسلسلة من التطورات التي أفلتت في نهاية المطاف، من السيطرة، وتورط الجميع في حرب شعواء لم يكن أحد يخطط لها، فعلياً.

ما الذي يميز المشهد الدولي اليوم، عن نظيره قبيل الحرب العالمية الأولى أو الثانية؟.. ربما الفروق قليلة جداً، بينما نقاط التشابه كثيرة.. لنعدّها.. تعددية قطبية، قوى إقليمية ودولية صاعدة تحاول أخرى أقدم منها، لجمها، أزمات متتالية تفتح ملفات لا تنجح الدبلوماسية في إغلاقها، توتر دولي، وأزمة اقتصادية تسبق هذا التوتر ببضع سنوات.. راجع مقدمات الحربين العالميتين الأولى والثانية، ستجدها متوافرة جميعاً في المشهد الدولي، اليوم.

هل يعني ذلك أننا على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟.. ليس بالضرورة، لكن النفي المُطلق لذلك الاحتمال من جانب بعض المختصين، بناء على قراءات يصفونها بـ “الواقعية”، غير مفهوم وفقاً لمنهج الإسقاط التاريخي.

جلسة مجلس الأمن التي شهدتها نيويورك، عشية الأحد، بخصوص سوريا، كانت مشهداً معبّراً للغاية عن حالة التوتر الدولي، والعجز عن لجمه.. خطابات لاذعة، واتهامات متبادلة، وانسداد دبلوماسي، ومناكفات عبثية.

يذكر التاريخ، قبيل الحرب العالمية الثانية، أن بريطانيا وفرنسا، لم تقوما بإعلان الحرب على ألمانيا، فوراً، بعيد الغزو الألماني لبولندا.. بل حاولت الدولتان التواصل مع هتلر عن طريق القنوات الدبلوماسية، ولكن هتلر لم يستجب إطلاقاً لهذه النداءات.

وحتى بعد أن أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، لم تحدث حرب حقيقية كبرى بين الطرفين، طوال السنة الأولى، 1939 – 1940، فسمى المؤرخون تلك السنة، بـ “الحرب المزيفة”. كانت بريطانيا وفرنسا تراهنان على بصيص عقلانية لدى هتلر، لكن الأخير قام في ربيع عام 1940، بغزو الدنمارك والنروج، ومن ثم فرنسا.

أما في مقدمات الحرب العالمية الأولى، فيسرد المؤرخون أزمات دولية عديدة شهدها العالم خلال فترة عقد ونصف العقد، سبقت تاريخ الحرب عام 1914، اعتُبرت جميعها، أسباباً غير مباشرة لتلك الحرب، التي انفجرت فجأة، في حادثة اغتيال، جعلت الأمور تفلت من عقالها.

ويذكر المؤرخون عشرات المحاولات الدبلوماسية، القاصرة، لرأب الصدع بين الأقطاب المتصارعين، في حرب باردة شعواء، قبل أن تتحول إلى ساخنة، عام 1914.

الحرب العالمية الأولى، بدأت أوروبية، لتتحول إلى عالمية

ولو راجعنا أرشيف المذكرات والوثائق المتوفرة من مراسلات وخطابات قادة دول العالم، قبيل الحربين العالميتين، لجزمنا يقيناً، أن أحداً لم يكن يدرك أنه يجر بلاده إلى حرب كبرى مُدمرة.

قد يميز المشهد الدولي الراهن اليوم، افتراض، أن قادة الدول الكبرى، يدركون بالفعل، خطورة الانزلاق في أي مجابهة عسكرية مباشرة بينهم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى أي حد هم يدركون خطورة ذلك؟، أم أن طول الأمد منذ آخر صراع دولي عسكري مباشر، قد يجعلهم في طمأنينة حيال قدرتهم على لجم التطورات قبل أن تفلت من زمام السيطرة؟

ما يزال سبب الضربة الغامضة التي استهدف فيها الطيران الأمريكي موقعاً عسكرياً لقوات النظام، مجهولاً.. لكن ما تلا ذلك يُوحي بشدة، أن الروس مقتنعون أن الضربة مقصودة، وأن في واشنطن من يريد لجم الروس في سوريا عسكرياً، وهو بالطبع، ليس الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

لكن لجم الروس عسكرياً في سوريا، وسط درجة الصلف التي وصلوها، بفعل استهتار أوباما بتمددهم، قد يعني، التورط في مواجهة مباشرة بين الطرفين.

يراهن معظم المراقبين على أن إدارة أوباما، في أسابيعها الأخيرة في البيت الأبيض، لن تقدم على أية مجازفة عسكرية، خاصةً مع التعقيد الذي وصلته الساحة السورية. قد يكون ذلك صحيحاً، لكن أساس المجازفة بات قائماً في علاقات القطبين الأمريكي والروسي، وإن لم يكن أوباما مستعداً للإقدام عليه، فإن التكنوقراط الأمريكي الذي هاله ما نال الهيبة الأمريكية من خدوش بفعل الصلف الروسي، قادرون على إقناع خليفته بالإقدام عليها.

سواء كان هذا الخليفة، هيلاري كلينتون، التي هي بالأصل، غير راضية عن سياسة أوباما المهادنة للروس في سوريا.. أو كان دونالد ترامب، الذي رغم الغزل الذي ساقه لبوتين، إلا أن تركيبته الشخصية قابلة للاستفزاز بسهولة، والصلف البوتيني كفيل بذلك.

وأياً كان الرئيس الأمريكي القادم، فإن الاحتمالات عالية جداً لأن يكون المشهد الدولي مقبلاً على صراع عسكري مباشر بين القوى الكبرى، قد يبدأ سُورياً، قبل أن يتحول ليكون عالمياً.

المدن – إياد الجعفري



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع