أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » يوسف شاهين.. ذلك المجهول

يوسف شاهين.. ذلك المجهول

في مكان ما، لعله مكتب أو منزل، وفي زمن غير معلوم، لعله بداية الثمانينات، اجتمع يوسف شاهين ويوسف إدريس لصياغة قصة فيلم جديد سيقوم شاهين بإخراجه، وبدأت الجلسة بين الاثنين بالحوار التالي: شاهين (محدثًا من يقوم على خدمتهم): ادينا تلج.. عاوز كأس صغير، أنا مبشربش زيادة عن 2 عشان بيجيلي كوابيس غير معقولة. يوسف إدريس (محدثًا الشخص نفسه): أنا لا أسكر (يقصد أنه مهما شرب لايسكر).. وملكش دعوة بيا. شاهين: أنت إسكر أنا مالي.. أنا مبشربش غير 2، عشان بيجيلي كوابيس. إدريس: كوابيس إيه بقى؟ شاهين: معندكش فكرة.. كل يوم أقوم قلبي بيدق بشكل غير معقول.. يا الشقة بتغرق.. حاجات غريبة زي ماكون عيل. ده فَلَتان في المخ. لم يستزده إدريس، ولم يضف شاهين جديدًا عن أحوال كوابيسه أو طرق علاجها. بل دخل يوسف إدريس مباشرة إلى لب الموضوع، فأخبر شاهين عن القصة التي تحدثا عنها في اللقاء السابق، مؤكدًا أن الفيلم يجب أن يبدأ بغرفة المستشفى بينما يرقد شخص أمام الطبيب الذي يسأله عن اسمه، فيبدي المريض استغرابه من أن الطبيب لا يعرفه، لكن الطبيب يخبره بأنه يريده أن ينطق اسمه بينما يحقنه، ثم ينام المريض عقب الحقنة، فتأتي الممرضة لتخبر الطبيب بوجود العديد من الصحافيين في الخارج للاطمئنان على حالة المريض الذي يبدو أنه “شخص مهم جدًا”. هنا يعترض يوسف شاهين، فيخبر إدريس أنه لا بد للمتفرج أن يصنع علاقة مع بطل القصة كي يهتم بحاله، ومن ثم يجب أن يبدأ الفيلم من نقطة أبعد، أي قبل دخول البطل للمستشفى. فيقترح يوسف إدريس أنه من الممكن بدء الفيلم بالبطل وهو يتسلم جائزة نوبل باعتباره عالِمًا مرموقًا. لكن شاهين يعود ليعترض مرة أخرى، لأن ذلك أيضًا لا يحقق تعاطف الجمهور مع البطل. وهنا يقف التسجيل الصوتي للقاء، والمعنون باسم “جلسة تحضيرية بين يوسف شاهين ويوسف إدريس لفيلم حدوتة مصرية”! على القارئ ألا يندهش وإن أنبأ ذلك التسجيل عن فيلم آخر تمامًا، أو عن بطل مختلف تمام الاختلاف عن بطل “حدوتة مصرية” الذي يتناول جانباً من سيرة يوسف شاهين الحياتية، وليس جانباً من حياة أحد العلماء الحاصلين على نوبل. لكن هذا التسجيل (30 دقيقة)، والمتاح ضمن معرض أقامه مركز “سيماتك” في القاهرة، يكشف –كما تكشف بقية محتويات المعرض- عن جانب غير معلوم من العملية الإبداعية لدى شاهين. يحتوي المعرض على صور فوتوغرافية لصفحات من السيناريوهات التي كتبها يوسف شاهين ولم ينفذها، وكذلك من كواليس أفلامه، بالإضافة إلى ثلاثة تسجيلات صوتية، الأول لجلسة التحضير لفيلم “حدوتة مصرية”، الى جانب بروفتي أغنية “حدوتة حتتنا” من فيلم “اليوم السادس”، وأغنية “اهتفوا باسم الإله” من “إسكندرية كمان وكمان”. وقد حصل “سيماتك” على تلك المواد من الأرشيف الشخصي بشاهين، سواء الموجود في منزله أو في شركة الإنتاج التي أسسها “مصر العالمية”، وهي متاحة فقط للاطلاع خلال المعرض، وغير مسموح اقتناء أي منها. وستعرض في معرضين دائمين في العام 2018، الأول في مركز “سيماتك” في فرنسا، والثاني في معرض خاص بشاهين يجري الإعداد له في مكتبة الإسكندرية. أما المعرض الذي تنظمه “سيماتك”، فجاء على هامش ندوة بعنوان “الأعمال غير المكتملة ليوسف شاهين”، لكن تلك الأعمال غير المكتملة ليست أجزاء من أفلام صورها ولم يكملها، وإنما السيناريوهات التي كتبها ولم تنفذ. فيما تبقى أسباب عدم تنفيذه لتلك المشاريع غير معلومة، كذلك لا يتضح تاريخ كتابة بعضها، وقد حاول الكاتب السينمائي محمد المصري، رئيس تحرير مجلة “كراسات سيماتك”، والمتحدث الرئيسي في الندوة، استكناه الأزمنة التي كتبت خلالها من خلال تحليله للنص، وذلك لأنه لم يتوفر لـ”سيماتك” فرصة الرجوع لمن عاصروا تلك المشاريع لأنهم إما فارقوا الحياة أو غير مهتمين بالمساعدة. أما السيناريوهات الخمسة التي استعرضها المصري، فهي بعناوين: “ألف ليلة وتاني ليلة”، “فيلم حليم”، “إسكندرية ليه”، “ندريس”، “هاملت الإسكندراني”. ألف ليلة وتاني ليلة يعد هذا الفيلم محاولة من يوسف شاهين لاستلهام “ألف ليلة وليلة”، لكنه بدا – بحسب المصري- غير مهتم في بداية الليالي كما جاءت في نسختها المعروفة، وإنما ألف فيلمه استنادًا إلى نقطة أبعد من اكتشاف شهريار لخيانة زوجته، وكتب حواره في هيئة أزجال، حيث كان يعده لأن يكون فيلمًا غنائيًا. ويشير المصري إلى أن هذا السيناريو قد كُتب في نهاية الستينات أو أول السبعينات على الأكثر، أما القصة، فتبدأ بزواج شهريار من السلطانة، واستعراض مظاهر حبه لها، قبل أن يكتشف خيانتها، ثم تبدأ رحلته المعروفة مع قتل الفتيات. ويبدو شهريار في سيناريو شاهين، أقرب في شخصيته إلى قناوي (بطل “باب الحديد”)، غير أن الملك يتميز عن “قناوي” بأنه صتحب سلطة، وكأن “الليالي” هي محاول شاهين للإجابة عن سؤال “ماذا لو حاز قناوي السلطة”؟ أما شهرزاد فيراها كعاشقة، وليست كفدائية تريد إنقاذ الفتيات من الموت، وإنما هدفها إنقاذ شهريار نفسه وإنقاذ روحه من غيها، وينتهي الفيلم بثورة الشعب على ظلم شهريار وبطشه، ومن ثم إعدامه وانتحار شهرزاد حزنًا على نهايته المأساوية. أما سبب عدم تنفيذ ذلك السيناريو فيرجع في رأي “المصري” إلى صعوبة تمويل فيلم غنائي ضخم في ذلك الوقت. فيلم حليم أما السيناريو الثاني فجاء بدون عنوان، وإنما اكتفى شاهين بتسميته باسم “فيلم حليم”، وهو مكتوب بخط اليد مباشرة وغير مجموع على الآلة الكاتبة، غير أن خط اليد ليس ليوسف شاهين وإنما لشخص آخر لم تعرف هويته. ويذهب المصري إلى أن هذا السيناريو كتب في العام 1970، وتتناول قصته سمة “الزيف” التي غلفت تلك الفترة، عبر تتبع حياة بطل الفيلم الذي يعمل مذيعًا في الراديو، ويرى المصري أن شاهين كانت لديه رغبة قوية في التعاون مع عبدالحليم، وكان يرشحه للعب دور البطولة في فيلم “الاختيار”، وأن شاهين نفسه كان مرشحًا لإخراج “معبودة الجماهير”. أما ما يلفت النظر في هذا السيناريو، أن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم كان مقرراً لهما المشاركة في هذا الفيلم بأسمائهما وشخصيتهما الحقيقية كمغن وشاعر، غير أن دور الشيخ إمام كان محصورًا في مشاهد قليلة، بينما ظهر نجم كمحركٍ للعديد من الأحداث حتى إنه يساعد بطل الفيلم (عبدالحليم حافظ) في سرقة الشرائط الإذاعية التي تكشف زيف الإذاعة، وينتهي الفيلم بقرار بطله اختيار الحل الفردي بالهجرة خارج مصر، وهو خيار لم يكن مطروحًا في أفلام شاهين الأخرى. أما عن علاقة إمام ونجم بشاهين، فيشير المصري إلى أن شاهين كان معجبًا بمشوارهما الفني، وحاول أكثر من مرة أن يتعاون معهما في أفلامه، وهو ما تم في فيلم “العصفور”، وكاد يتكرر عندما أسند لشاهين إخراج فيلم “معبودة الجماهير”، حيث كانا سيلعبان دورين ضمن شخصيات حارة البطل الشعبية، فيما حكى ناصر حيدر مساعد يوسف شاهين، أن الأخير اتفق مع أحمد نجم على تقديم دور في فيلم “هي فوضى”، وبالفعل اتفق مع الفاجومي وقبض العربون، إلا أنه رفض أن يستيقظ من نومه يوم التصوير ولم يذهب إلى اللوكيشن أبدًا. إسكندرية ليه “إسكندرية ليه” هو فيلم أصدره يوسف شاهين العام 1979، لكن السيناريو الذي عرضه محمد المصري، هو نسخة تختلف عن تلك التي صورت في تفاصيل عديدة، ومنها أن السيناريو ذكر خلال مشاهده والحوارات الدائرة بين الشخصيات عناوين الشوارع والمناطق بدقة شديدة، وهو الأمر غير الموجود كلية في الفيلم، كذلك فإن بطل الفيلم في السيناريو اسمه يحيى قدري وليس مراد ألفي كما ظهر، كما أن هناك مقاطع حوارية لم تكن في السيناريو لكنها ظهرت في الفيلم، وهي جمل كلها تخص محمود المليجي ومحسنة توفيق، ويشير المصري إلى أن شاهين لم يكن يسمح بإدخال أي تعديل على سيناريوهات أفلامه أثناء التصوير، لكنه كان يضع استثناء لكل من المليجي ومحسنة لأن يتدخلوا بالتعديل وقتما أرادوا. وأن المشهد الشهير لمحمود المليجي المعروف بـ”عايزني أكسبها” لم يكن مكتوبًا في السيناريو وأنه من اختراع المليجي نفسه وقت التصوير. كذلك فإن مشهد الافتتاحية بصوت محمود الجندي لم يكن في السيناريو، كما تم تغيير مشهد النهاية بإضافة ضحكة تمثال الحرية. ويشير المصري إلى أن هناك مشاهد حذفت من السيناريو، ويُقدر أنها حذفت أثناء عملية المونتاج، ومنها مشهد لمحامي أحمد ذكي في المحكمة، وكذلك مشهد شراء الجاكتة في نهاية الفيلم. ندريس كان “ندريس” هو عنوان السيناريو الرابع، وترك شاهين ملحوظة باللغة الإنكليزية في نهاية السيناريو القصير الذي كتبه لفيلمه، مفادها “أن هذا الفيلم لابد من إعادة كتابته مرة أخرى، على أن يتم تغيير بطل الفيلم ليكون عالمًا حاصل على نوبل”، وأما قصته فتحكي عن واقعة حقيقية جرت ليوسف شاهين، أنه في العام 2004 دعي إلى مهرجان في إيطاليا، فذهب بصحبة مساعده ناصر حيدر والمنتجة ماريان خوري، ولما ذهبوا إلى هناك وجدوا أن إدارة المهرجان قد خصصت إقامتهم في قصر عريق، وحين وصلوا إليه أبدى ناصر حيدر تخوفه من أن يكون القصر مسكونًا بالعفاريت، وكانت كل من غرفتي شاهين ومساعده في الطابق الثاني فيما تقبع غرفة ماريان بالطابق الأول، وعندما حل المساء لم يستطع حيدر النوم لأنه كان يسمع أصواتًا غريبة، ولما استيقظ شاهين في الصباح سرد له حيدر ما كان من أمره، فوبخه “جو” وأمره بنداء مريان للانضمام إليهم في الطابق الثاني، ففعل حيدر وحين عاد ليخبره بأن ماريان ستنضم إليهما بعد قليل، اندهش يوسف شاهين، قائلا: أمال مين اللي لسه قايلي من شوية صباح الخير يا جو!… وهنا قرر الثلاثة مغادرة القصر. وكُتب السيناريو بأسماء الشخصيات الحقيقية، وكان شاهين يشير إلى نفسه في الحور بلقب “جو”. هاملت الإسكندراني أما السيناريو الخامس والأخير فبعنوان “هاملت الإسكندراني”، ووجدت منه نسختين مختلفتين تمامًا، تحكي الأولى عن شاب اسمه يوسف ابن لحاكم عربي يحكم دولة غير مسماه، ومن صفاته أنه عادل ومستقيم، وقد كتب شاهين بخط يده ملحوظة بجوار وصفه لتلك الشخصية، أنه “الحاكم أقرب إلى صورة عبد الناصر في زماننا الحالي”، ثم يغتال ذلك الأب، وبعد فترة تخبر الأم يوسف ابنها أنها ستتزوج عمه لأنه سيكون الرئيس الجديد للبلاد وأن الزواج سيمنحه الشرعية، ثم يكتشف يوسف أن عمه من قتل أباه ليبدأ رحلته في الانتقام. أما السيناريو الآخر فعن مخرج يقدم معالجة لقصة هاملت على المسرح. الأفكار لها أجنحة عندما انتهت الندوة، بدأ الحضور يتفقد المواد المتاحة في المعرض، ولم أكن شغوفًا بالإطلاع مليًا على الصور الضوئية المعروضة لبعض من صفحات سيناريو الأفلام الخمس، لضيق الوقت في ظل كثافة الحضور، فاتجهت إلى ركن المرفقات الصوتية؛ لقد كان يوسف شاهين، مخرجًا غير عادي بأي حال من الأحوال، فلا يمكنك كمشاهد اطلعت على أعماله أو سيرته الذاتية أو حواراته، أن تُكون صورة راسخة عن شخصيته، فحتى انفعاله الذي اشتهر به يبدو غير حقيقي، لا وجود له على الإطلاق خلال الجلسة المسجلة، على العكس، يستمع كل منهما (إدريس وشاهين) إلى استعراض الآخر لذاته وأفكاره –حتى وإن كانت لغوًا لا طائل من ورائه- في إنصات واتزان شديدين، وأما أفكاره فليست مجرد أفكارًا متحررة، وإنما حرة في ذاتها، قد تولد من العدم وتذهب إلى العدم، أو من العدم فتتطور، أو منه إلى التمرد على نفسها وعلى شاهين ذاته.

المصدر: المدن – أحمد شوقي علي