أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » روسيا تسترضي السنّة؟

روسيا تسترضي السنّة؟

هل تستطيع روسيا تحمّل أن تكون الدولة الغربيّة (ربما قرأ البعض أنّها الأرثوذكسيّة أو المسيحيّة الغربيّة) التي تقتحم بجيشها (حتى لو اقتصر على الطيران) مدينة عربيّة سنيّة في سوريا؟ هل تتحمّل إيران أن يكون جيشها أو ما يشبهه، سيفاً يفتك بمدينة عربية- سنيّة في سوريا، أي خارج حدودها؟ إذاً، هل يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عبر قمته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى بدء جهد استراتيجي لاستدراج “رضى” سنّي و/أو سنّي عربي، على “تحالف أقليات” في المنطقة العربيّة؟ هل يكون ذلك التوازن- المعجزة (بمعنى إمكان عدم تحقّقه أيضاً) هو المدخل لاستعادة استراتيجيّة لنفوذ روسي واسع في المنطقة؟ هل تكون حلب نقطة اختبار لمدى تحمّل أميركا وجود قوة دوليّة اخرى في الشرق الأوسط الذي استقلت عن نفطه كما صارت أكثر اهتماماً بشرق آسيا منه؟ إذا صحّ ذلك، مع إمكان عدم تحقق تلك المقاربة الاستراتيجيّة، فربما يكون مدخلاً لزيادة وزن القطب الروسي دوليّاً يرفع تأثيره في النظام الدولي، إلى حدّ زيادة قربه من أوروبا: الحليف الأميركي الثابت منذ وقت طويل. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تكون روسيا قطباً موازياً لأميركا التي ما زالت قوة كبرى وحيدة عالميّاً. واستطراداً، الأرجح أنّ قمة بوتين- أردوغان ستترك مفاعيل أوسع من أوكرانيا وحربها وعقوباتها (بدأ ذلك فعليّاً، مع “تركيش ستريم”)، وكذلك أبعد من الحديث الغائم حتى الآن عن حلف ثلاثي روسي- إيراني- تركي. حلب التي لا تغيب… الأرجح أنّ تعبير “تحالف أقليات” ليس موفقاً، ببساطة لأنه لا وجود لذلك التحالف، بل يُستخدم المصطلح هنا بمعنى مجازي بات شائعاً. إذ يُقصد منه أنّ صعود إسلامويّة تكفيريّة متطرفة (ثم أضيفَ الإرهاب إليها عبر “داعش”) جعل “نسيجاً ما” يسري بين مكوّنات عربيّة دينيّة، سالت منها دماء كثيرة بطرق مرعبة، على أيدي “داعش” و”النصرة”، بمزاعم إسلامويّة فائقة الشطط. واستطراداً، يشير المصطلح أيضاً إلى حال تفارق وتنافر بين مشاريع المكوّنات الدينيّة في المنطقة العربيّة ومجتمعاتها، مع استثناءات قليلة. وكذلك ربما لا يكون تعبير “نظام دولي متشابك” مريحاً، لكنه يستأهل التفكير فيه. هناك دولة تركيا الأطلسيّة، تعلن أنها تتجاوز الأطر التقليديّة، لتنسج علاقات استراتيجية مع روسيا التي “تتصارع” (بمعنى أنها تتلاقى أيضاً، ولا تتناحر) مع حلف الأطلسي. وتلك مجرد نقطة صغيرة في بحر التشابك. وقبل ملاحقة الخريطة المعقّدة التي يعمل بوتين على نشر نفوذ روسيا فيها، ضروري التذكير بأن خلفية المشهد العام تتضمّن انتقال النظام العالمي من الأحادية القطبيّة الأميركيّة إلى نظام من التشابك الدولي بين أطراف ليست متساوية، لكنها ليست متناحرة. ومن المهم التشديد على ذلك، للخروج من المقارنات الممتدة من “سايكس- بيكو” التي رسمت خريطة المنطقة العربيّة، و”الحرب الباردة” بين الدب الروسي والنسر الأميركي وغيرها. لقد تغير العالم، ولعله من المهم التفكير في متغيراته، مع الأخذ بعين الاعتبار التاريخ الذي يحضر في ثناياه باستمرار. إذاً، ذهب بوتين إلى أنقرة، بعد تقارب قوي (خصوصاً، الاتفاق على وضع سقف لإنتاج النفط مع موافقة سعوديّة لافتة) مع دول الخليج العربي التي يفترض أنها تشارك تركيا في دعم مقاتلي الثورة السوريّة، بل ربما قوى إسلامويّة متطرفة تساهم هي أيضاً في تعقيد صورة الثورة السوريّة. من الواضح وجود تقاطع دولي واسع حول التخلّص من الجغرافيا السياسيّة لإرهاب “داعش” (وهو لا يعالجها كإرهاب)، لكن التقاطع أقل كثيراً حول مسار ذلك، وكذلك ما بعده، وكذلك الحال لا يشمل ذلك التقاطع الدولي قوى الثورة السوريّة أيضاً. في ذلك المعنى، تفيد وساطة تركيا في تعزيز الوزن الروسي استراتيجيّاً في المنطقة التي يمسك القطب الأميركي بها بقوة، على رغم متغيّرات في العلاقات مع دولها الرئيسيّة المؤثّرة. ويعني ذلك أيضاً أن معركتي “دابق” و”الباب”، تعنيان تقاطع تركيا مع روسيا وأميركا سويّة، وتنافرها مع أميركا في المعطى الكردي، وحضور تركيا في سوريا ما بعد “داعش”، واستمرار العلاقة القويّة بين تركيا والقوى الأساسيّة للثورة السوريّة، ومعظمها يعادي روسيا. هل تلعب تركيا دور الوسيط بين روسيا والثورة السوريّة؟ هل تكون المساعدات إلى حلب بداية تلك الوساطة؟ في تلك الخيوط المتشابكة، تنفتح مساحة صغيرة للقول بوجود سعي روسي لنيل نوع من الموافقة (أو الرضى أو التسليم بالأمر الواقع)، من المكوّن العربي/العربي- السنّي على المشهدية الجديدة لتوازع النفوذ الدولي في المنطقة. واستطراداً، من الواضح أن دول المشرق العربي ستعاني مستقبلاً هشاشة داخلية واسعة ومستمرة، إلا إذا ظهر مشروع سياسي ضخم يعبر المكوّنات الدينيّة فيها بصورة إيجابيّة، ويستطيع أن يتعامل إيجابيّاً أيضاً مع المكوّنات القوميّة، خصوصاً الكرد. وتستمر تلك المعاناة، حتى لو تفتت تلك الدول، بل ربما كانت ثمناً لمنع تفتت الجغرافيا السياسيّة في المنطقة. الموصل: لا حلف مع إيران تملك تركيا علاقة خاصة مع الدول العربيّة التي “ولدت” من رحم سقوط الإمبراطوريّة الإسلاميّة في مرحلتها العثمانية، ظهّرته ـ”اتفاقية سايكس- بيكو”، وقبلها “معاهدة كوتاهيا” وغيرهما. وحينها، كانت روسيا عدواً لدوداً تاريخيّاً لتركيا، خصوصاً في حروب القرم، فيما كانت بريطانيا وفرنسا حليفتين مفترضتين لتركيا، وهما متفقتان على تقاسمها. ولم يكن ذلك بعيداً من مسألة الأقليات التي شكلت مدخلاً رئيسيّاً لتدخل الدول الغربيّة في الإمبراطوريّة الإسلاميّة. شمل ذلك أساساً الأقليات الدينيّة، وامتد إلى القوميتين الأرمنيّة والكردية، وهما تحتاجان نقاشاً منفصلاً. وفي خلفية مشهد بوتين- أردوغان، يحضر الانقلاب الفاشل في تركيا الذي أشار إلى نهاية التدخل الواسع في البلدان العربيّة، لمصلحة إعطاء الأولويّة للحفاظ على وحدة الدولة التركيّة، بمعنى مواجهة صعود العامل الكردي المهدّد لتوازناتها. وتحتفظ روسيا بعلاقات قويّة مع الكرد في سوريا والعراق، من دون الوصول إلى تأييد إقامة دولة كردية مستقلة، ما يبعدها قليلاً عن تركيا، لكنه يقرّبها من… أميركا! واستطراداً، لا تؤيّد أميركا أيضاً دولة كرديّة مستقلة (خصوصاً أن تكون في كردستان التاريخيّة)، لكنها تلقي بثقلها مع الكرد في سوريا والعراق ضمن مسار الخريطة المتغيّرة للمنطقة. ويدل التعامل الأميركي مع تناقضات كرد العراق على حدود تأييدها لهم، كما أنّ عدم مسارعتها إلى إنشاء دولة للكرد في العراق يؤكد ذلك، خصوصاً أن كردستان العراق فيها مقوّمات دولة أكثر من “كوسوفو”. ونشأت الأخيرة في زمن الأحادية الأميركيّة، ما يشير مجدداً إلى التداخل المرّ بين الصراعات التاريخيّة الإقليميّة والأقواميّة من جهة، ومتغيّرات التاريخ التي لا تتوقف من الجهة الثانية. واستطراداً، تُظهر معركة الموصل المنتظرة، التشابكَ الإقليمي بجلاء، وفي مواجهة داعش. هناك الجيش العراقي لنظام قريب من إيران مع مسافة ما منها. وهناك “الحشد الشعبي” فائق القرب من إيران، ويثير خوفاً أصيلاً من مجازر مذهبيّة في الموصل، ربما مهدّت لظهور “داعش-2” مجدداً. وهناك البيشمركة الكرديّة السنيّة، التي تثير حساسيّة عرب سنّة في الموصل، خصوصاً أنها انزلقت إلى ممارسات انتقاميّة بعد سقوط نظام الديكتاتور صدام حسين، لكنها تريثت كثيراً قبل قتال “داعش”. وهناك “الحشد الوطني” من عشائر سنيّة عربيّة، ربما لا ينفر كثيراً القوات التركيّة في العراق، خصوصاً إذا تفجرت مقتلات مذهبيّة. وتحاول الولايات المتحدة قيادة ذلك التنافر المتشابك، من دون أن تسمح لإيران بالتغوّل في معركة الموصل، كما تحاول إيجاد حل للمشاركة المقلقة لـ”الحشد الشعبي”. وبوضوح، نجحت أميركا في منع روسيا من الدخول مباشرة على خط معركة الموصل، لأن حسابات العراق ونظامه تختلف عن حسابات طغمة بشار الأسد. ولنتذكر أيضاً أن سوريا هي المرتكز الذي انسالت منه حدود الدول العربيّة، منذ “سايكس- بيكو” إلى تفتت دولة الوحدة مع مصر، إلى التفتت الحاضر في حدود دول المشرق العربي. فهل إيران هي فعليّاً قوة اقليمياً قادرة على التدخل العسكري المباشر في المدى الاقليمي الذي يتحرك فيه نفوذها؟ سيكون ذلك تفسيراً واسعاً لحدود اتفاقها النووي، بالأحرى، سيكون تورّطاً مذهلاً في سوء قراءة ذلك الاتفاق. إذاً، لا حلف لتركيا مع روسيا، ولا تحالف ثلاثياً مع روسيا وإيران. لا يعود ذلك إلى عوامل إيديولوجيّة مع روسيا العلمانية، أو عوامل مذهبية مع تركيا “السنيّة” (الوصف ليس دقيقاً، لكنه يصح تقريبيّاً في وصف السياسة التركية في المنطقة العربيّة). لنتذكر أن علاقات اقتصادية مذهلة تربط تركيا وإيران، خصوصاً النفط والغاز. قبل “الربيع العربي”، كررت قيادتا البلدين أنهما، سويّة، المركز الفعلي للشرق الأوسط. لا تحالف، لكن تركيا وإيران تلتقيان في عدم تأييد دولة كردية، رغم علاقة وطيدة بين إيران والكرد في العراق، بل وعلاقة غير منقطعة تركياً، كما دلّت زيارة مسعود بارزاني لأنقرة مؤخراً.

المصدر: المدن – أحمد مغربي