أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » حمزة رستناوي: على ضفاف المنطق الحيوي مع حمزة رستناوي

حمزة رستناوي: على ضفاف المنطق الحيوي مع حمزة رستناوي

جاء هذا الحوار على ضفاف المائدة الثقافية لمجموعة ( منازل الشعراء), حيث استضافتْ الشاعر و المؤلف حمزة رستناوي, ضمن نشاطات شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2016 , و سنعرض هنا للجزء الخاص بنظرية المنطق الحيوي من الحوار مكتوبا.

*أسئلة د. مهنا الرشيد – ناقد و اعلامي سوري:
المفكّر دكتور حمزة رستناوي تحيّة طيّبة وبعد: يشدّني العمق في كتاباتك لذا أودّ محاورتك في بعض مما ورد في (منطق الجوهر):

أولاً: عقلنة الدين في اعتقادي تنفي عنه بعض الأحيان صفة الدين , الذي يتطلّب تسليماً بطريقة منطق الجوهر, كالتسليم بوجود الملائكة دون أن نراهم، (منطق الجوهر ص٢٤) فما رأيك؟
الجواب 1: بالنسبة للدين او العقيدة عموماً , مقياس العقيدة ليس في علميّتها أو كونها تملك برهان حدوث تجريبي كما هو الحال في العلوم والفيزياء والرياضيات وغيرها , ولكن مقياس العقيدة هي في صلاح المؤمنين بها , وصلاح المؤمنين بها ليس هو بناء على معيار فئوي , على سبيل الانسان مثال يؤدي الصلاة أو الزكاة .. الخ , هذا صلاح بمعايير فئوية الجماعة المؤمنة , ولكن الصلاح هو بمعايير الانسجام مع بداهات الحياة والعدل والحرية , أي أن المؤمن الصالح هو مؤمن صالح بمعيار عموم الناس عبر العصور والمجتمعات , وبالتالي أنا لا أطلب تحويل الدين إلى علم , و أعترف بوجود الغيب أو بوجود بعد ميتافيزيقي عقائدي ولكنه بعد ملزم للمؤمنين به وليس ملزم للآخرين .

ثانياً: نقد صلاحية نصوص الدين أمام المنطق الحيوي هو نقد لصلاحية الإيمان بها , فكيف تقول إنك لا تريد مقاربتها من وجهة نظر إيمانية تبجيلية , إذ كيف لنا أن نؤمن بما لا ينسجم مع مسطرة المنطق الحيوي , ما دامت أفضل مساطر القياس من وجهة نظرك؟ (منطق الجوهر ص٢٤)؟
الجواب 2: مقايستي لنصوص الخطاب الديني كما ورد ت في كتاب : أضاحي منطق الجوهر , ليست لنقض صلاحيات الإيمان الديني بحد ذاته , وليس كذلك لمقاربة الخطاب الديني من وجهة نظر إيمانية تبجيلية , فأنا لست فقيهاً , وبالمقابل لا أعرض للقضية من وجهة نظر كارهة للدين أو ضد الدين , أتعامل مع النصوص المقدسة والإسلامية ضمناً من زاوية أو مبدأ الحياد الإيجابي , أي لا أقاربها بصفتي من داخل المنظومة الإيمانية , ولكن أتفهم صلاحية وجود هذه المنظومة الإيمانية وأسعى لتطوير صلاحيتها , كخلاصة : المقايسة هي ليست للمصالح الإيمانية بحد ذاتها , ولكن هي مُقايسة للمصالح السياسية والمصالح ما قبل السياسية التي تؤسِّس للسياسي والتي تتحوَّاها هذه النصوص المقدسة , أي مُقايسة لمفاعيل الخطاب الديني في الشأن العام والفضاء العام للجماعة .

ثالثا: القومية تذكي شعور الانتماء إلى الجماعة , وفي اللحظات الحرجة يتخلى دعاتها عن الجماعة التي أذكوا نار الانتماء لها وقد يتحالفون مع عدو القومية اللدود بالاستفادة من براغماتية المنطق الحيوي النفعية, وذلك لحماية مصالحهم الشخصية الضيقة لا مصالح القومية ولا الأمة؟
الجواب3 : إن نكوص التيارات القومية العربية وتحولها إلى عصبويّات سلطوية تؤله السلطة ليس جديداً , فقد بدا ذلك واضحاً مع نكسة حزيران 1967 والهزيمة العربية الشاملة آنذاك , المنطق الحيوي لا علاقة له بالبراغماتية الانتهازية السياسية ,بل هو يدينها بوصفها ازدواجية معايير , وبصفتها تمركز مصالح جوهرانية هدفها السلطة بدون مفاعيل أو التزامات تجاه الجماعة أو الشعب السوري أو الشعوب العربية التي استلمت هذه التيارات القومية البعثية أو الناصرية منها السلطة بناء على شرعية جارفة مُستمدّة منها , و بناء على شعارات كان يؤمن بها قطاعات كبيرة من العرب آنذاك .

رابعا: المصلحة والشكل هما ألف باء المنطق الحيوي , وفي معظم الخطابات نجد تعارضا في المصلحة بين مرسل الخطاب وجماعة المتلقين, او بالأحرى يعمد المرسل الى تخدير المتلقي وتضليله كي لا يكتشف اختلاف المصالح بينهما ؟
الجواب4 : إن مقايسات المنطق الحيوي وهي الصيغة التطبيقية من المنطق الحيوي تقايس المصالح التي يعرضها النص, وليس المصالح التي يعرضها مرسل الخطاب , أو مصالح مُتلقي محدد ,أي أننا نتعامل اجرائيا مع فرضية موت المؤلف . باختصار أنا أمامي نص , ماهي المصالح التي يعرضها هذا النص , وبالتالي بغض النظر عن النيات أو الخبايا أو كيف يتم تلقيه ..الخ و هذه نقطة أولى. النقطة الثانية هي أنّ مرجعية المنطق الحيوي هي مفهوم الشكل الحيوي , و نحن نجري القياس الحيوي للمصالح المعروضة باستخدام تقنية وحدة مربع المصالح بالاستناد الى مرجعية البداهة الحيوية الكونية , أي مرجعية عامة الناس عبر العصور , وليس عامة الناس في جماعة مهما كبرت , أو في عصر معين مهما امتد هذا العصر , أي أن المقايس الحيوي عندما يلجأ إلى عملية القياس يجب أن يخرج من ذاته , يحاول قدر الإمكان أن يبتعد عن المشهد , وهي تقنية مستخدمة في علم النفس أن تنظر للمشهد من خارجه , وبمقدار ما يملك القدرة على الخروج من المشهد و رؤية الأمور بشكل موضوعي , عندها ستكون المقايسة أكثر نجاحاً , و القياس عمل قابل للتدقيق, و يغتني بالتجريب , ولا يُلزم إلا بحدود ما يُثبت من قرائن وبراهين .

خامسا: الكون كله في تبدل مستمر في منطق القياس الحيوي, فعندما نختار جوهر قائد ما فإننا نختاره في لحظة ثبات محددة وفقا لبرنامج انتخابي محدد, فإن ثبت جوهر القائد مع تغير الواقع مشكلة ,وإن واكب التغير بما لا يتفق مع مصالحنا مشكلة أخرى؟
الجواب 5 : لا يوجد شيء اسمه جوهر قائد , القائد بشكل عام أو القيادة هي أحد أبعاد الكينونة الاجتماعية البشرية , فالبعد القيادي يؤثر ويتأثر بالأبعاد الأخرى لهذه الكينونة من ارض وزمان وسكان وعلم وعمل,,, , ومهما حاول قائد معين أن يقدم نفسه بصفته جوهرا ثابتا خالدا ساميا عظيما مختلفا عن الآخرين , فهذا هراء وهو أمر منافٍ للبرهان , فالقائد يدور عليه الزمن ويتغير يولد يموت يمرض .. الخ يرتكب أخطاء , وقد يرتكب جرائم يتم ترقيعها بالإعلام و من المريدين , ولكن بالنهاية عندما نضعها على مشرحة النقد والقياس وبالذات بعد تقادم الزمان سوف تبين حقائق إضافية , سوف لن تصمد صورتهُ السابقة كذلك. المنطق الحيوي أزعم أنه متخصص بكشف العنصرية وازدواجية المعايير وقد طور مجموعة من التقنيات , و أقصد تقنية مربع المصالح بنسخه المتعددة , لكشف ازدواجية المعايير , ومنطق الجوهر الكلي أو الجزئي أو الحيوي كما لا يتسع المجال لتفصيلها في هذه العجالة .

سادساً: الجواهر جواهر بالإضافة إلى محدداتها الأخرى, وليست جواهر بذاتها على الإطلاق؟
الجواب 6: من الضروري بداية تعريف الجوهر, لنحدد ما نتكلم عنه وخصوصاً أنها مفردة غير شائعة الاستخدام كثيراً في الخطاب المعاصر , الجوهر وفقاً للفلاسفة المشائين و أرسطو , أنه الموجود القائم بنفسه حادثاً كان أو قديماً ويقابله العرض , ويطلق الجوهر كذلك على الذات القابلة لتوارد الصفات المتضادة عليها أي الأعراض , عملياً في المقولات العشر لأرسطو المقولة الأولى هي : الجوهر الثابت والمقولات الأخرى هي الأعراض المتغيرة , لا اريد هنا أن اتورط كثيراً بموضوع فلسفي , و لكن سوف أذكر مثالاً يوضح المقصود من الكلام , مثال الكأس , فوفقاً لنظرية أرسطو حول الجوهر , يوجد هوية جوهرانية ثابتة للكأس , ويوجد بالمقابل أعراض متغيرة هي أن يكون الكأس في وضع معين ,أو مكان معين , في لون معين ,أو استخدام معين .. الخ , وهذه فرضية خاطئة منافية للبرهان , إذا جرّدنا الكأس أو أي كينونة أخرى من أبعاد وجودها أو من أعراضها لا يتبقى منها شيء , لا أستطيع أن أتكلم عن كأس بدون مكان , لا أستطيع أن أتكلم عن كأس , بدون زمن , لا أستطيع أن اتكلم عن كأس بدون شكل معين في الفراغ , لا أستطيع أن أتكلم عن كأس بدون استخدام أو توظيف معين! , إذاً فالكينونة ليست جوهرا ثابتا ولكنها طريقة تشكل للأعراض, في شروط معينة , وأبسطها بعدي الزمان والمكان , وبالتالي لا يوجد جوهر ثابت للهوية , فهوية الكائن هي شكل يتشكل في أشكال متعددة , ربطاً بسياقات وجود الكينونة نفسها. إنّ مقولة الجوهر رغم كونها منافية للبرهان تجد تعبيراتها في جواهر مختلفة , القانون العام لا يوجد إلا بشكل متعين , و هذه الحالات المتعينة بمجملها تعبر عن القانون العام , وبالنسبة لمنطق الجوهر كيف نقول عن الشي أنه قائم بنفسه ومستقل عن الأعراض! خطورة مفهوم الجوهر ليس في كونه موضوعا فلسفيا , بل في كونه الجذر المنطقي لازدواجية المعايير ,وهنا تكمن خطورته وضرورة فضح أو تبيان الضرر الناشئ عنه, و كونه الجذر المنطقي للظلم و الاستبداد و الاحتلال و العنصرية و الطائفية .

السؤال السابع : حسن الراعي – شاعر سوري:
تعرَّفت من خلال كتابك ” أضاحي منطق الجوهر ” على آلية نقد مميزة ونافذة وحيوية ,لكن ألا تعتقد أن هذه الآلية أهملت جانبا هاما من النصوص المُقاسة حين لم تنظر في مقدماتها الغائبة , وما فيها من أدلة وحجج وإنما اكتفت بقياس النص منعزلا عن أسبابه ؟
*الاجابة: يوجد نوعين في مقايسات المنطق الحيوي , القياس الأول وهو قياس وصفي يُقايس النص كما هو معزولاً عن مؤلفه وبيئته وسياقاته يحاول استنطاق مصالح النص , أمّا النوع الثاني من القياسات فهو القياس التفسيري : حيثُ يقايس النص في سياقاته الظرفية والسياقية والتاريخية , النوع الثاني يحتاج الى مُقايس متخصِّص وهو أكثر عرضة للخطأ مقارنة بالقياس الأول , على كل حال عندما تكون نتيجة قياس مصالح أحد النصوص على سبيل المثال صراع مع وجود قرائن لجوهر كلي بقرائن كذا وكذا , هذا يُدين المصالح العنصرية التي يعرضها النص ,وبالتالي تدين مصالح كل النصوص المشابهة. ما اسعى إليه – ولا اعرف مقدار نجاح ذلك – هو وزيادة الحساسية لكشف جذور العنصرية , وكشف الحيل التي تعرضها مصالح هذه النصوص , بما قد يُفضي إلى تجهيل القارئ و تجيشه في عكس مصالحه ومصالح مجتمعه وأمّته.

* تعريف مختصر بمدرسة دمشق للمنطق الحيوي: مدرسة فكرية ذات حدوس عملية اجتماعية سياسية, أسسها الفيلسوف السوري د. رائق النقري عام 1967 و زملائه عقب الهزيمة العربية الشاملة في نكسة حزيران, حيث نظرت هذه المدرسة إلى هزيمة حزيران بما يتجاوز كونها هزيمة عسكرية فقط الى كونها هزيمة حضارية ناتجة عن سيادة أنماط التفكير الأحادي بصيغه الماركسية ، الإسلامية ، القومية ، تقوم المدرسة على مفهوم الشكل الحيوي كطريقة لتفهُّم الوجود , و تؤمن بإمكانية تطوير صلاحيات الكائن بالاستناد إلى مرجعّة البداهة الحيوية الكونية للمصالح المشتركة, و هي ليستْ مدرسة بالمعنى الإداري, بل ينبغي النظر إليها كَنَسَبْ و مشروع فكري متجدِّد. و قد حيث سبق للرستناوي أن نشر عشرات المقالات و المقايسات ضمن مشروع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي , و صدر له كتاب : أضاحي منطق الجوهر ” دراسة في تطبيق مقايسات المنطق الحيوي على عينات من الخطاب الإسلامي المعاصر ” 2009 , بالإضافة الى كتاب جديد قيد الطبع بعنوان ( في البحثِ عن منطقِ الحياة: لماذا الأمُّ تحبُّ أولادَها و تكرهُ الفلاسفة!)