أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » فاطمة العلي: شؤون وشجون اللاذقية مع النازحين الجدد اليها

فاطمة العلي: شؤون وشجون اللاذقية مع النازحين الجدد اليها

عوامل عديدة توّفرت لمدينة اللاذقية جعلتها مميزة بين المدن السورية, وربما بين كل المدن الساحلية في العالم .

من أهمها جمالها الطبيعي الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لها والذي جمع بين سحر الغابات وجنيات البحر, إضافة الى  مناخ معتدل لايعرف الفوارق الكبيرة في درجات الحرارة ليلا ونهارا أو صيفا وشتاء .

ومنها أيضا تاريخها العريق حيث شهدت أقدم الممالك في التاريخ , تلاه عزوات من امبرطوريات عديدة تعاقبت علىيها مما جعلها تفيض بالاثنيات والأعراق والقوميات والطوائف الدينية . تفاعل الجمال مع التاريخ لينتج مدينة يتعايش فيها الجميع متحابون متسامحون فيما بينهم لدرجة جعلت الشعراء يحتارون في ذلك التسامح والتنافس الشريف فقال أحدهم .

في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والمسيح

هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة تصيح

كلٌ يؤيد دينه  يا ليت شعري ما الصحيح ؟

نلمس ذلك التميز في المدينة بموقفها تجاه النازحين الجدد اليها منذ ان ابتدأ الصراع في سوريا وعليها قبل أكثر من خمس سنوات .

هرب الكثيرون من جحيم القصف الذي اشتد بين الجيش  والمسلحين في الشمال السوري, بعضهم شّد الرحال الى تركيا ومنها الى أوروبا وآخرون من الحلبيين والأدالبة كانت وجهتهم مدينة اللاذقية.

تضاعف عدد سكان اللاذقية خلال اقل من خمس سنوات نتيجة ذلك النزوح ويمكن التمييز بين فئتين من النازحين اليها .

فئة استشعرت الخطر على مستقبل المناطق التي تسكن فيها  فجمعت ما خف حمله وغلا ثمنه إضافة الى ما استطاعت توفيره من نقود  واتجهت الى مدينة اللاذقية, هؤلاء سكنوا بيوتا في المدينة او ضواحيها  سواء عبر استئجارها او شرائها   .

وفئة ثانية لم تغادر بيوتها الا بعد انهمار القذائف عليها وتشردها رغما عنها, وهي التي تسكن حاليا المدينة الرياضية والمدارس والملاجئ وتحت الجسور وبين الحدائق في المدينة .

سأنقل هنا بأمانة مشاهداتي لبعض مظاهر التعايش الجديد في مدينتي التي احبها  .

في البناية التي اسكن فيها تجاورت أنا وعائلتي مع عائلة حلبية سكنت فوق شقتنا حيث أجّرها صاحب الشقة لهم لأنه يمر بضائقة مالية( حسب قوله) ,وانتقل هو وعائلته ليسكن في بيته الريفي الأصلي داخل قريته المجاورة للمدينة . 

العائلة الجديدة هي عشيرة مؤلفة من أفخاذ وبطون , وجميعهم حلبيون أصلاء متمسكون بعادات وتقاليد تربى عليها اهل السنة في حلب تاريخيا مثل الفصل بين الجنسين بعد البلوغ وإلزام الأنثى بالحجاب . 

وعندهم تعرفت على ربة عائلة تزورهم باستمرار وهي تسكن المدينة الرياضية , لا أنسى كيف انفجرت يوما بالبكاء أمامي نادبة حظها لأنها لم تغادر مثل جيراننا  الا بعد أن سقط  صاروخ على  بنايتها ودمر شقتها . بكت بمرارة قائلة : تصوري ياجارتي أنني انا وزوجي تعبنا سنوات طويلة حتى استطعنا شراء شقة فرشناها بعرق جبيننا قطعة اثر أخرى, وعاما بعد عام, من البراد الى الغسالة الى الأرائك , وفجأة نخسر جني عمرنا ونصبح في الشارع لا لذنب ارتكبناه .

هذا الصيف زوّجت العائلة أحد أبنائها وهو لم يتجاوز العشرين من عمره وشهدت الحارة طقوس عرس حلبي مختلف عن اعراس اللاذقية, وعندما عاتبت الأم في جلسة حميمية  على هذا السلوك لأن ذلك سيزيد من أوجاع العائلة , أجابتني ان عائلات حلبية عديدة رزقت اكثر من مولود في اللاذقية وأن الرزق على رب العالمين .

بعض تلك العائلات  استأجر في القرى المحيطة باللاذقية مثل القنجرة وكرسانا وبكسا ومشقيتا وكلها قرى علوية لها عادات وتقاليد وطقوس مختلفة عن طقوس أبناء السنة .

كان رجال تلك العائلات يسهرون مع جيرانهم, وكانت النساء تحضر تلك السهرات,وتشارك في الحديث , وهو ما شجع الرجال الحلبيين مع مرور الوقت لاصطحاب نسائهم ايضا الى تلك السهرات.

أتردد انا وعائلتي كل صيف الى مسبح نادي المعلمين كوني عضوة أصيلة في النقابة, والمسبح متواضع وأنيق ونظيف مثله مثل المعلمين الذين ينتمون اليه. يجاوره من الغرب مسبح فندق الميرديان الشهير ومن الشرق مسبح نادي الضباط .المسبح محاط بشاليهات صغيرة بناها أهل قرية دمسرخو – الملاك الأصليين للأرض-  طمعا بأجر محترم أثناء الصيف , حيث لايسكنها أحد بقية الفصول . ولكن ومنذ بداية الصراع في سوريا تم استئجار تلك الشاليهات صيفا شتاء من عائلات حلبية,  وقد شهدت في المسبح طوال أعوام الصراع تجاور المحجبات وحتى المنقبات أحيانا مع لابسات البكيني وخاصة يوم الأحد , لم الحظ أي شكوى وأي تذمر من الجهتين, على عكس ما جرى ويجري في شواطئ فرنسا حول ما يسمونه ( البوركيني ).

في حارتنا فرن كبير اسمه فرن الريجي يختلف عن بقية أفران ساحة الشيخ ضاهر مثل فرن قباعة وفرن السيك وغيرهم كونه كان وما يزال يبيع الخبز من شّباكه بدون تحديد سورين متوازين يجبران الزبون على ان ينتظم في دور قبل الوصول الى بائع الخبز. ولكن الازدحام الذي شهده الفرن في اللاذقية بعد تضاعف عدد ساكنيها جعله يشهد الكثير من التدفيش والتلطيش أمام شباكه , كل ما عمله صاحب الفرن للتخفيف من الأزمة هو  فتح طاقة جديدة بجوار الشباك خصصت للنساء كي لا تختلط أجسادهن بأجساد الرجال على باب الفرن.  ما شهدته بأم عيني سلوك الكثير من الحلبيين المراوغ من أجل تامين أرغفتهم الذي يُعد بعرفهم  نوعا من الشطارة  عبر اختراق الدور والتحجج بحاجتهم الى الوقت , أهالي حلب اشطر من أهالي اللاذقية فقد علمتهم المدينة اللف والدوران في السوق من أجل تصريف بضاعتهم, لكن مع مرور الوقت تعلم الجميع الانتظام بالدور الى حد ما, بدلا من التشاطر على بعضهم لكي يصلوا الى أرغفة الخبز  .

وليت النازحون اقتصروا على أهل حلب , فقد وفد الى اللاذقية الكثير من النازحين جاؤوها من سهل الغاب في حماه , كما ان العديد من أبناء ريفها سواء من الحفة أو صلنفة او سلمى او جبل الأكراد او جبل التركمان نزحوا الهيا هربا من جحيم الكّر والفّر بين الجهتين المتحاربتين, والكل بعد فترة من نزوحهم بدؤوا  يفتشون عن مصدر رزق مثل البيع على عربات الخضار أو التبسيط على الشوارع بالمعلبات والثياب وغيرها, مما جعل شوارع وأرصفة المدينة مكتظة بالناس, ورغم ذلك تسير الحياة في المدينة بهدوء وسلاسة بفضل وعي سكانها القدامى الأصليون .

هكذا تسير الحياة في اللاذقية , لم اشهد حادثة واحدة  تخاصمت فيها عائلة سنية مع عائلة علوية, ولم اسمع عن عائلة نصبت خيمة لها في الحديقة قد تعرضت لأي نوع من الأذى رغم ان اللاذقية مثلها مثل بقية المدن السورية تشهد تجييشا طائفيا يستحضر كل عفن الماضي وتشترك في تسعير لهيبه جهات داخلية وخارجية لأغراض سياسية تخصها .

لكن الأمر يختلف في مدن أخرى مثل مدينة حمص حيث تناهى الى سمعنا أكثر من حادثة وأكثر من مشادة طائفية وأكثر من هجوم على خيم للنازحين فيها .

فاطمة العلي: كلنا شركاء



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع