أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » من الصحافة الاسرائيلية: شجاعة حلب
من الصحافة الاسرائيلية: شجاعة حلب

من الصحافة الاسرائيلية: شجاعة حلب

ربع ساعة فقط. متطوعو «الخوذات البيضاء»، التنظيم المحلي للدفاع عن مواطني سوريا، لديهم فرصة لربع ساعة أو نصف ساعة من اجل اخراج الجثث والمصابين من بين الانقاض وعدم تعريض حياتهم للخطر. لقد تبنى النظام السوري وطائرات سلاح الجو الروسي مؤخرا اختراعا وحشيا بشكل خاص، يهدف إلى الحاق الضرر المزدوج: التركيز على هدف ما وقصفه، وانتظار وصول طواقم الانقاذ ـ وعندها القصف ثانية في نفس المكان بالضبط.

سامو رباعي، أحد المتطوعين يصف كيفية عمل طواقم الانقاذ في شرق حلب: «أصبحنا نسمع صوت الطائرات الحربية. حين تصل ندخل في حالة استنفار ونحاول معرفة أين تم القصف. وعند وجود حدث تتشوش شبكات الاتصال. وخلافا للعالم المتحضر، ليس لدينا مركز طواريء أو محطة للشرطة أو محطة للهلال الاحمر الذي يمكن الاتصال معه والابلاغ».

الطواقم تقوم بالاتصال فيما بينها من خلال اجهزة اتصال لاسلكية. «عندما يتحدث أحدنا عن قصف، يقوم المتطوعون باستدعاء سيارات الاسعاف ويدخلون إلى السيارات»، قال رباعي. «لا أحد يفحص إذا كان سلاح الجو التابع للاسد هو الذي قام بالقصف أم طائرات بوتين الحربية. المشكلة هي أن الاسد مصمم على القاء براميل المتفجرات على المستشفيات والعيادات. وبالتالي، حتى لو نجحنا في انقاذ مصابين أحياء من مبنى مهدم، فليس هناك مكان يمكننا أخذهم اليه».

توجد الآن خمسة مستشفيات وعيادات فقط لتقديم الخدمات لـ 300 ألف شخص يعيشون في خوف داخل حلب المحاصرة والتي تم تقسيمها إلى قسمين. المستشفيان الاكبر، إم 10 وإم 2، تعرضا لقصف مباشر بالصواريخ قبل اسبوعين وهُدما. والتي ما زالت قائمة تعاني من نقص الادوية والطواقم الطبية اختفت، بعضها هرب وبعضها أصيب بالقصف.

الإسرائيلية غال لوسكي، مؤسسة جمعية المساعدات الطبية الجوية، التي تقدم الخدمات للسكان في مناطق الصراع والكوارث، تعمل منذ خمس سنوات على تدريب واعداد متطوعي «الخوذات». «إصنعي لنا معروفا وحافظي علينا»، هكذا تعلل رفضها كشف اسماء الدول التي يتم فيها تدريب متطوعي «الخوذات». «توجد لنا مشكلات كبيرة مع السلطات في دول المنطقة.

نحن لا نظهر هناك كإسرائيليين. واحيانا يتكشف الامر فتكون الردود متداخلة. هناك من يرفض العمل معنا وهناك من يخاف من انكشاف الامر، وهناك من يقولون: لا توجد مشكلة، أنتم لستم أعداءنا».

لوسكي (48 سنة) نجحت في تجنيد 1.200 متطوع لجمعيتها، وهي من مواليد كيبوتس حكوك، متزوجة من عضو الكنيست السابق إسرائيل حسون، الذي هو من مواليد دمشق، وهي أم لولدين. في السنة الماضية تم اختيارها لاشعال شعلة يوم الاستقلال تقديرا لنشاطها في مناطق الخطر. «تدريب المتطوعين السوريين يركز على الاخلاء السريع للمصابين من بين الانقاض»، قالت لوسكي، «يجب الفهم بأننا نعمل أمام مجموعات أو مواطنين جاءوا من خلفية اجتماعية واقتصادية مختلفة. يوجد بينهم طلاب وفلاحون وخبازون ونجارون ومهندسون وعمال. نحن نقول بتدريبهم على اخلاء المصابين. علمناهم طريقة حفر الانفاق، حفر الممرات تحت الارض من اجل الوصول إلى العالقين. وبعد أن واجه نقل المعدات مشكلة، علمناهم استخدام ما هو موجود، والتعامل مع قطع الحديد واستخدام أدوات الاطفاء التي أعطيناهم إياها. والاكثر أهمية هو الانقاذ بأسرع وقت ممكن بسبب الطريقة الوحشية للقصف المزدوج. الضرر الاكبر تسببه براميل المتفجرات. نحن نساعد في اقامة عيادة في الصباح. وبوتين والاسد يقومان بقصفها في الليل.

بعشرة اصابع

عدد من الشخصيات العامة والاكاديميين وممثلي سينما، على رأسهم جورج كلوني، بدأوا قبل بضعة اشهر في حملة دولية من اجل اعطاء جائزة نوبل للسلام لمنظمة «الخوذات البيضاء». وقد قاموا بجمع نصف مليون توقيع، لكن ذلك لم يساعد. في نهاية الاسبوع الماضي أعلن عن رئيس كولومبيا، حوان مناويل سانتوس، فائزا بهذه الجائزة. «كان واضحا بالنسبة لي بأنهم لن يحصلوا على الجائزة»، قالت لي ريم علاف من سوريا، وهي عضوة رفيعة في قيادة منظمات المعارضة في سوريا. «لو أعلنوا عن الخوذات كفائزين بجائزة نوبل للسلام، لكان ذلك اعتبر صفعة للرئيس اوباما الذي اخطأ وما زال مستمر بالخطأ في سوريا. من لحظة بدء قتل الشعب في سوريا فضل اوباما غض بصره. فهو لا يتدخل ولا يزعج بوتين في سفك الدماء. لجنة نوبل التي منحت اوباما تلك الجائزة بعد دخوله إلى البيت الابيض، تفضل تجاهل التراجيديا في سوريا والابطال الذين يحفون باصابعهم العشرة من اجل انقاذ الناس.

«يتهمون الخوذات بالتعاون مع جبهة النصرة ويقولون إنهم يعملون تحت مظلة العلاقات العامة ويحصلون على التمويل من خارج سوريا. ماذا اذا؟ احيانا لا يوجد مناص من التعاون مع منظمات تعارض سلطة القاتل الاسد. لا يزعجني أنهم يستغلون العلاقات العامة ويحصلون على الانتشار، لأن هذا من حقهم. هؤلاء ابطال يعرضون أنفسهم للخطر لانقاذ أبناء شعبهم. وأنا لا أرى أي مشكلة في التمويل الذي يحصلون عليه. المشكلة حسب رأيي هي تجاهل العالم، ليس فقط عن الخوذات البيضاء، بل تجاهل التراجيديا الفظيعة في سوريا».

توجد لغال لوسكي وجهة نظر مختلفة قليلا: «من ينقذ أبناء عائلته لا يستحق جائزة نوبل لأن ذلك من واجبه. لكن الخوذات البيضاء يعملون في ظروف معقدة، في المدن والمناطق التي لا توجد فيها قيادة مدنية، فقط قيادة عسكرية. وهم يخضعون لقائد المليشيا العسكرية المحلية.

من السهل اتهام الخوذات البيضاء بأنهم يتعاونون مع المنظمات الإرهابية، لكن جبهة النصرة مثلا، قتلت في سوريا مواطنين أقل من بوتين والاسد. وحين يكون سكان بحاجة إلى الانقاذ في منطقة تخضع لسيطرة جبهة النصرة، يجب الاتصال مع السلطة المحلية من اجل العمل».

تعمل المنظمة في 114 منطقة. وفيها 3 آلاف متطوع، تتراوح اعمارهم بين 15 ـ 65 سنة، بينهم 56 امرأة. «كان من المهم اقناع النساء بالانضمام اليها»، قال محمد عقيق الذي هرب مؤخرا من ضواحي دمشق. «في المناطق السكنية المحافظة والمتدينة يمنعون المتطوعين الرجال من انقاذ النساء، حتى لو كانت حياتهن في خطر. ففي هذه الحالة يقوم الرجال بالحفر وعند الانقاذ يقومون باستدعاء المتطوعات اللواتي يقمن باخراج المصابات للاسعاف».

«الأدوات الخاصة بالحفر والكشف عن المصابين وسيارات الاسعاف تتلف بسبب القصف»، قالت غال لوسكي. «لدينا مشكلة كبيرة في تجنيد الاموال. وبشكل طبيعي، المتبرع يريد ظهور اسمه على ما تم شراؤه. ولكن كيف يمكنني وضع على جرافة أو سيارة اسعاف لافتة تقول إنه تم الشراء هنا بأموال المتبرع «إكس» من فيرجينيا أو المتبرع من مانشستر دون تعريض رجال الانقاذ في سوريا للخطر؟ كذلك الادوات التي يحصلون عليها من إسرائيل هي اشكالية: «أقوم باعطاء الخوذات البيضاء ما يمكنني جمعه، وهم يلاحظون وجود كلمات «صنع في إسرائيل» على هذه الادوات. هذا لا يجعلهم فرحين وهو خطير ايضا. ولكن ليست هناك طريقة لازالة المكتوب. وهم ملزمون بأخذ هذه الادوات والتعايش مع الخطر».

ريم علاف، من مواليد دمشق، وصاحبة دور رفيع في معارضة الاسد، وهي إبنة الدبلوماسي موفق علاف الذي كان في التسعينيات على رأس طاقم المفاوضات من اجل السلام بين سوريا وإسرائيل. «لقد علموني بأن إسرائيل هي العدو، وعرفت أنه محظور التحدث مع الإسرائيليين. وفجأة سمعت عن الإسرائيليين الذين تجندوا لمساعدة الخوذات البيضاء وهم يقومون بتدريبهم لمواجهة الكارثة، في الوقت الذي يقتل فيه الديكتاتور بشار الاسد المواطنين في سوريا بدم بارد».

وتتحدث علاف عن رد الاسد في الاسبوع الماضي حين سئل عن الخوذات البيضاء. «من هم في الأصل؟»، قال بغضب، «ما الذي يقدمونه لسوريا؟».

«منذ لحظة اكتشافي أن إسرائيل تعالج المصابين في سوريا، تغير موقفي»، قالت علاف، «هذا العمل المبارك، رغم أنه محدود، يؤيده ويُقدره السكان في سوريا، سواء كانوا من المعارضين أو المؤيدين للنظام، خصوصا في ظل اللامبالاة الدولية».

يتم التجنيد للخوذات البيضاء عن طريق «الواحد يحضر الآخر»، لكن أبو حسن، وهو نجار عمره 56 سنة، انضم لمتطوعي الخوذات في ظروف تراجيدية. «إبني ربيع، الذي هو صيدلي في عمر 24 سنة، كان متطوعا في غرب حلب وقام بعشرات المرات بالانقاذ. وفي كل مرة كان يعود كانت تكون ملابسه ويديه ملطخة بالدماء. كنت أخاف على حياته من جهة، ومن جهة اخرى لم اتجرأ على منعه وتذكيره بأنه له زوجة وثلاثة أبناء.

«قبل ثلاثة اسابيع ذهب لتزويد سيارة اسعاف بالوقود، وتعرض أحد المباني في غرب حلب للقصف، وعندما انتهت عملية الانقاذ انتظرناه، وحينما لم يصل ذهبت إلى موقع الحادثة، فقال لي المتطوعون بأنهم لم ينجحوا في انقاذ جميع المصابين. وقاموا بارسالي إلى خلف المبنى فرأيت هناك عددا من الجثث. وكانت جثة إبني بينها. لقد قتل بالقصف الثاني عندما عادت الطائرة الروسية وقصفت طواقم الانقاذ. حملت ابني بين يدي وتوجهت إلى رئيس طاقم المتطوعين في الخوذات البيضاء وقلت له إنني بعد دفن جثة ابني سأنضم اليكم».

سمدار بيري- يديعوت: ترجمة القدس العربي

تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع