أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » لماذا حرّك أردوغان الرماد تحت اتفاقية لوزان 1923 ؟
لماذا حرّك أردوغان الرماد تحت اتفاقية لوزان  1923 ؟

لماذا حرّك أردوغان الرماد تحت اتفاقية لوزان 1923 ؟

لا أحد يعرف لماذا اختار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فرصة لقاءاته الدورية مع المخاتير الأتراك للحديث عن جرح اتفاقية لوزان عام 1923 العميق، وما تسببت به من تقليصٍ لجغرافيا الدولة التركية الحديثة، وإلزامها بالتنازل عن 80% من مساحتها، لكنّ كثيرين هم من يعرفون أن كلامه هناك يحمل أكثر من رسالةٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ إلى الخارج قبل الداخل. واتفاقية لوزان توحّد الأتراك يوماً وتفرقهم يوما آخر. هي من المفترض أن تكون اتفاقية التأسيس للدولة التركية الحديثة، بعد تفكّك الامبراطورية العثمانية، لكنّ إسلاميين كثيرين يقولون إن هذه الاتفاقية كانت سبباً في فقدان دول ومناطق عديدة في إطار مساومةٍ خاسرة.

يقول أردوغان: “هناك من يريد إقناعنا بأن معاهدة لوزان انتصار لتركيا وللأتراك.. هدّدونا بمعاهدة سيفر في 1920، ليجعلونا نقبل معاهدة لوزان عام 1923”. ويتابع “لوّحوا لنا بالموت لنقبل بالعاهة الدائمة”. إما أن أردوغان يريد استغلال الظروف المحلية والإقليمية، والحصول على دعم الشركاء والحلفاء، لكسب مزيدٍ من التأييد في التدخل العسكري التركي في شمال العراق، بعدما نجح في خطة شمال سورية، لتحصين خط حلب الرقة الموصل التاريخي، كما يقول بعضهم، أو أنه يتسلح بارتدادات اتفاقية لوزان “لن نقبل أي سيناريو لا تشارك تركيا فيه”، ليكون جزءاً من المعادلة التي ستصوغ الخرائط الجغرافية والسياسية في الجوار التركي.

تركز الجدل في تركيا بعد هذه التصريحات على كلام مختلف للرئيس التركي، هذه المرة، يتناقض مع ما قاله قبل سنوات في احتفالات ذكرى توقيع الاتفاقية التي وصفها بأنها وثيقة تأسيس تركيا الحديثة، فما الذي دفعه إلى تغيير رأيه؟ وما الذي قاده إلى فتح دفاتر لوزان على هذا النحو؟ ولماذا قرّر إنزال الملفات ومسح غبارها المتراكم؟

من الطبيعي جدا أن يتم تفسير كلام أردوغان رسالةً باتجاه الداخل، تأتي وسط المواجهة التاريخية اللامنتهية بشأن تعريف هوية تركيا بين جناح العلمانيين الأتاتوركيين والإسلاميين المحافظين وفتح الأبواب أمام نقاش أمور محرّمة في البلاد، مثل الأتاتوركية وحقبة سقوط الإمبراطورية العثمانية وإعلان ولادة الدولة الحديثة في مطلع العشرينيات، من أجل هدف نهائي، هو إحياء عثمانية جديدة. لكن هناك من يقول إن أردوغان أراد، كما يبدو، إعادتنا إلى المربع التاريخي الأول أجواء تفكّك الإمبراطورية العثمانية قبل قرن، متعمداً ومتسلحاً بالموقف السياسي الداعم توسيع رقعة العمليات العسكرية في شمال سورية، والتمسك بالدور التركي في معركة الموصل ضد “داعش”، المدعومين بقرار تمديد البرلمان التركي مذكرة تفويض الجيش، للقيام بعمليات عسكرية خارج الحدود.

لوزان هي الاتفاقية التي أنهت رسمياً حكم السلاطين العثمانيين، وفتحت الطريق أمام تنظيم استخدام المضائق المائية التركية في البوسفور والدردنيل، وقضت بتخلي تركيا عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق و”بلاد الشام”، فهل الذي يدفع أردوغان إلى تصعيده الجديد، متسلحاً بورقة لوزان، شعوره اليوم أن تحولاتٍ إقليمية جذرية ستقع، وأن على أنقرة حماية مصالحها ونفوذها، والانتقام مما فرض عليها في لوزان؟ كان حزب العدالة والتنمية دائماً يتحدّث عن رؤية تركيا 2023، من باب الإشارة إلى مشروعٍ يهدف إلى نقلةٍ نوعيةٍ، تصبح فيها أنقرة إحدى الدول العظمى في العالم. هي ليست إذا عملية نقد ذاتي، ودعوة المؤرخين الأتراك إلى إعادة كتابة حقبة تاريخ الحرب العالمية الأولى وسنوات الاستقلال، ما يسعى إليه أردوغان أكثر من ذلك بكثير. إنه يقول لواشنطن، ومن يساندها هنا إن الأتراك لم ينسوا ما فرض عليهم في لوزان، حين فقدوا آلاف الكيلومترات من الأراضي العثمانية لصالح المستعمرين الغربيين، تحت تسمية وغطاءين قانونيين مختلفين، مرة نظام الوصاية، ومرة الانتداب، وثالثة تقاسم إدارة شؤون الدول. وإن أنقرة لن تسمح بلوزان ثانية، تفرض فرضاً على دول المنطقة، بإشعال الحروب المذهبية والعرقية والطائفية. لكن الواضح أن رسالة أردوغان هي لأنصار مشروع الدولة الكردية الكبرى ومحبيها، وفي صدارتهم الولايات المتحدة الأميركية المتمسّكة بهذا المشروع الإقليمي لتغيير الحدود والخرائط في الشرق الأوسط، ورقتها الأقوى والأنجع في تحريك هذا المخطط . أفشلت تركيا المشروع الكردي في سيفر قبل مئة عام، والآن هناك من يعد لـ”سيفر جديدة” تعطي الأكراد ما يريدون في إنشاء دولةٍ تنتزع أجزاءها من تركيا والعراق وسورية وإيران.

لوزان على طاولة النقاش اليوم، جنباً إلى جنب، مع معركة الرقة والموصل. بمن ستثق أنقرة للتنسيق معه من لاعبين إقليميين ودوليين للوصول إلى ما تريد؟ بدأت حكاية لوزان منذ منتصف القرن الثامن عشر وبداية التراجع العثماني على جبهاتٍ عديدة، في القرم وأفريقيا والشرق الأوسط، إلى أن أنهت تركيا أتاتورك حروب الاستقلال. وكانت تركيا في صف المنهزمين بعد الحرب العالمية الأولى. ما الذي كان بمقدورها أن تفعل سوى أن تقبل بنود الاتفاقية؟ لوزان ورقة “حصر إرث” مخلفات الإمبراطورية العثمانية، وتسليم ما تبقى للحكومة العلمانية الأتاتوركية الجديدة.

تناقش كتب التاريخ التركي اتفاقية لوزان، لكنها تلتقي عند حكايةٍ واحدةٍ، هي دور أتاتورك في بناء تركيا الحديثة. لذلك، نرى المعارضة التركية تقول إن نقاشات اليوم هي من أجل تحويل الأنظار عن أزمات الداخل التركي، واستمرار التوتر مع دول الجوار. لو طرح أردوغان المسألة، قبل أعوام مثلاً، بالطريقة التي تناولها، هذه المرة، لكان قيل إنه يستهدف الأتاتوركية، وما قدمته لتركيا اليوم، ويريد أسلمة الدولة وعثمنتها. ولكن، هناك من يصغي إلى ما يقوله الرئيس التركي بشكل آخر، في محاولة إعادة تركيا إلى ما قبل لوزان وحتى إلى ما قبل أجواء “سيفر” عام 1920.

يقول أردوغان إن “لوزان جديدة” تعد لتركيا، وإنه يريد إفشالها، لكنه يدرك صعوبة المحاولة، فتركيا تصارع على أكثر من جبهة في الداخل والخارج، خصوصا بعد فشل سيناريو إبعاده عن الحكم من جماعة غولن التي تتحرك بأصابع إقليمية ودولية، تطارده خطوةً خطوةً، وتتربص للانقضاض مرة أخرى، كما يقول سياسيون وأكاديميون وإعلاميون أتراك عديدون.

كانت هناك، في لوزان، هيئة وحكومة ومفاوضات، ولم تكن هناك دولة وطرف رسمي تركي يفاوض، متسلحاً بتساوي الظروف والفرص. كانت هناك القوى الكبرى التي تقول للأتراك وقّعوا، لنعترف بكم، وتخرجون من محنتكم، فمهمة اتفاقية لوزان، أو “مؤتمر شؤون الشرق الأوسط”، كما هي تسميته الرسمية، كانت منح تركيا هويتها الغربية العلمانية الأتاتوركية
الجديدة في مقابل القطع مع تاريخها وماضيها وجذورها في المنطقة. حدّدت لوزان للأتراك استراتيجية المرحلة المقبلة، تحت عنوان “التغيير في الداخل.. التغيير في الخارج”، وهو ما سمّاه مؤسس الدولة الحديثة أتاتورك “السلام في الداخل، السلام في الخارج”، وربما هذا ما يريد الرئيس التركي نسفه في إطار بناء استراتيجية ومنظومة سلام وطني وإقليمي جديد على طريقته.

لا يريد أردوغان الذي يقود اليوم تركيا، اللاعب الإقليمي المؤثر، أن يوقع على مشروع التفتيت الذي يستهدف حدود المنطقة وخرائطها بأكملها. هو يرفض لوزان الجديدة. لذلك يريد سحب ورقة “مرج دابق” الثانية، هذه الورقة الملعوبة ضد تركيا ودول المنطقة، ومهمته صعبة، لكنها قد لا تكون مستحيلة.

نعرف أن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، قال عند الإعلان عن أهمية التفاهم، أخيراً، بين بلاده وروسيا على هدنةٍ سورية، وهو يدافع عنها، ويدعو بقية اللاعبين إلى دعمها، إن سقوط الاتفاقية يعني سقوط الفرصة الأخيرة لإبقاء سورية موحدة. لكننا نعرف أيضا أن المفوض الأميركي السابق في العراق المحتل، بول بريمر، قال كلاما مشابها عام 2005، عندما دعا الجميع إلى دعم الحلول الأميركية باتجاه بناء العراق الجديد. ما لا نعرفه هو ما ستفعله واشنطن، هذه المرة، بعدما سارعت موسكو إلى إعلان توسع نفوذها العسكري والأمني في سورية، وحيث الاستعدادات على قدم وساق لإطلاق العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في الموصل؟ ما الذي دفع واشنطن إلى إعلان الحرب على تركيا في معركة الموصل، بدل أن تعلنها على روسيا، أو على تنظيم داعش، المفترض أنه العدو المشترك؟ ووسط كل هذه النقاشات، ربما مشكلة أردوغان أن واشنطن، حليفه الاستراتيجي، هي من يذكّره يضرورة احترام مبادئ وأسس القانون الدولي في مخيم بعشيقه، وأن تكون، في المقابل، من يصول ويجول كما يحلو لها في أراضي المنطقة.

قال أردوغان، أمام الشباب التركي، إن أمنيته هي إخراج بلاده من أجواء وظروف لوزان ما قبل قرن، ومهمته أن يقنع دول الجوار أيضا بخطورة مشروع لوزان الجديدة. في الحالة العراقية اليوم، حكومة تتولى تصريف شؤون الدولة بحماية أكثر من علم يرفرف فوق أراضيها لمساعدتها على استرداد سيادتها واستقلاليتها ووحدتها المسلوبة، كما تقول، من “داعش”، ومئات الجنود الأتراك الذين يعرقلون انطلاق العمليات العسكرية التي يعد لها آلاف مليشيا الحشد الشعبي المزوّد بفتاوى رجال الدين ودعواتهم لطرد الاثنين وتحرير العراق. فما الذي بمقدور أردوغان أن يفعله؟

المصدر: العربي الجديد – سمير صالحة