أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » داعش: بين إنهاء سايكس ـ بيكو والتسبب بأسوأ منه / جلبير الأشقر
والحصيلة مصيبة لم يشهد تاريخ منطقتنا أسوأ منها على مرّ القرون

داعش: بين إنهاء سايكس ـ بيكو والتسبب بأسوأ منه / جلبير الأشقر

في حزيران/يونيو 2014، بعد اجتياحه للأراضي العراقية واحتلاله لمدينة الموصل، طلع علينا التنظيم الذي سبق أن أطلق على نفسه اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» والمعروف بداعش، طلع علينا بنبأ إعلانه خلافة إسلامية جديدة نصّب فيها «أبو بكر البغدادي» نفسه خليفةً، ونبأ إسقاطه العراق والشام من اسمه ليتحوّل إلى «الدولة الإسلامية» بغير تحديد المكان. ترافق ذلك بإعلان التنظيم «نهاية سايكس ـ بيكو»، وهو يزعم توحيد المنطقة التي تقاسمها الاستعماران البريطاني والفرنسي عند اندحار «الدولة العليّة العثمانية» ومعها الخلافة التي كانت تحتضنها، خلال الحرب العالمية الأولى.

 

وفي مايو/ أيار 2016، أي قبل خمسة أشهر فقط وفي الذكرى المئوية للاتفاقية التي عقدها الديبلوماسي البريطاني مارك سايكس وزميله الفرنسي فرانسوا جورج ـ بيكو لتقاسم الأراضي العربية والكردية التي كانت دولتاهما قد بدأت تنتزعها من السيطرة التركية ـ العثمانية في سياق الحرب العالمية، طلع علينا التنظيم نفسه بافتتاحية لجريدته «النبأ» يتباهى فيها بقضاء «الدولة الإسلامية» المزعومة على إرث الاتفاقية المذكورة، وذلك بأسلوبه الطائفي المعهود:

 

(اقتباس) «فكان من تيسير الله لها أن تجاوزت حدود «سايكس ـ بيكو» بجهادها، بإرسالها المجاهدين إلى الشام لقتال النصيرية، ومدّهم بما توفّر من سلاح ومال، ثم رفض محاولات الضالّين ترسيخ تلك الحدود بفصلهم فرعها في الشام عنها، فأعلن أميرها أنها دولة واحدة في العراق والشام، ومع انشغالها بقتال النصيريين فلم تترك قتال الروافض في العراق بل زادت من وطأتها عليهم حتى أذن الله بالفتح، وكسر مجاهدوها الحدود على الأرض بعد أن كسروها في النفوس، وكان التمكين بفضل الله.

 

ثم كان الإعلان الحاسم بإنهاء كل أشكال التفرّق والانقسامات بين المسلمين، سواء منها التي أوجدتها الحدود المصطنعة، أم التي خلقها الطواغيت، أم التي ابتدعتها الفصائل والتنظيمات، وذلك بإعادة الخلافة، ومبايعة خليفة للمسلمين هو الشيخ أبو بكر البغدادي، حفظه الله، وجاءت البيعات من مشارق الأرض ومغاربها، مؤكدة وحدة المسلمين في كل مكان تحت ظل دولة الخلافة، وإنهاء حالة التفرّق التي أوجدها الصليبيون، ورسّخها الطواغيت، وقامت على أساسها الفصائل والتنظيمات الضالّة».. (انتهى الاقتباس.)

 

ويا لها من مسخرة مأساوية! فقد بات جليّاً أن تباهي «الدولة الإسلامية» المزعومة بقضائها على التقسيم الناجم عن اتفاقية سايكس-بيكو سوف يبقى في تاريخ منطقتنا كإحدى أقسى وأبشع سخريات ذلك التاريخ. وفي حين بدأ الهجوم على الموصل لانتزاعها من السيطرة الداعشية، تنقشع هلوَسة البغدادي وأنصاره أمام حالة كارثية هي أسوأ بما لا يُقاس من الحالة التي كانت سائدة عندما طلعوا علينا بإعلانهم «الخلافة».

 

والحصيلة مصيبة لم يشهد تاريخ منطقتنا أسوأ منها على مرّ القرون. فإن جنون العظمة لدى البغدادي، الذي تعدّى كافة حالات الجنون المماثل التي حفل بها تاريخنا، قد أتاح التطورات الكارثية التالية (مع حصر التعداد هنا بالتطورات المتعلقة بالتقسيم والسيطرة اللذين زعم تنظيم داعش القضاء عليهما وبصرف النظر عن الجرائم المقيتة التي ارتكبها): عودة قوات الولايات المتحدة وحلفائها إلى العراق بعد خروجها منه في نهاية عام 2011؛ تصعيد التدخّل الإيراني في العراق وسوريا إلى مستوى بات معه بمثابة احتلال سافر؛ سيطرة الميليشيات التابعة لإيران على مساحات من أراضي العراق لم تكن تحت سيطرتها المباشرة من قبل؛ تدخّل القوات الروسية وقيام طائراتها بقصف المناطق المأهولة بالسكان في سوريا على نحو لم تشهده المنطقة منذ العدوان الصهيوني على لبنان في عام 2006؛ امتداد سيطرة القوات الكردية إلى مناطق ذات أغلبية عربية في العراق وسوريا؛ تدخّل القوات التركية المباشر بصحبة ميليشيات تابعة لها في سوريا وقريباً في العراق؛ وويلٌ لنا ممّا ينتظرنا بعد.

 

قبل ربع قرن وسنة، قام زعيم عربيّ أرعن متربّع على الحكم في بغداد، يُدعى صدّام حسين، باجتياح الكويت موفّراً للولايات المتحدة الأمريكية فرصةً ذهبية للتدخل العسكري الكثيف في منطقتنا وصولاً إلى احتلال العراق. وقد نتجت عن ذلك كارثةٌ بعد أخرى ليست أقلّها نشوء تنظيم «القاعدة» في العراق، بما أفضى إلى ظهور ذلك «الخليفة» الذي أطلق على نفسه اسم «أبو بكر البغدادي». والحقيقة أن البغدادي إن كان خليفة لأحد فليس سوى لصدّام حسين، وقد تسبّب باكتمال الكارثة العظيمة التي أطلق هذا الأخير العنان لها.

 

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

 

 

 

جلبير الأشقر

 

 

المصدر: القدس العربي