أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » «مجموعة فاغنر» : الشركات العسكرية الروسية الخاصة تجارة كبرى
«مجموعة فاغنر» : الشركات العسكرية الروسية  الخاصة  تجارة كبرى

«مجموعة فاغنر» : الشركات العسكرية الروسية الخاصة تجارة كبرى

إيليا روجديستفينسكي, أنطون باييف, بولينا روسيايفا- أر به كا: اعداد علي شرف الدين- الحياة

الشركات العسكرية الخاصة هي تجارة كبرى، وفي العديد من مناطق النزاعات الساخنة، تقوم مقام القوات المسلحة (النظامية). وفي روسيا شركات كهذه غير قانونية. لكن في ميدان المعارك في سورية، برزت «مجموعة فاغنر»، أولى الشركات الخاصة العسكرية الروسية. وسلطات موسكو، اليوم، تبحث في إضفاء مشروعية على عملها وقوننته. وتسجل الشركات العسكرية الخاصة الروسية اسمها في الخارج من أجل تيسير عملها.

المهمات الخاصة

ولا تشارك القوات الروسية في عملية برية واسعة في سورية، لكن في آذار (مارس) الماضي، أعلن قائد المجموعة الروسية في سورية، الجنرال ألكسندر دفورنيكوف، أن قوات برية تؤدي مهمات خاصة هناك. ومن الجنود المشاركين في هذه المهمات سيرغي تشيوبوف، الذي قُتِل في سورية في شباط (فبراير) 2016. ويروي أحد أقربائه، أن تشيوبوف خدم في القوات الداخلية التابعة لوزارة الداخلية، لكنه استقال مطلع عام 2000. ورفضت وزارة الدفاع تأكيد هذه المعلومات. ويقول أحد معارفه، أنّه من قدامى المحاربين في القوات الداخلية، وشارك في الحملتين على الشيشان، وتوجّه إلى سورية بصفته موظفاً في شركة عسكرية خاصة تُعرف باسم «مجموعة فاغنر».

وذكرت وسائل الإعلام الروسية مشاركة «مجموعة فاغنر» في الحرب السورية، للمرة الأولى في تشرين الأول (أكتوبر) 2015. ولفت الخبر الأنظار الى أن عناصر «الفرقة السلافية»، وهي الشركة الأم لـ»مجموعة فاغنر»، شوهدوا في وقت سابق في عداد «الرجال الخضر المهذبين» في القرم خلال أحداث شباط (فبراير)- آذار (مارس) 2014. وشوهدوا كذلك، بعد سنة في جنوب شرقي أوكرانيا، وانضووا حينها في وحدة مستقلة. وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نهاية 2015، نقلاً عن مصادر، إلى مشاركة «مجموعة فاغنر» في القتال إلى جانب كتائب دونيتسك ولوغانسك الشعبية، وتحدثت عن مقتل تسعة من أعضاء المجموعة. ونفت وزارة الدفاع الروسية هذه المعلومات، معلنة أنها «مزيفة».

ونوقشت مسألة قوننة الشركات العسكرية الخاصة في روسيا مراراً، لكن الاختراق في هذه المسألة حصل بعد أحداث القرم في 2014، حين أثبت عناصر جهاز «الاستخبارات الخارجية الروسية» جدارتهم. فجهاز الاستخبارات الخارجية هو من يوجّه دفة «مجموعة فاغنر»، كما أعلن على صفحات مجلة «أر به كا» ضابط في وزارة الدفاع (الروسية) قال أن هذه الفرقة ظهرت «بعد تأزم الأوضاع في العالم».

وبدأ ظهور «مجموعة فاغنر» في الشرق الأوسط، قبل وقت قليل من نشر روسيا قواعدها العسكرية. وعلى رغم أن المجموعة لم تعلن التعبئة العامة، انتشر الخبر سريعاً على الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ المستخدمون يتساءلون عن سبل الانضمام إلى «المجموعة». ويقول مصدر روسي مطلع، أنّ عدد مقاتلي الشركات العسكرية الخاصة في سورية بلغ، العام الحالي، حوالى 1000 الى 1600 عنصر. ورفضت وزارة الدفاع التعليق على معلومات عن جنود روس في سورية «لا يخدمون في القوات المسلحة الروسية»، وامتنعت عن تأكيد صدقية ما يقال عن تدريبهم في قاعدة في إقليم كراسنودار الروسي.

ويتقاضى عناصر «مجموعة فاغنر» رواتبهم نقداً. والشركة غير مسجلة في القيود الرسمية. وتصنف المعلومات عن شراء الأسلحة والمعدات بالـ «سرية». ووفق أحد ضباط وزارة الدفاع، الإنفاق على هذه المجموعة ملقى على عاتق الدولة و»كبار رجال الأعمال». ويوضح مصدر في الوزارة، أنّ المستثمرين في القطاع الخاص يرون في تمويل الشركات العسكرية الخاصة وسيلة لإثبات ولائهم وتوثيق التعاون مع وزارة الدفاع.

معركة سورية

ويصل المقاتلون، كما يقول أحد المطّلعين، إلى سورية بطرقهم الخاصة، في غياب وسيلة مركزية الإدارة. لكن العتاد الخاص بـ «مجموعة فاغنر» يصل عبر البحر، على متون السفن التي تسمى «سورية إكسبريس»، وهو إسم ظهر للمرّة الأولى في وسائل الإعلام عام 2012. وهو يسم تلك السفن التي تمدّ نظام الرئيس السوري بشار الأسد بالمؤونة، ومنها العتاد العسكري. ويقول مدير الموقع الإلكتروني، «النشرة البحرية»، ميخائيل فويتينكو، إنّ «سورية إكسبريس» تتألف من ثلاثة أجزاء: السفن البحرية الروسية، والسفن التي استخدمت سابقاً في الخدمة المدنية ثم أصبحت جزءاً من القوات البحرية، وناقلات السلع المستأجرة والتابعة لأنواع من الشركات في أنحاء العالم. ويتوسل بأسطول مساعد في عملية إمداد القواعد العسكرية. فإذا لم يكن عدد السفن كافياً، تستأجر وزارة الدفاع سفناً تجارية عادية، لا يمكن أن تحمل عتاداً عسكرياً. ومن السفن التي دخلت في خدمة البحرية الروسية ربيع 2015، سفينة البضائع «كازان – 60». وأكدت وكالة «رويترز»، أنها كانت من أسطول «سورية إكسبريس». وفي السنوات الأخيرة، غيّرت السفينة مالكها مراراً، ثم دخلت في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، في عديد أسطول البحر الأسود التابع للبحرية الروسية، والذي رفضت قيادته الكشف عن تفاصيل استملاك الأسطول للسفينة. ويستند فويتينكو الى بيانات نظم المعلومات الخاصة بالمسارات البحرية، ويقول أن أسطول «سورية إكسبرس» قوامه لا يقل عن 15 سفينة مدنية، تتبع منذ خريف 2015 مسار نوفوروسييسك (ميناء في جنوب روسيا)، فتنطلق منه الى طرطوس. وشطر راجح من هذه السفن مسجل في شركات مقراتها في لبنان ومصر وتركيا واليونان وأوكرانيا، وبعضها في روسيا. ويقدر فويتينكو قيمة استئجار سفينة مدنية بـ4 آلاف دولار يومياً، منها 2000 دولار تنفق على الصيانة، و1500 دولار تكلفة الوقود والرسوم. وبناء على هذا التقدير، تبلغ كلفة استئجار السفن المدنية من أسطول «سورية إكسبريس» لمدة 305 أيام (من 30 أيلول – سبتمبر 2015 الى 31 تموز – يوليو 2016)، نحو 18.3 مليون دولار.

أسئلة حرجة

في بداية آذار 2016، بدأت قوات الأسد بدعم من الطائرات الروسية، عملية تحرير تدمر، واستعادتها بعد 20 يوماً من القتال. ويقول رئيس مديرية العمليات الرئيسية لهيئة الأركان العامة، الجنرال سيرغي رودسكوي، أن «عناصر داعش المهزومة التي حاولت الهرب، قُتلت بواسطة ضربات جوية شنّتها الطائرات الروسية. والقتلى مسلّحون لم يسمح لهم بالفرار الى الرقة ودير الزور». وأعلن أحد الضابط السابقين في «مجموعة فاغنر»، أن عناصر الشركات الخاصة لعبت دوراً محورياً في تحرير المناطق الأثرية في تدمر، قائلاً: «أولاً، دخلت عناصر «مجموعة فاغنر» ثم الوحدات البرية الروسية، وبعدها العرب وكاميراتهم». وهو يشير الى أن خدمات «مجموعة فاغنر» تستخدم في المناطق الوعرة والصعبة لتقليل الخسائر في صفوف القوات النظامية في سورية.

ويرفض أحد المقربين من إدارة «جهاز الأمن الفيديرالي» الروسي (أف أس بي)، تصنيف «مجموعة فاغنر» على أنها شركة عسكرية خاصة فحسب. ويرى أن «المجموعة هذه لا ترمي إلى كسب المال، ولا تعتبر (دورها العسكري) تجارة». ويستطرد قائلاً: «مصلحة «مجموعة فاغنر»، وهي وثيقة الصلة برغبة بعض الجنود السابقين في كسب المال عبر خدمة مصالح الوطن، توافقت ومصلحة الدولة التي احتاجت إلى قوة إضافية لحلّ بعض المشاكل الحساسة في سورية». ويرى أحد الخبراء أنّ اللجوء الى الشركات العسكرية الخاصة مفيد في الخارج، حيث استخدام القوات المسلحة النظامية ليس ملائماً. ولا شك في أن هذا الكلام يعيد أصداء ما قاله بوتين في ربيع 2012، حين كان لا يزال رئيساً للحكومة. يومها، أعلن أن الشركات العسكرية الخاصة أداة لتنفيذ المصالح الوطنية من دون مشاركة الدولة مباشرة. في السياق نفسه، وفي خريف 2012، قال نائب رئيس الوزراء الروسي، المسؤول عن قطاع الدفاع العسكري، ديميتري روغوزين: «نبحث في جدوى إنفاق أموالنا لتمويل الشركات العسكرية الأمنية الخاصة الأجنبية أو في جدوى إنشاء مثل هذه الشركات داخل روسيا واتخاذ خطوة في هذا الاتجاه».

ويقول أحد الخبراء أن عمل الشركات العسكرية الخاصة هو كذلك خدمة تلجأ إليها شركات الأعمال الكبيرة. فهي الجسر الى الحراسة المسلحة لتأمين سلامة منشآتها في الخارج، مثل خطوط الأنابيب أو المصافي. وأنشأت شركة «لوك أويل» الروسية، في 2004، شركة «لوك أوم – أ» من أجل حماية منشآتها في العراق وغيره، وأنشأت شركة «روسنفت» شركة حراسة تابعة لها باسم «إر إن – أوخرانا».

ويرى أحد الخبراء أن قوننة الشركات العسكرية الخاصة قد تكون مجدية من الناحية المالية. لكن هذه الشركات لا تحل محل الجيش. والتسرّب المحتمل للمجنّدين من الجيش (الى القطاع العسكري الخاص) هو من أخطار تلك القوننة، وليست وراء التسرّب دواع مالية فحسب، بل كذلك الرغبة في صعود السلّم المهني.