أخبار عاجلة
الرئيسية » ترجمات » فورين بوليسي: هل سكتم على الجرائم في حلب لأننا مسلمون؟

فورين بوليسي: هل سكتم على الجرائم في حلب لأننا مسلمون؟

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا للكاتب روي غوتمان، روى فيه قصة عائلة مشردة من حلب، والتحديات التي واجهتها، في ظل الحصار المفروض عليها، والغارات الجوية المستمرة.

وبدأ الكاتب تقريره بالحديث عن الحملة التي تشنها روسيا والحكومة السورية ضد مدينة حلب، والتصعيد الذي شهدته الأسبوع الماضي من الغارات العشوائية يوم الثلاثاء، إلى استهداف الإمدادات الغذائية يوم الجمعة من مخابز ومطاحن قمح.

ويقول غوتمان إن “شرق حلب شهد 174 غارة جوية خلال أسبوع واحد، وأعلن عن مقتل 159 شخصا مساء الجمعة, بحسب ما قاله مدير (مايدي رسكيو)، التي تدعم الدفاع المدني السوري، جيمس ليميسيورير، وهذا الرقم يضاف إلى 406 آخرين قتلوا في الفترة ما بين 23 أيلول/ سبتمبر إلى 8 تشرين الأول/ أكتوبر، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، وكان أقسى هجوم شنته الطائرات هو يوم الأربعاء على سوق مفتوحة، حيث قتل ما لا يقل عن 45 شخصا”.

ويضيف الكاتب أن “ما جعل وضعا غير محتمل كهذا أكثر سوءا لأحد سكان شرق حلب هو صمت أمريكا وحلفائها، الذين لم يتخذوا أي إجراءات عسكرية لوقف الهجمة الشرسة”.

وتقول فاطمة قدور، التي قابلتها “فورين بوليسي” الأسبوع الماضي: “أريد أن أسأل العالم الغربي، الذي لديه قوانين تحمي الحيوانات: أين أنتم عندما يتعلق الأمر بحماية الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة؟.. هل أنتم صامتون لأن هناك في بلدي مسلمين يجب إبادتهم؟”.

ويشير التقرير، إلى أن قصة قدور، التي تم جمعها على مدار خمسة أيام، من خلال مقابلة عبر “واتس أب”، تمثل واحدة من جزء من مدينة، حيث يوجد ما لا يقل عن ربع مليون نسمة تحت الحصار والقصف يعيشون معدمين، وفي خوف دائم من القصف والموت. 

وتلفت المجلة إلى أن قدور ربة بيت، تبلغ من العمر 56 عاما، وأم لأحد عشر ولدا، وتعيش في شقة مؤلفة من غرفة واحدة مع أحد أبنائها وابنتين، بالقرب من خط التماس مع قوات النظام الحكومية، والشقة ليست ملكها، مشيرة إلى أنها مثل كثير من جيرانها فهي نازحة، حيث دمر بيتها في منطقة صلاح الدين شرق حلب في كانون الثاني/ يناير، و”طلبت قدور من (فورين بوليسي) عدم الكشف عن اسم المنطقة التي تعيش فيها الآن؛ خوفا من أن تستهدف بالقصف”.

ويذكر غوتمان أن قدور انتقدت النظام الحاكم بشدة؛ لقتله السوريين، لكنها أبدت استعدادها مغادرة المنطقة التي يسيطر عليها الثوار إن سنحت لها الفرصة، مشيرا إلى أنها مثل غيرها من السوريين، الذي لا يفهمون تركيز أمريكا على تدمير جبهة فتح الشام، بدلا من العمل على وقف عدوان النظام ضد المدنيين، وقالت إن جبهة فتح الشام قوة صغيرة في حلب، وتدير المناطق تحت سيطرتها بطريقة منظمة، وليس فيها اعتداء.

ويفيد التقرير بأن الكثير من مدارس حلب ومتاجرها اضطرت الأسبوع الماضي للإغلاق، تحت وطأة الهجمة المزدوجة الروسية السورية، وبقي السكان في الغالب في بيوتهم، وكان هناك نقص في الخبز لأول مرة يوم الجمعة.

وبحسب المجلة، فإن الحرب قلبت حياة كل فرد من أفراد عائلة قدور، فزوجها البالغ من العمر 65 عاما هجر العائلة بعد أن دمر بيتها، وقال إنه لا يستطيع فعل شيء لهم، لكنه بقي في شرق حلب، وتقول إنه “يقول لكل شخص إنه انتهى، ويريد مغادرة البلد، لكن لا يدري أين يذهب، ويقول إنه يريد الذهاب إلى فرنسا أو ألمانيا أو أي بلد عربي.. بعيدا عن الحرب والدمار”.

وينوه الكاتب إلى أن ابنة قدور، روان (18 عاما)، لم تستطع إنهاء امتحاناتها الثانوية؛ بسبب حملة الغارات الجوية، وابنها أمير (16 عاما) يعمل متطوعا مع فرق الإنقاذ، وتقلق عليه أمه كثيرا عندما يبدأ القصف، وتقول قدور عن بيتها القديم: “كان بيتا جميلا ودافئا، به أربع غرف في بناية مرتبة، كانت تسكن فيها ثلاث عائلات أخرى ومدرسة، وقد دمر القصف الأثاث كله، وهدم الواجهة الحجرية الأمامية، وترك البناية في حالة دمار”.

ويستدرك التقرير بأنه رغم أن أبناء قدور حاولوا إصلاح الشقة التي يسكنون فيها، إلا أن حملة القصف تسببت بتكسير النوافذ، وأحدثت أضرارا للأبواب، مشيرا إلى أن البيت منير تماما، وهناك مكان للدراسة، لكنهم عندما يسمعون الطائرات فوقهم ،وهو ما يحصل مرة أو مرتين في اليوم، فإنهم يسارعون إلى الحمام أو الصالة.

وتقارن المجلة وضع عائلة قدور مع غيرهم من سكان شرق حلب، وتجد أنهم “محظوظون، فقبل فترة قصيرة قصف الطيران الروسي والسوري بناية قريبة، كانت تعيش فيها خمس عائلات، فتم تهديمها، ومات سكانها، البالغ عددهم عشرين شخصا بالكامل، ولا يزال معظمهم تحت الأنقاض، والناجية الوحيدة من إحدى العائلات كانت طفلة في العاشرة من عمرها، لم تكن في البناية عندما قصفت، وقالت قدور إن الطفلة نامت في الشارع لمدة عشرة أيام، تنتظر أن يخرج متطوعو الدفاع المدني أقاربها من تحت الأنقاض، لكن لم تكن لدى المتطوعين المعدات اللازمة، وأصبحت الأنقاض قبرا لهم، أما الطفلة فهي مصابة بالصدمة، وعرضت عليها عائلة أن تتبناها، لكنها رفضت الحديث معهم، فنقلوها إلى دار أيتام في حي الشعار في حلب”.

وتقول قدور عن الطفلة: “إنها لا تضحك، ولا تبكي، ولا تسأل عن شيء، ولا حتى عن الأكل.. الأطفال الآخرون يقومون بإطعامها”.

ويبين غوتمان أنه حتى تحت هذا الحصار القاتل كانت هناك لحظات فرح عندما تزوجت ابنتها جود في أواخر شهر آب/ أغسطس، ولكن لم يدم الهدوء طويلا، لافتا إلى أن جود (19 عاما) تعرفت على خطيبها محمود (36 عاما)، وهو عامل إغاثة، عن طريق أحد الأصهار، وطلب يدها في أوائل أيار/ مايو، لكن الحصار منع الزواج، وفي 10 تموز/ يوليو قامت قوات النظام السوري بدعم من الطيران الروسي بضرب طوق من الحصار على المدينة، قاطعة بذلك آخر مدخل إلى البلد، وفي 6 آب/ أغسطس قامت قوة بقيادة فتح الشام باختراق خطوط جيش النظام، وفتحت مؤقتا طريقا للوصول، ما سمح لبعض الإمدادات بأن تصل إلى المدينة.

وبحسب التقرير، فإن جود ومحمود استغلا الفرصة، وتقول قدور: “عندما حصل الكسر الأول للحصار اتفقنا على تاريخ للعرس”، مشيرا إلى أن العرس، الذي أقيم في 28 آب/ أغسطس، حضره 20 شخصا في شقتها، وقام إمام بعقد قران العروسين، وأنهى بدعاء الله أن يحمي العروسين وسوريا وشعبها.

وتستدرك المجلة بأن أمل العروسين بيوم يسعدان به قد تبخر، حيث كانت قوات النظام السوري وحلفاؤها أعادوا الحصار بحلول 28 آب/ أغسطس، وتم إلغاء مظاهر الفرح ليوم العرس، حيث قتلت غارة جوية سبعة أشخاص ليس بعيدا عن بيت قدور، لافتة إلى أن جود تبكي الآن عندما تتذكر يوم عرسها، حيث تتذكر وفاة الناس بالقرب من بيتها.

وتقول قدور للمجلة: “في خضم الموت والأحزان يمن الله علينا ببعض الأوقات السعيدة، وإن لم تكن سعادة حقيقية، بل خليط من الحلو والمر معا”، ففي صباح الاثنين 10 تشرين الأول/ أكتوبر، قامت قدور بالتوجه مشيا على الأقدام لزيارة ابتنها المتزوجة الأخرى في حي باب الحديد، ليس بعيدا عن مكان إقامتها، وتقول: “صدمت لهول ما رأيت، حيث كان الدمار أكبر من أن يوصف”، وكانت البناية التي تعيش فيها ابنتها متضررة، وشرفاتها لا تصلح للاستخدام، وسألت زوج ابنتها: “كيف يمكننا العيش هكذا؟ أين نذهب؟” فقال لها: “الحال هو ذاته في كل مكان، والله وحده الذي سيحمينا”.

ويبين الكاتب أن الوجبات الأساسية تتكون من الخبز، الذي توزعه هيئات الإغاثة كل يومين، والأرز، والعدس، والبرغل، التي توزعها هيئات الإغاثة مرة كل شهرين أو ثلاثة، مشيرا إلى أن المواطنين يستطيعون الحصول على الماء 250 جالونا بعشرة دولارات إن استطاع المشتري توفير الوقود للتنك الذي يوصل المياه.

وتقول قدور إنه بسبب غلاء الوقود للطبخ، فإن الناس يقومون بالبحث عن الأخشاب في البنايات المدمرة لاستخدامها في الطبخ.

ويذهب التقرير إلى أن الوضع في حلب لا يزال على شفا كارثة أكبر، خاصة من ناحية نقص الماء والوقود، بحسب المسؤولين الكبار في المنطقة، التي يسيطر عليها الثوار، ويقول محمد فضيلة، الذي يرأس المجلس المحلي، في مكالمة يوم الجمعة إنه تم تخزين إمدادات تكفي لستة أشهر، لكن هناك نقص الوقود ولا تستطيع استخدام المتوفر، ويضيف فضيلة: “أدخلنا كميات كبيرة من القمح، لكن المشكلة ليس لدينا وقود لتشغيل المطاحن”.

وتلفت المجلة إلى أن نقص الوقود يهدد بشل أنظمة تنقية المياه، التي تجعل من مياه الآبار المحلية مياها صالحة للاستهلاك البشري، مشيرة إلى أن المنطقة تعاني من أزمة عناية طبية متنامية، حيث تم تدمير اثنين من 10 مستشفيات في المنطقة أخيرا، ويتفاقم نقص الأدوية في المنطقة أيضا.

وتقول قدور إنها لم تأكل الدجاج منذ شهر آب/ أغسطس، ولم تأكل لحم الضأن منذ عام 2014، وآخر مرة أكلت فيها فواكه وخضار طازجة كانت قبل شهرين عندما تم كسر الحصار، مشيرة إلى أنه ليس هناك أغذية طازجة في الأسواق، وتضيف أنه خلال العشرة أيام التي كسر فيها الحصار في آب/ أغسطس “أكلنا أربع وجبات من البندورة والخيار والبيض”.

ويستدرك غوتمان بأن الأمر كان مختلفا في 10 تشرين أول/ أكتوبر، حيث قامت ابنتها بإخراج بعض الباذنجان المجفف، الذي كانت قد خزنته منذ الصيف الماضي، وحشته بالأرز، وأضافت زيت الزيتون، وطبخت إحدى الطبخات السورية المفضلة، وتقول قدور: “شعرت شعورا جيدا ذلك المساء، حيث أكلنا شيئا غير الأرز والعدس”، لافتا إلى أنه في طريق عودتها إلى بيتها ذلك اليوم توقفت عند بقالة توابل، واشترت مسحوق الكاري والسماق والخميرة، وهذا كل ما كان متوفرا في البقالة.

ويفيد التقرير بأنه حتى المواد الغذائية البسيطة غير متوفرة، فبعد أن تمشت قدور مع حفيدتها قليلا في الخارج، قالت لها حفيدتها إنها لم تحب التمشي، ولما سألتها الجدة لماذا، قالت لها لأنها لم تشتر لها الكعك، فأجابتها الجدة: “الله كريم، عندما نتخلص من الطائرات سأشتري لك ولإخوتك علبة كبيرة من الكعك”، وبعد مغادرة الطفلة للغرفة انفجرت الجدة بالبكاء، وتساءلت: “ما ذنب هؤلاء الأطفال ليحرموا من أبسط المتع؟”

وتكشف المجلة عن أن أطفال شرق حلب يضطرون للقيام بمهمات تخيف أكثر الكبار شجاعة، مشيرة إلى أن قدور فخورة بقدر ما هي خائفة على ابنها المراهق أمير، الذي يتطوع للعمل في المستشفيات المحلية، ومساعدة فرق الإنقاذ، ودخل في هذا المجال ابتداء بالتسجيل في دورة إسعاف أولي، دون أن يخبر أمه، واستخدم النقود من مصروف جيبه لشراء حقيبة إسعاف أولي، وتقول قدور: “لا أريده أن يغادر البيت عندما يكون هناك قصف.. أحيانا يسمع كلامي، وأحيانا يتسلل خارجا من البيت دون أن يخبرني”.

وتختم “فورين بوليسي” تقريرها بالإشارة إلى أن قدور وعائلتها تعيش في حالة خوف من أن رئيس النظام السوري يشار الأسد وروسيا مصران على السيطرة على حلب، وتخشى أن يكون مصيرهم التهجير، كما حصل لسكان داريا، ولا تدري أين سينتهي بها وبأفراد عائلتها المطاف، وتقول: “نحن عزل، والمجتمع الدولي أهملنا تماما”.

ترجمة بلال ياسين: عربي 21