1100 قبر يحمل كل واحد منها “شاهداً” مكتوباً عليه آية قرآنية، ولمن ينظر إليها من بعيد يعتقد أن تلك المقبرة في بيت سحم كأي مقبرة أخرى في أي بلد آخر في سوريا، ولكن إذا دقق الناظر فسوف ينتبه إلى أن تلك القبور لا تحمل أسماء ولا أرقاماً، ولا تحمل أي إشارة لمن دفن فيها.

وإن كان السوريون لا يعيشون رفاهية دفن أبنائهم، فإن دمشق كانت تحتفظ بهذه النعمة، رغم أن الدفن في دمشق بات يكلف ثروة لن يستطيع أن يدفعها إلا القلائل من سكان دمشق، عدا عن منع الجنازات في العاصمة، ولكن وكما يقول الناشط الإعلامي علاء من بيت سحم “هم يدفنون موتاهم على الأقل، ويقرؤون لهم الفاتحة”.

صورة المقبرة بلا أسماء تعود ملكيتها لعلاء المصور الأساسي في صفحة “عدسة جندي حر”، ويقول: “وهبت بيت سحم قطعة من أراضيها لدفن ضحايا النظام مجاناً، فقمنا بدفنهم هنا، واتفقنا أن الفاتحة تقرأ لهم جميعاً”.

مقبرة بيت سحم تضم 1100 لا يحمل أهلهم شهادة وفاة، وربما، وإن حالف الحظ أحدهم فإن أهله سيعرفون بموته وبمكان قبره ما يعطيهم فرصة قراءة الفاتحة له.

 

 

للمقابر معنى آخر

تحولت المقابر في سوريا إلى طريقة جديدة للاحتفاء وتكريم “شهداء الثورة”، إذ تحولت الحدائق إلى مقابر في مختلف مناطق سوريا، وإن كانت المقابر عادة تأخذ طابع التقشف، فإنها تلك المقابر في سوريا أخذت وقعاً آخر، فهي أولاً حماية لأجساد الأموات بعد أن اعتاد النظام سرقة الجثث وإحراقها أحياناً أخرى، أو وبحسب بعض الناشطين فإن جثث بعض السوريين كانت تجد طريقها بين المحافظات إلى أماكن التفجيرات المتكررة في سوريا، فوجد ابن حلب في تفجير بدمشق وابن ريف دمشق في تفجيرات حلب.. وهكذا.

حاول السوريون الاحتفاء بموتاهم من ضحايا النظام بتزيين قبورهم، وتحويلها لمزار، وباتت معظم المناطق تحتوي مقبرة جماعية تضم ضحايا مجزرة من مجازر النظام السوري، حتى باتت المقابر الجماعية والورود التي تحيط فيها سمة موحدة بين المدن والبلدات السورية، تماماً كما أصبح ارتكاب المجازر صفة من صفات الأسد ورجاله.

وإن كان الحزن على الميت هو القاعدة الإنسانية المطلقة، فإن السوريين لا يجدون الوقت للحزن، ولكنهم ربما يبحثون فقط عن لحظة احترام لهذا الحزن المؤجل إلى ما بعد سقوط النظام المسؤول عن موتهم كل يوم.
لكل سوري وظيفته.. الابن يُقتل، الأم تكفن، الأب يدفن، الأخ يقتلع قلبه، الأخت ينكسر ظهرها، الزوجة أرملة، الأطفال لاجؤون، وهاهي المقابر في سوريا تصبح بلا أسماء.