أخبار عاجلة
الرئيسية » فرفش » أم كلثوم.. كوكب النكتة
أم كلثوم.. كوكب النكتة

أم كلثوم.. كوكب النكتة

ترجع شهرة أم كلثوم إلى صوتها الجميل وأدائها الرائع. تربعت على عرش الغناء في العالم العربي معظم القرن العشرين. ومن ألقابها: كوكب الشرق، “الست”، صاحبة العصمة. لكن كثيرين لا يعرفون أنها كانت أيضاً: صاحبة نكتة، سريعة البديهة، وأنها كانت من أهل الظُّرف.

كانت في جلسة اجتماعية عائلية في القاهرة، وبين الحضور رجل بليد وولده. والولد طفل مزعج لفرط بكائه، والأب مزعج لأنه لم يحرك ساكناً ليسكت عويل ولده. إلى أن همس أحدهم في أذنه فقام وخرج مع ولده إلى الحديقة. تنفس الحضور الصعداء وأولهم كوكب الشرق. وسأل أحدهم عن الطفل: “إبن مين ده؟” فأجابت أم كلثوم بعفوية “إبن اللئام”! ويمكن تأويلها “إبن اللي قام”!

وكان الشاعر المصري، إمام العبد، ذا بشرة سمراء داكنة. وسبح ذات مرة في الإسكندرية وكانت أم كلثوم على الشاطئ تجلس تحت المظلة وبرفقتها صديقات وأصدقاء. ولما خرج إمام العبد من البحر قالت الست: “شوفوا.. أهو بقى سوداني مملح”!

وكان الموسيقار الشهير وعازف العود القدير، محمد القصبجي، قد اشترى ذات يوم ربطة عنق بأربعة جنيهات. وظل يرتديها سنوات. وبعدما عفى عنها الزمن، أراد أن يبيع الكرافات إلى أحد العازفين في فرقة أم كلثوم. طلب أربعة جنيهات وأصرّ العازف على دفع جنيهين اثنين فقط. حاول القصبجي أن يغريه بأن الكرافات حرير أصلي ومن ماركة شهيرة، لكن العازف تمسك بالجنيهين نظراً لأنها مستعملة، بل وكثيرة الاستعمال. وكانت أم كلثوم حاضرة وسمعت المساومات فتدخلت في الحديث وقالت للعازف: “أعطه الجنيهات الأربعة” فأجاب العازف: “أربعة كثير، اثنين كفاية” فعلقت الست: “وفيها باتنين جنيه دهن، يبقى الحساب مزبوط”!

وكنت في القاهرة يوم توفيت أم كلثوم. ما إن سمع المخرج حلمي رفلهن النبأ، حتى تملكه الحزن وقال “لازم أروح أعزي”. سألته أن أرافقه فوافق. وكانت فيللا أم كلثوم تغص بالحاضرين، بينهم مشاهير وفئات غفيرة مختلفة من الشعب المصري. الحزن مخيم. جلستُ بجوار حلمي رفله الذي كان شارد الذهن، أظنه يسترجع ذكرياته مع كوكب الشرق. بوساطة منها لدى طلعت حرب، حصل الشاب حلمي على منحة لدراسة الماكياج في باريس. وهو الذي تولى الماكياج في كل أفلامها وفي حفلاتها إلى أن تحول إلى مخرج ومنتج أفلام. أما أنا فكنت حيناً استرجع صوراً من سيرة الست، وأحايين أراقب الداخلين والخارجين.

إلى أن وصل مواطن تأبط حزناً، وعضلات وجهه ترتجف والزبد على شفتيه. خبط بلاط العتبة بقدمه وكاد يشق قميصه وهو يصرخ “الله أكبر”. قالها سبع مرات وفي كل مرة من مقام أعلى. وفي الثامنة انبطح أرضاً مغشياً عليه. أسرع الحضور بإسعافه، وأولهم الدكتور الحفناوي، زوج أم كلثوم. المهم أن الرجل استرد وعيه المفقود، لكنه لم يفقد الحزن الموجود. وحدث انقلاب في الموقف واختلطت الحدود. إذ جرت العادة أن الآتين لتقديم العزاء هم الذين يرددون عبارات المؤاساة على مسمع أهل الفقيد. لكن المواطن إياه استمر في البكاء واللطم واستمر الدكتور الحفناوي يؤاسيه قائلا “دي إرادة ربنا.. حنعمل إيه.. مصير الحي يتلاقى… ربنا يكتب لها الجنة.. ربنا يصبّرك.. إنا لله وإنا إليه لراجعون..البقية في حياتك”. ومع كل جملة يزداد نحيب المواطن. فعضّ الحاضرون – وأنا منهم- على الشفاه حتى لا تنطلق الضحكات. وانتهى الموقف بطلب من الدكتور الحفناوي “خذوه يرتاح في الصالون التاني”. فذهب يرتاح، وأراح. وبخروجه حال دون انفجار القهقهات في مجلس العزاء! –

المصدر: المدن – فارس يواكيم