أخبار عاجلة
الرئيسية » فرفش » ملكات جمال لبنان… تاريخ من الهوس
ملكات جمال لبنان... تاريخ من الهوس

ملكات جمال لبنان… تاريخ من الهوس

تابع الجمهور اللبناني بشغف قلّ مثيله، حفلة انتخاب ملكة جمال لبنان، في سهرة نقلها التلفزيون مباشرة من مسرح كازينو لبنان، وانشغل بفوز الصبية ساندي تابت بهذا اللقب، وبات هذا الاختيار حديث البلد. يشهد هذا الشغف الغريب لحماسة اللبنانيين بحفلات الجمال، وتعلّقهم بها منذ شيوعها في القرن الماضي، وانتشارها بشكل قلّ مثيله في العالم أجمع.
عمل سليم اللوزي في مطلع حياته المهنية في الصحافة الفنية، وكان مراسلاً لمجلة “الكواكب” المصرية، وله مقالات عديدة تناول فيها ولع اللبنانيين بحفلات انتخاب ملكات الجمال. في تشرين الأول/أكتوبر 1952، حضر الصحافي اللبناني خمس حفلات من هذا النوع، وكتب معلّقا: “أعتقد أن لبنان يستطيع، بعدد ملكات الجمال اللواتي ينتخبهن في كل سنة، أن يضرب الولايات المتحدة على عينيها الإثنتين، ففي كل مصيف لبناني، وفي كل قرية في جبل لبنان مصيف، تجري حفلة سنوية لانتخاب ملكة للجمال، بل كثيراً ما يحدث في سهرة من السهرات العامة المرحة، أن يرشّح عدّة رجال صبيّة حلوة لعرش الجمال، وتتألف لجنة من الحاضرين، تستحضر شريطاً حريرياً يكتب عليه بماء الذهب: ملكة جمال المرح، مثلاً، ثمّ يقف أحدهم ويخلع الشريط الحريري على الصبية الحلوة، فتصبح ملكة أربع وعشرين قيراطاً”.

حضر سليم اللوزي خمس حفلات كبرى أقيمت في أسبوع واحد، وشاهد خمس ملكات للجمال. جرت الحفلة الأولى في بلدة حمّانا، وفيها “أعلن مفوض السياحة والاصطياف في لبنان اسم الآنسة سميرة عاد ملكة لجمال الصيف”. وجرت الحفلة الثانية في منزل أحد الوجهاء في لبنان، وفيها أعيد انتخاب الآنسة جاكلين جبارة للمرة الخامسة ملكة للجمال، وكانت قد انتخبت للمرة الأولى ملكة للصيف في بلدة ضهور الشوير، والملكة كانت في البدء من أجمل مضيفات شركة فرنسا للطيران، وقد انتقلت إلى عالم الرياضة، وعُرفت كبطلة من أشهر لاعبات كرة السلة، ثم تلقت دروسا في المصارعة الحرة. وجرت الحفلة الثالثة في أحد فنادق مصيف سوق الغرب، وهي من تنظيم نادي الصنوبر الذي يقيم سنوياً حفلة راقصة تقام فيها مباريات الرقص والأناقة والجمال تحت إشراف وزارة المعارف اللبنانية، “ففازت الآنسة أوديت كرم بلقب ملكة جمال ابولون، وبتذكرة سفر للقاهرة ذهاباً وإياباً”. وأقيمت الحفلة الرابعة في الخنشارة، وفيها فازت آسيا فواز بلقب “ملكة جمال المصايف”، “وهذا بالطبع غير ملكة جمال الصيف”. نصل إلى الحفلة الخامسة، وهي الحفلة الكبرى المخصصة لانتخاب “ملكة جمال لبنان” وقد أشرفت عليها “مجلة لبنان” الناطقة بالفرنسية، وجرت في ملهى “بيسين عاليه”، بحضور لجنة مؤلفة من عشرة أعضاء من أرقى الأوساط الإجتماعية. ضمّت هذه اللجنة النجمة المصرية تحية كاريوكا، وفازت نورما مسك بلقب “ملكة جمال لبنان”، ويبدو أن هذه الملكة كانت تتمتع بثقافة سينمائية عالية، إذا نقل عنها اللوزي اعجابها الشديد بفيلم “سارق الدراجات” للمخرج فيتوريو دي سيكا”.

في أيار/مايو 1954، كتب اللوزي من جديد عن ظاهرة شيوع حفلات الجمال في لبنان، وقال: “لست أغالي إذا قلت أن بيروت تشهد كل يوم حفلتين أو ثلاث أو أربع، يُنتخب في كل منها ملكة للجمال. ومن يطالع الصحف اللبنانية يجد فيها كل صباح ملكة جديدة. ويكفي أن تكون الفتاة على شيء من الجمال، ولها شلة من بضعة أصدقاء، حتى تقام الحفلة ويُدعى إليها الناس، وتُنتخب الآنسة الفاضلة ملكة على سن ورمح”. تحدّث مراسل “الكواكب” عن انتخاب ملكة جمال الأناقة وملكة جمال الجامعة الأميركية، وشدّد على الدور الكبير الذي تلعبه هذه الجامعة “في صنع ملكات الجمال”، وعلى السمعة الممتازة التي تتمتّع بها في هذا الجمال، وهي تقيم في مطلع ربع كل عام من حفلة راقصة في غابات الصنوبر، وتنتخب ملكتين: ملكة جمال الجامعة، وملكة جمال الربيع.

في نهاية آذار/مارس 1955، نقل سليم اللوزي خبر انتخاب ملكة جمال بيروت بمباركة رئيس الوزراء سامي الصلح، وقال إن الآنسة لولا أشقر فازت بهذا اللقب، وهي عارضة أزياء في العشرين من عمرها، “تتقن اللغة الفرنسية، وتحلم بأن تصبح ممثلة سينما في القاهرة أو باريس أو هوليوود، وهو أضعف الإيمان”. وأضاف معلّقاً: “ولبنان، كما سبق أن أشرنا مراراً، قد ضرب الرقم القياسي في العالم القديم والحديث بعدد ملكات الجمال اللواتي ينتخبهن كل سنة، فهناك ملكات جمال الربيع والصيف والخريف والشتاء، ثم هناك ملكات جمال الأناقة والرقص وتدبيل العيون، ثم هناك الملكات اللواتي تنتخبهن كل قرية من الخمسمئة قرية التي يضمها لبنان، حتى ان احدى الصحف قالت على سبيل الدعابة: ان لبنان مهدّد بأزمة في الرعيّة، فقد يجيء يوم تصبح كل فتاة في لبنان تحمل لقب ملكة جمال”.

عاد سليم اللوزي بهذه المناسبة إلى الوراء، وقال أن العاصمة اللبنانية شهدت تباعاً ثلاث مباريات لانتخاب ملكة جمال بيروت في العام 1953، وأن هذه الحفلات جرت كلها تحت رعاية الرئيس سامي الصلح “الذي يؤمن بالأسطورة القائلة مبارك من يكشف للدنيا عن ملكة جديدة للجمال والحب”. في المباراة الأولى، فازت آنسة من آل صاروفيم، وبعد ستة أشهر، فازت باللقب نفسه، كوليت، ابنة اسكندر الرياشي صاحب جريدة “الصحافي التائه”، وبعد بضعة أشهر نُظّمت حفلة ثالثة لانتخاب ملكة جمال بيروت، وفازت فيها الفنانة قوت القلوب التي”وزعت ليلتها ألف صورة من صورها على الحاضرين للذكرى والتاريخ”.

تضاعف عدد ملكات الجمال في الستينات، ووصل إلى ست وستين ملكة في العام 1966 كما أحصت مجلة “الشبكة” في تحقيق طويل حمل أسماء كل الملكات مع ألقابهن. إلى جانب ملكات الخريف والشتاء والربيع والصيف، نجد ليليان صوايا ملكة جمال معهد بيجيه، سناء عسيران ملكة جمال كلية التجارة، أمال رنو ملكة الأناقة في الكلية الأهلية، سمية زين ملكة جمال كلية بيروت للتجارة، صونيا ملكونيان ملكة جمال الأدب آرت، ليلى لطف الله ملكة جمال الرقص، مي هوا ملكة جمال الفساتين، ميشلين شدياق ملكة جمال نادي الشبية الكاثوليكية، مهى عبد الساتر ملكة جمال الشبيبة الكلدانية، كورين ثابت ملكة جمال نادي شل الرياضي، تيريز عبود ملكة جمال مؤسسة لبنان للتعليم، وأحلام يحيى ملكة أناقة الجنوب. في ذلك العام فازت غلاديس أبو جودة بلقب “مليحة العرب”، وقد حافظت على هذا اللقب بعدما احترفت التمثيل واتخذت اسم حبيبة. كما فازت بلقب “ملكة جمال الصيف” الآنسة صولانج توتونجي، والتي اصبحت زوجة بشير الجميل في العام 1977.

استمرّ هذا المسلسل الطويل في السنوات التالية، وفي آذار/مارس 1969، فازت جورجينا بلقب “ملكة جمال الفلسفة”، ونقلت “الشبكة” عنها قولها بهذه المناسبة: “لا أعرف شيئاً عن الفلاسفة ولا أقرأ كتب الفلسفة، أفضل قراءة المجلات، وأحب السبور والعزف على البيانو وسماع الموسيقى”. في العام التالي، حصلت “ملكة جمال الفلسفة” على لقب “ملكة جمال لبنان”، ثمّ توّجت على عرش جمال الكون في العام 1971، وهي إلى يومنا هذا، أشهر ملكات جمال لبنان.

المصدر: المدن – محمود الزيباوي