أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » الشتاء على الأبواب: ليس بالقصف وحده يموت الحلبيون
الشتاء على الأبواب: ليس بالقصف وحده يموت الحلبيون

الشتاء على الأبواب: ليس بالقصف وحده يموت الحلبيون

أسابيع قليلة ويحل فصل الشتاء في مدينة حلب، ببرده واحتياجاته، ما يُضيف أعباءً جديدة على سكان المدينة في ظل الحصار وفقدان المحروقات ووسائل التدفئة الأخرى التي اعتمد عليها أهل المدينة خلال سنوات الحرب الخمس، ليأتي الحصار على ما تبقى منها.

ولا يأمل أبو محمد، 42 عاماً، أن يتوافر في السوق أي مازوت أو حطب كما كان الوضع سابقاً، ليتمكن من تأمين الدفء لعائلته المكونة من زوجته وأربعة أولاد، بالإضافة إلى أنه لا يملك المال لشرائها ان توافرت. فمهنته في إصلاح المكيفات الهوائية، لم يعد لها أي قيمة في ظل انقطاع التيار الكهربائي المتواصل. يقول أبو محمد: “منذ أكثر من شهرين أقوم بجولة يومية في حارتنا ابحث في البيوت التي دمرها الطيران عن بقايا الأبواب والخزائن الخشبية المكسرة، لأجمعها واضعها في قبو بيتي، لاستخدمها في الشتاء”. ويساعد أبو محمد، في بحثه، أن معظم سقوف بيوت حارته في حلب القديمة، من الخشب، ما يزيد كمية الخشب المتوافرة بعد كل غارة.

ويقيم في أحياء حلب الشرقية المُحاصرة من قبل قوات النظام، ما يزيد عن 300 ألف مدني، أكثر من نصفهم من النساء، وبينهم أكثر من 20 ألف طفل تحت عمر السنتين.

الشاب حسن أبو حمو، وجد وسيلة أخرى للتدفئة، فمن حسن حظه أنه يسكن مقابل حديقة في حي الصاخور تعرضت لكثير من القصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ، ما خلّف الكثير من الأشجار المكسرة. حسن يقوم باستغلال ما تبقى من بنزين لديه، بعدما توقف عن العمل كسائق سيارة أجرة، لتشغيل منشار البنزين وقص بقايا الأشجار إلى قطع صغيرة يدخرها للشتاء.

الكمية لا تكفي لتأمين الدفء طيلة فصل الشتاء، لذلك يضع حسن أبو حمو خطة للتقنين في الحطب: “سأضع المدفأة في الغرفة التي نعيش فيها في قبو المنزل فتكون وسيلة للطبخ والتدفئة معاً”. وعلى ما يعتقد حسن، فلن يستطيع تشغيل المدفأة أكثر من 6 ساعات يومياً، و”باقي الوقت سوف اضطر وأطفالي للاعتماد على لباسنا الشتوي السميك والبطانيات”.

أما المؤن الشتوية، التي اشتهر بها البيت الحلبي من الأطعمة المختلفة، فيبدو ألا مكان لها في حياة الحلبيين هذا الشتاء. بحسب حسن أبو حمو: “اعتدنا أن نملأ المطبخ قبل حلول الشتاء بانواع عديدة من المؤن كالزيت والزيتون والمربيات إضافة الى الأرز والبرغل ومختلف البقوليات، لكننا لا نجد ما يكفينا لنأكل بسهولة”. فالخضار والفواكه مفقودة منذ بداية الحصار، واعتماد كل سكان حلب بات على الأرز والبرغل المتبقي لديهم، أو الذي تقدمه المنظمات. والأولوية الآن بالنسبة لحسن وأهالي الشرقية المحاصرة، “أن نجد ما نأكله لا أن نُخزّن المؤن للشتاء”.

ومن المصاعب الجديدة التي سيضيفها الشتاء إلى حياة الحلبيين، في ظل انعدام التدفئة، هو المزيد من الأمراض للأطفال، والمزيد من الضغط على الأطباء والمشافي التي أصبحت هدفاً للقصف شبه اليومي، هذا فضلاً عن الأدوية التي بدأت تتناقص. حسن كان قد أمضى يوماً كاملاً، وهو يبحث عن “رذاذ” لابن اخيه المصاب بالربو.

مدير “مشفى القدس” الطبيب حمزة الخطيب، قال لـ”المدن”، إن الكادر الطبي يستطيع التعامل مع البرد، من خلال الألبسة الشتوية في ظل انعدام وسائل التدفئة في المشفى. إلا أن التأثير الأكبر سيكون على المرضى، فمن “المستحيل أن نتمكن من تشغيل التدفئة المركزية في المشفى ونحن نحاول التقنين قدر الإمكان في استخدام مخزون الوقود الذي سينفذ خلال شهرين”. والبحث عن حلول بديلة جارٍ، إلا أن معظمها لا يبدو ممكناً، فالتدفئة بالكهرباء تعني المزيد من استخدام الوقود، واشعال نار للتدفئة على الحطب في المشفى سيزيد أوضاع المرضى سوءاً. والوسيلة الوحيدة المتاحة والممكنة حاليا هي البطانيات، ما سيؤثر على المرضى بشكل كبير، فالذين يخضعون لعمليات جراحية يكونون بحاجة ماسة للدفء كي لا تتضاعف صدمتهم، بالإضافة إلى الأطفال في الحاضنات، ومرضى العناية المشددة.

ويضيف الخطيب: “نتوقع أن يؤدي الشتاء هذا العام في حلب إلى ارتفاع نسبة الأمراض الصدرية بنسبة 200 في المئة، ما يعني مزيداً من الضغط على الكادر الطبي إضافة الى الضغوط الكبيرة نتيجة القصف المستمر على الجزء الشرقي من المدينة”. ذلك، بالإضافة إلى عدم كفاية المخزون من الادوية لهذه الامراض، لكل سكان حلب طيلة الشتاء. فالمنظمات الإغاثية والإنسانية قليلاً ما ترسل هذا النوع من الادوية، لأنها تركز على الادوية الاسعافية، ما سيعني  بحسب الخطيب، “أننا سنضطر إلى العودة للعلاج بالأعشاب، التي آمل أن يتوافر مخزون كاف منها”.

كغيرهم من العاملين في حلب، سيزيد الشتاء من صعوبة مهام “الدفاع المدني” في ظل القصف المستمر للمدينة، ووجود بشر عالقين تحت الأنقاض، بحسب رئيس مركز “الدفاع المدني” في باب النيرب بحلب بيبرس مشعل، الذي قال لـ”المدن”: “في شتاء حلب القاسي لا أحد يطيق الحركة العادية فكيف إذا كان عملاً يدوياً يتطلب جهداً كبيراً من رفع للأنقاض وسحب العالقين تحتها؟ يؤثر الشتاء بشكل كبير على أجسادنا وقدرتنا على الحركة كون عملنا هو في مناطق كوارث ولا يمكن اتخاذ أي احتياطات لاتقاء البرد”.

والمشكلة الأكبر لـ”الدفاع المدني” و”ذوي الخوذات البيضاء”، تكمن في الآليات ونوعية الوقود إضافة الى كمياته التي لن تكفي لأكثر من شهرين بحسب مشعل. فنوعية المازوت الرديئة التي تصلهم تجعل من الصعب جداً تشغيل الآليات في الشتاء، “فلم يعد مانع التجمد يُجدي نفعاً، ونقوم عادة بإشعال النار تحت خزان الوقود حتى نتمكن من تشغيلها، وأحياناً خذلتنا الاليات في أوقات حرجة اضطررنا فيها للعمل على رفع الأنقاض يدوياً”.

وعن مهام “الدفاع المدني” في الشتاء، يقول مشعل: “تكون لدينا مهمة جديدة إضافة الى مهامنا في رفع الأنقاض واخماد الحرائق، وهي سحب السيارات بعد حوادث السير التي تزداد في الشتاء نتيجة كثرة الانزلاقات في الشوارع سيئة التعبيد”. هذا بالإضافة الى وقوع بعض السيارات في الحفر التي خلّفها القصف، والتي تمتلىء بالماء شتاءً ما يجعلها غير مرئية للعديد من الناس.

تدخل حلب شهرها الرابع من الحصار فعلياً، ولم تدخل أي مساعدات الى المدينة خلال هذه الفترة، رغم تمكن بعض الفصائل من فك الحصار جزئياً عن حلب. رئيس “المجلس المحلي لمدينة حلب” بريتا حاج حسن، قال لـ”المدن”، إنه خلال الشهور الماضية من الحصار، تم استهلاك معظم الكميات المخزنة من المواد الاغاثية، خصوصاً وأن الحصص لم تعد توزع بحسب ترتيب الحاجة، بل على جميع السكان، بسبب الحصار. وحتى إن توافر لدى الناس المال، فلن يجدوا ما يشترونه في الأسواق. المواد غذائية مكدسة في مستودعات الريف، وننتظر أن يتم فتح طريق لإدخالها، إلا أن ذلك يبدو غير ممكن، و”لم نعد نثق بالوعود التي تقدم لنا خاصة بعدما تلفت شحنة كاملة من المساعدات في معبر باب الهوى، بسبب التأخير في إدخالها لأكثر من شهرين، وبقائها في الشاحنات تحت العوامل الجوية المختلفة”. وكانت الشحنة تضم 40 شاحنة محملة بالمواد الغذائية وحليب الأطفال، وهي تابعة للأمم المتحدة.

ولن يستطيع المجلس تقديم المساعدات لسكان حلب من المحروقات ومواد التدفئة هذا الشتاء، يقول حاج حسن: “أعددنا خطة متكاملة لتأمين احتياطي من المحروقات لمدينة حلب لسنة قادمة بقيمة 3.5 مليون دولار، وقدمناها لعدد من الجهات من بينها الأمم المتحدة”. ولكن الخطة رُفضت بحجة ان المحروقات سيتم شراؤها من تنظيم “داعش” الذي يسيطر على معظم حقول النفط في سوريا، ما يعتبر دعماً لـ”الإرهاب”.

وأشار حاج حسن إلى أن “مجلس المدينة” يقوم بزراعة أكثر من عشرين هكتاراً كمحاولة لتغطية جزء من احتياجات السكان من الخضروات، إلا أنها “لن تكفي كل السكان إذا استمر الحصار طويلاً. فسيكون الوضع كارثيا إذا استمر الحصار، فالمخزون الموجود في حلب لن يكفي لأكثر من شهرين”

المصدر: المدن – محمود عبدالرحمن